وزير البترول يستعرض خطة الحكومة لإعادة قطاع الطاقة إلى مساره الصحيح بعد الانتكاسات الأخيرة: على مدى السنوات القليلة الماضية، واجهت مصر عددا من المشكلات المتزايدة في قطاع الطاقة، بدءا من تراجع إنتاج النفط والغاز إلى تزايد المستحقات المتأخرة لشركات الطاقة الأجنبية. وفي حديثه خلال حفل نظمته غرفة التجارة الأمريكية وحضرته إنتربرايز، حدد وزير البترول كريم بدوي خارطة طريق لتحقيق الاستقرار في القطاع وتعزيز الإنتاج وتشجيع الاستثمارات المستدامة، مع التركيز بشكل خاص على التعاون بين القطاعات لدعم التنمية الاقتصادية المستدامة.
لا تزال الأولوية لتلبية الاحتياجات المحلية من الطاقة: أوضح بدوي أن تأمين إمدادات الطاقة في مصر يأتي في مقدمة أولويات الوزارة. وقال إن الحكومة تركز على "الإنتاج ثم الإنتاج ثم الإنتاج"، إذ تعمل الدولة على زيادة الإنتاج، والاستغلال الأمثل للحقول القائمة، وتسريع عمليات التنقيب عن احتياطيات جديدة. وأشار إلى أن هذا التركيز أمر بالغ الأهمية ليس فقط لتحقيق الاستقرار في السوق المحلية ولكن أيضا لتقليل الاعتماد على الواردات وتخفيف الضغط الاقتصادي الناجم عن ارتفاع الطلب على الطاقة.
يمكن أيضا استغلال قطاعي التكرير والتعدين بشكل أفضل: تتطلع الوزارة أيضا إلى الاستفادة من البنية التحتية المتطورة لقطاعي البتروكيماويات والتكرير في مصر لتوليد مشتقات ذات قيمة مضافة ودعم الصادرات. وتهدف هذه الجهود إلى جذب العملات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها لدعم الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، يحظى قطاع التعدين - الذي وصفه بدوي بأنه "الحصان الأسود" ذو الإمكانات غير المستغلة - باهتمام متجدد. وتصل مساهمة القطاع حاليا في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1% فقط، وتضع الوزارة نصب أعينها زيادة هذه النسبة إلى 5-6% في السنوات القادمة من خلال تعزيز التعاون ومراجعة سياسات الاستثمار.
وتستعد مصر لطرح مزايدة عالمية للبحث والتنقيب عن الذهب في نحو 200 منطقة بالصحراء الشرقية قبل نهاية العام الجاري. وتأتي هذه الخطوة وسط جهود أوسع لتطوير قطاع التعدين في مصر، إذ قال بدوي الشهر الماضي إن الحكومة تعد استراتيجية جديدة لتطوير قطاع التعدين تعتزم الكشف عنها في ديسمبر المقبل خلال مؤتمر التعدين العالمي 2024 في لندن.
مفاتيح النمو والاستدامة على المدى الطويل: أكد بدوي على أهمية الشراكات المحلية - لا سيما مع وزارة الكهرباء - لتحقيق مزيج طاقة أكثر استدامة. وتهدف الخطط الرامية إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 42% بحلول عام 2030 إلى إتاحة الغاز الطبيعي للتصدير والاستخدامات الصناعية، مما يعزز احتياطيات مصر من النقد الأجنبي. وأكد الوزير أيضا على أن كفاءة الطاقة والعمليات منخفضة الكربون ضرورية حاليا لجذب الاستثمار، مسلطا الضوء على الحاجة إلى تحقيق التوازن بين الأهداف البيئية والأولويات الاقتصادية للحفاظ على ثقة المستثمرين.
وتلعب الشراكات الإقليمية أيضا دورا رئيسيا في استراتيجية الوزارة، مع التركيز على التعاون مع الدول المجاورة مثل قبرص. وأشار بدوي إلى هذه الشراكات باعتبارها ضرورية لتعزيز الموارد المشتركة وتحقيق أهداف الطاقة المشتركة، مشيرا إلى المناقشات التي جرت في الشهر الماضي في مؤتمر حوض البحر الأبيض المتوسط في الإسكندرية كمثال على هذا التقدم.
كيف يرى بدوي قطاع النفط خلال الـ 30 شهرا الماضية؟ في الأسابيع الأولى من توليه منصب الوزير، دعا بدوي إلى معالجة الأسباب الجذرية لتحديات الطاقة في مصر، والتي من أبرزها تقلبات العملة وتقلب أسعار النفط العالمية. وقال إن هذه المشكلات أدت إلى تصاعد المتأخرات المستحقة للشركاء الدوليين، وتباطؤ أعمال الإنتاج والتنقيب، وانخفاض الإنتاج بنسبة تتراوح بين 20% و25%. وقد دفع هذا الانخفاض مصر على الاعتماد على الواردات المكلفة لتلبية الطلب المحلي المتزايد، مما أدى لضغوط إضافية على الموارد المالية. والآن، ينصب تركيز الوزارة على تسوية تلك المتأخرات، وتحقيق الاستقرار في الإنتاج، وضمان دعم القطاع للنمو الاقتصادي في مصر على نحو مستدام.
بالأرقام- تمكنت الحكومة من سداد مستحقات متأخرة بقيمة 3.5 مليار دولار منذ مارس الماضي.
إنهاء انقطاع التيار الكهربائي سيدعم النمو: كان إنهاء انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة خطوة صعبة ولكنها ضرورية لضمان استمرارية توفير الكهرباء للمنازل والأعمال ودعم النمو الاقتصادي، وفقا لبدوي. وتطلّب القرار زيادة واردات الطاقة في الربع الثالث، مما زاد من الضغط على القطاع ولكنه مكّن من جهود تحقيق الاستقرار.
ولمعالجة الفجوة المالية بين ارتفاع تكاليف الاستيراد والتسعير المحلي، قامت مصر برفع أسعار الوقود في يوليو وأسعار الكهرباءفي أغسطس، تلتها سلسلة من الزيادات في الغاز الطبيعي المنزلي واسطوانات البوتاجاز وأسعار الوقود في سبتمبر. وأقر بدوي بالتحديات لكنه شدد على أن هذه التعديلات كانت ضرورية لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل والحفاظ على ثقة المستثمرين في قطاع الطاقة. وتهدف الزيادات إلى سد الفجوة السعرية بين الواردات والاستهلاك المحلي، وتسوية المستحقات المتأخرة، وتحريك عجلة الإنتاج والتنقيب بعد تباطؤ استمر 30 شهرا.
تطرق بدوي إلى تفاصيل حزمة الحوافز الجديدة التي أعلنتها الوزارة مؤخرا لشركات النفط والغاز، حيث ذكر الوزير أن الشركاء الذين يتجاوز إنتاجهم خط الأساس في الأول من سبتمبر سيشهدون استخدام الإنتاج الإضافي لتمويل المتأخرات وإعادة الاستثمار في العمليات. وتشمل التحديثات التي أُدخلت على اتفاقيات تقاسم الإنتاج الآن شروطا أكثر مرونة لاسترداد التكاليف خلال المراحل الأولى من المشاريع، مما يعزز جاذبيتها مع دعم استدامة القطاع على المدى الطويل. وإدراكا من الوزارة أن الاتفاقيات السابقة غالبا ما كانت تقصر في تحقيق أقصى قدر من العوائد - خاصة فيما يتعلق بمشاريع الغاز - أشارت الوزارة إلى انفتاحها على اعتماد أطر مالية وتشغيلية مبتكرة.
مرونة مالية أكبر: أطلقت الوزارة كتيب وثيقة الاستثمار في النفط والغاز خلال معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول 2024، والذي يحدد نظاما ماليا أكثر مرونة يتضمن عائدات وهيكليات ضريبية محدثة لجذب الاستثمارات في القطاع وتسريع الإنتاج. ولا تزال الوثيقة مفتوحة لتلقي الملاحظات، حيث تسعى الوزارة إلى التوصل إلى وضع مربح لجميع اللاعبين في القطاع.
كما يعد التعاون بين المؤسسات أمرا أساسيا: "هذا ليس عرضا فرديا"، حسبما أشار بدوي، مشددا على ضرورة التعاون بين مجلس الوزراء والهيئات التنظيمية والشركاء في الصناعة باعتباره أمرا ضروريا لتحقيق الاستقرار والنمو في قطاع الطاقة بمصر.
تعمل الوزارة على تعزيز الشراكات مع شركات التنقيب والإنتاج الـ 57 المحلي والدولية على حد سواء، لخفض التكاليف وزيادة الإنتاج من خلال مبادرات كالمزايدة التي طرحتها الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) لـ 12 منطقة جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط ودلتا النيل. واكتسبت الجهود المبذولة لإشراك مستثمرين مصريين غير تقليديين زخما أيضا، حيث سلطت الجلسة الأخيرة الضوء على الفرص المرنة التي لا تتطلب رأسمال ضخم للاستثمار، مدعومة بالشراكات الفنية.
ما هو موقف مصر الحالي من حيث مستويات الإنتاج؟ يتواصل ارتفاع إنتاج مصر من النفط والغاز، مع استئناف شركة إيني الإيطاليةعملياتها في ديسمبر. كما تعمل شركة بي بي على تسريع المرحلة الثانية من حقل ريفين، بينما تعمل شركة أباتشي على زيادة إنتاج النفط والغاز في الصحراء الغربية. كما تساهم شركات مثل شل وشركة آي بي آر إنرجي وأديس القابضة في زيادة الإنتاج من خلال تطوير آبار جديدة.
تم حفر حوالي 77 بئرا استكشافية خلال 10 أشهر من عام 2024، وفقا لبدوي، مما أدى إلى 40 اكتشافا نفطيا و14 اكتشافا للغاز. كما استؤنفت الدراسات السيزمية في البحر الأبيض المتوسط، والتي تُستخدم كأداة لتوجيه الاستكشاف وتحديد الفرص غير المستغلة.
ما هي التوقعات لقطاعي الطاقة والتعدين في 2025؟ سيظل التركيز منصبا على زيادة مستويات الإنتاج لتعويض الانخفاضات وتقليل فاتورة استيراد الطاقة. وستحتل أعمال الاستكشاف أيضا مركز الصدارة، مع بذل الجهود لتعزيز الاحتياطيات المستقبلية الضرورية لتحقيق النمو على المدى الطويل. وستُستكمل هذه المبادرات بتحديث البنية التحتية وتدابير الكفاءة. وأشار بدوي إلى أهمية التعاون والعمل الجماعي بين الحكومة والقطاعين النفطي والتعديني، واصفا إياه بأنه ضروري لتحقيق طموحات مصر في مجال الطاقة والتعدين.