مازال الانتقال من مرحلة اكتشاف الموارد المعدنية إلى مرحلة تأسيس مشاريع قابلة للتمويل يمثل ما يوصف اصطلاحا بـ "وادي الموت" الذي تتعثر فيه أغلب الموارد في الأسواق الناشئة. ويرى المستثمرون والمستكشفون المشاركون في منتدى مصر للتعدين هذا العام أن الطبيعة الجيولوجية لمصر ممتازة، ولكن ينقصها البنية الفنية والتنظيمية والمالية اللازمة للانتقال بهذه الاكتشافات إلى حيز التنفيذ.

يطلق العاملون في القطاع مصطلح "وادي الموت" على الفجوة بين اكتشاف المعادن وتمويل المنجم، وهو ما تستهدف البلاد معالجته. قبل أن تضخ جهات التمويل استثماراتها في أي كشف تعديني، ينبغي لها قياسه والإبلاغ عنه وفقا للمعايير الدولية. ويعد المعيار الكندي (NI 43-101) أشهر هذه المعايير، إذ يشترط تصديق خبير جيولوجي أو مهندس معتمد على كمية التمعدن الموجودة فعليا. وفي هذا الإطار، تستهدف الحكومة زيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى ما بين 5 و6% بحلول 2030، صعودا من النسبة الحالية التي لم تتجاوز 1%. ومن أجل الوصول إلى هذا المستهدف، رفعت الحكومة الموازنة الاستثمارية للهيئة العامة للثروة المعدنية والصناعات التعدينية بمقدار الثلث لتصل إلى 20 مليار جنيه في العام المالي 2027/2026، بدلا من 15 مليار جنيه. ويكمن الهدف في بناء قطاع لا يعتمد على منجم ذهب تجاري واحد فقط، وهو منجم السكري.

البيانات التي يترقبها المستكشفون

عادة ما تبدأ طفرات التعدين على يد شركات التنقيب الناشئة، التي تبحث في الأراضي غير المختبرة عن رواسب جديدة وتتحمل المخاطر المبكرة. وحققت هذه الشركات نحو 60% من الاكتشافات المعدنية في العالم خلال العقد المنتهي في 2019، وفقا لشركة مينيكس كونسلتينج. وأكثر ما تحتاجه هذه الشركات هي البيانات الجيوفيزيائية الدقيقة؛ فكلما كانت البيانات أفضل، قلّت الأموال التي تهدرها في حفر آبار دون نتائج مثمرة.

وهذا بالضبط ما يهدف إلى توفيره أول مسح جوي شامل للثروات المعدنية في مصر منذ 42 عاما. تعاقدت الحكومة مع شركة إكس كاليبور الإسبانية لتنفيذ المسح الجوي البالغة تكلفته 60 مليون دولار، والمقرر الانتهاء منه بحلول نهاية عام 2027. ويقول الرئيس التنفيذي للشركة أندريس بلانكو لإنتربرايز إنهم "في انتظار الحصول على الموافقات والتصاريح النهائية للحصول على الضوء الأخضر، ونأمل استلامها قبل نهاية العام.. وفور صدورها، سنكون قادرين على إطلاق برنامج المسح خلال 30 إلى 45 يوما".

يبدأ المسح على نطاق واسع ثم ينحسر شيئا فشيئا. ستعتمد إكس كاليبور على تقنيات الجاذبية والمغناطيسية لتحديد الشذوذات الجيولوجية في البلاد بأكملها، تمهيدا لتركيز الجهود لاحقا عبر مسح كهرومغناطيسي عالي الدقة، حسبما أوضح بلانكو. وأضاف أن "دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع البيانات سيُسرع قدرة الشركات على تحديد أهداف التنقيب بشكل هائل، مؤكدا أن التكوينات في الدرع النوبي المصري هي امتداد مباشر للتكوينات الممتازة في الدرع العربي، مما يبشر باكتشاف معادن حرجة كالليثيوم والنحاس بالإضافة إلى الذهب".

لكن من سيتحمل التكلفة؟ سيُنتج المسح البيانات التي يحتاجها كل مستكشف، لكن المستثمرين لا يتفقون حول من يتحمل الفاتورة. يرى رئيس مجلس إدارة شركة إن تو ميتالز نجيب ساويرس أن الحكومة يجب أن تدفع التكلفة وتوفر البيانات للمستكشفين بتكلفة شبه مجانية، لأن "ما تنفقه [الدولة] على المسح الجوي سيعود إليها ملايين المرات أو أضعاف حجم الاستثمار عبر تقليل مخاطر الاستكشاف"، وفق ما قاله إلى الحضور خلال منتدى التعدين.

تقسيم الفاتورة: في المقابل، يفضل تونو فاك، الرئيس التنفيذي لشركة أتون ريسورسيز، أن يخضع الأمر لتقاسم التكلفة. ويقول في حديثه إلى إنتربرايز إن مسؤولية إتاحة البيانات لا تقع على عاتق الحكومة المصرية وحدها، رافضا المقارنة مع السوق السعودية في هذا الصدد، لأن "دوافع المملكة لتطوير التعدين ليست اقتصادية بحتة، بل تدعمها إمكانات مالية حكومية ضخمة لتأسيس القطاع"، على حد قوله.

أموال جديدة وقواعد جديدة

الطلب يتزايد من جميع أنحاء القطاع: يقول ساويرس إن شركاته تقدمت بعروض للحصول على 19 قطاعا، لكن نتائج المزايدة لم تعلن بعد. وتقدمت شركة آخ جولد، التابعة لشركته الأم إن تو ميتالز، بعروض على خمس مناطق في شهر يونيو. كما قدمت شركة عنخ ريسورسز عرضها الخاص في نفس الشهر. وحتى شركة كابيتال ليمتد، التي تتولى أعمال الحفر لصالح أنجلو جولد أشانتي وأتون، تسعى أيضا للحصول على تسع مناطق للتنقيب عن الذهب بعد سنوات من العمل لحساب الغير. وتلجأ الشركات الناشئة إلى جمع الأموال من الخارج لتمويل عمليات الاستكشاف: إذ تخطط كل من ريد سي ريسورسز وعنخ ريسورسز لطرح أسهمهما في بورصة تورونتو في يناير وفي النصف الثاني من عام 2027. ويرى المستثمرون أن جذب اللاعبين العالميين وإدراج المزيد من الشركات الناشئة سيكون مجرد البداية.

من تقاسم الإنتاج إلى الإتاوات: حتى عام 2019، كانت مصر تدير قطاع التعدين وفق "نظام تقاسم الإنتاج"، وفيه تحصل على حصة مما ينتجه أي منجم. ومنذ إصلاحات 2019-2020، تحتفظ الشركات بإنتاجها وتدفع بدلا من ذلك ضرائب وإتاوات، بما في ذلك إتاوة بنسبة 5% على الذهب.

بحسب ساويرس، كان العامل الأمني هو التغيير الأهم على الأرض. فخلال الأشهر التسعة الماضية، طهرت القوات المسلحة مناطق الامتياز من عمال المناجم غير الشرعيين، وهو ما يصفه ساويرس بـ "الثورة". ويقول ساويرس إن "أكبر عقبة واجهتنا خلال الأشهر التسعة الماضية كانت العصابات التي تسرق الثروات.. لقد قرر الجيش أخيرا أن هذا الذهب ملك لمصر ويجب ألا يؤخذ دون دفع حقوق الدولة". ويتفق فاك مع هذا الرأي، إذ يقول إن فرض الأمن في المناطق النائية "هو العنصر الأهم على الإطلاق لضمان استقرار الاستثمارات"، مضيفا أن الحوار مع الحكومة وفهمها العميق لمتطلبات التعدين تطورا كثيرا منذ عام 2015.

باب المزايدة حاليا مفتوح على مدار العام: منذ 10 يونيو الماضي، تدير هيئة الثروة المعدنية "أول مزايدة عالمية للبحث والتنقيب بنظام القطاعات المفتوحة طوال العام" للذهب والفوسفات والتلك والكاولين وخامات أخرى. ويمكن للمستثمرين التقدم بطلب للحصول على أي منطقة في أي وقت، على أن يؤدي العرض الأول الذي يتقدم على أي منطقة إلى فتح نافذة مزايدة مدتها 30 يوما، بينما تظل بقية المناطق مفتوحة للمزايدة. كما تسعى الهيئة إلى جذب شركات التعدين الأسترالية مع استعداد الحكومة لتنفيذ البرنامج الاستكشافي الجديد في الصحراء الشرقية.

لكنه ليس مفتوحا على مصراعيه: يقول ساويرس إن الشركات الحكومية مثل شلاتين للثروة المعدنية تحتفظ بامتيازات واعدة لسنوات دون تطويرها أو إتاحتها للشراكة مع مستكشفين من القطاع الخاص. وتلزم لائحة النظام الأساسي لشركة شلاتين للثروة المعدنية بالعمل وفق النظام القديم القائم على تقاسم الإنتاج، وتعرض مناطقها على منصتها الخاصة بدلا من المزايدات المفتوحة لهيئة الثروة المعدنية. ويطالب ساويرس بوضع موعد نهائي حاسم للشركة، مع استعداد مستثمرين من القطاع الخاص للدخول بوصفهم شركاء، لأن الأراضي غير المستغلة لا تدر أي عائد. ولم ترد الشركة على طلبات أرسلتها إليها نشرة إنتربرايز الصباحية للتعليق على الأمر.

تصدير الصخور مقابل بناء المصانع

المنجنيز خير مثال على ذلك: تمتلك مصر المواد الخام لعديد من المعادن التي تستوردها في صورتها النهائية. حتى أن "الواردات... تجاوزت 200 مليون دولار" سنويا من سيليكو المنجنيز لتلبية احتياجات قطاعات الصناعات الثقيلة والصلب، بسعر يقارب "900 دولار" للطن المتري رغم امتلاكها خامات المنجنيز اللازمة لإنتاج السبيكة محليا، وفق ما قاله مساعد وزير الصناعة للصناعات الاستراتيجية محمد زادة. كما تبدو الفجوة أوضح على صعيد الفوسفات. إذ تمتلك مصر احتياطيات جيولوجية تقدر بنحو 3.1 مليار طن متري من الفوسفات، وهي ثالث أكبر احتياطيات في العالم، بحسب وزارة البترول. ويقول زادة إن تصدير خام الفوسفات يدر نحو 70 إلى 140 دولارا للطن المتري، حسب درجة نقاؤه. لكن بعد معالجته وتحويله إلى أسمدة، يمكن أن يتراوح سعره بين 700 و 1000 دولار للطن، في حين بلغ السعر المرجعي للبنك الدولي لسماد الفوسفات ثنائي الأمونيوم نحو 790 دولارا للطن المتري في أغسطس. ويقول المستثمرون إن هذه القفزة من شأنها أن ترفع حصة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير. ويقول زادة إن توسعة المصانع المحلية وعمليات الحفر والنقل يجب أن تتيح لمصر إنتاج ما يكفي من السبائك لتحل محل هذه الواردات في غضون عامين تقريبا، قبل أن تفتح المرحلة الثانية باب التصدير للدول المجاورة. وفي غضون ذلك، تعمل لجنة مشتركة من وزارتي البترول والصناعة على ربط عمليات الاستخراج بالتصنيع المحلي.

لكن الرهان الحقيقي على استقرار الإمدادات والبنية التحتية. يحتاج مصنع المعالجة إلى مناجم قادرة على استمرار توفير الخام، وغالبا ما تضطر المناجم النائية إلى بناء محطات الكهرباء والمياه الخاصة بها. وتقول هدى منصور، نائبة رئيس مجلس إدارة شركة السكري لمناجم الذهب، المشروع المشترك الذي يدير منجم الذهب التجاري الوحيد في مصر، إن الشركة شيدت "محطة طاقة شمسية بقدرة 36 ميجاوات" مزودة بنظام تخزين للبطاريات يقلل من استخدام السولار بأكثر من 20 مليون لتر سنويا، بالإضافة إلى إنشاء خط أنابيب مياه بطول 25 كيلومترا.

وحتى مع توافر الكهرباء والمياه، يعاني قطاع التعدين من نقص المقاولين المحليين. كان أمام قطاع النفط والغاز نحو قرن من الزمان لبناء منظومة خدمات متكاملة وخبرات متراكمة محليا. على الجانب الآخر، يقول فاك إن قطاع التعدين يمتلك اثنان من مقاولي الحفر المحترفين، ومعملين اثنين لتحليل العينات، فيما يغيب مقاولو الهندسة والتوريد والإنشاء المتخصصون في بناء مصانع المعالجة. وتضطر الشركات إلى استقدام خدمات دولية بتكلفة استثمارية مرتفعة للغاية، نظرا لغياب حجم السوق الذي يحتاج من 10 إلى 12 عاما لينضج ويجذب مزودي الخدمات الدائمين، بحسب فاك. كما يصعب العثور على عمال مهرة أيضا؛ إذ يقول ساويرس إن قطاع التعدين لا يزال يعتمد بشدة على المتخصصين الأجانب ويجذب عددا أقل من المهندسين الشباب مقارنة بقطاع النفط والغاز أو التكنولوجيا. ويرغب ساويرس في جعل هذه الصناعة جذابة للأطفال والطلاب، ويقول إنه يرعى المتحف الجيولوجي للمساعدة في ذلك.

كم من الوقت يستغرق كل هذا؟

يعتقد ساويرس أن قطاع التعدين قد يتفوق يوما ما على إيرادات قطاع النفط والغاز في مصر بأكمله، دون تحديد رقم دقيق لتلك التقديرات. ومن أجل توضيح حجم القطاع، تجدر الإشارة إلى أن حصيلة صادرات المنتجات البترولية وحدها بلغت نحو 2.3 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026. ووفقا لحسابات هيئة الثروة المعدنية، تستهدف الهيئة زيادة إيرادات الذهب والفضة خلال العام المالي الحالي لتصل إلى 557 مليون دولار، بزيادة قدرها 255%، رغم أنه من المتوقع أن يرتفع إنتاج الذهب بنسبة 4.9% فقط.

يتوقع فاك أن يستغرق الأمر عقدا كاملا قبل أن نجني الثمار؛ إذ تستغرق الشركات الصغيرة هذه المدة لبناء قاعدة بيانات جيولوجية وطنية والإبقاء على مقدمي الخدمات في البلاد، وهو ما تشير إليه الأرقام العالمية أيضا. تستغرق المناجم العاملة في المتوسط 14 عاما للانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج، وفقا لوكالة ستاندرد آند بورز جلوبال. وفي منجم أبو مروات التابع لشركة أتون ريسورسيز، تغير الموعد بالفعل. فقد أشارت الوزارة سابقا إلى استخراج أول دفعة من الذهب في النصف الثاني من عام 2026، لكن فاك يستهدف حاليا أوائل عام 2028، وهو الموعد النهائي الذي حددته رخصة التعدين الخاصة بالشركة والصادرة في يناير 2024. كما أن المسح الجوي الذي يهدف إلى التمهيد لجولة الاكتشافات المقبلة لم يبدأ بعد، انتظارا لاستخراج التصاريح. وتقول الحكومة إنها تريد تسريع وتيرة العمل، مع إبداء رئيس الوزراء استعداده لتقديم حوافز – بل وحتى شراكات – لتعجيل إدخال المشاريع في مرحلة الإنتاج، وفق بيان صادر عن مجلس الوزراء.