تحمل خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026-2027، التي يبلغ إجمالي استثماراتها 3.7 تريليون جنيه، رسالة واضحة مفادها: الدولة تتوقف عن صب الخرسانة. إذ تتجه الحكومة للتحول من دور "المقاول الرئيسي" في البلاد إلى دور "المُمكّن الأساسي" للقطاع الخاص. وفي بيانه المالي أمام مجلس النواب، قال وزير المالية أحمد كجوك إن هذا التحول يرتكز على تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع توجيه الموارد الحكومية بصرامة نحو البرامج الأكثر كفاءة وتأثيرا.

يتجلى هذا التحول بوضوح في قطاع الطاقة أكثر من غيره؛ إذ أظهرت خطة التنمية الاقتصادية للعام المالي 2026-2027 قفزة بنسبة 261.1% في الإنفاق على الطاقة المتجددة وتدعيم شبكات الكهرباء. في حين صرح مسؤول حكومي لإنتربرايز بأن الأرقام الفعلية تشير إلى زيادة بنسبة 136.5%، لترتفع من 134 مليار جنيه إلى 317 مليار جنيه هذا العام، بينما يقتنص القطاع الخاص 13% منها. وبالنسبة للمقاولين ومصنعي الكابلات، بدأت عجلة المناقصات في الدوران بالفعل، لتشمل محطات الكهرباء ومحطات المحولات وخطوط النقل ومعدات الشبكات.

من المتوقع أن تبلغ مساهمة الاستثمارات الخاصة 2.2 تريليون جنيه، أي ما يعادل 59% من إجمالي الاستثمارات. في حين تقدر الاستثمارات العامة، الموزعة بين الجهاز الإداري للدولة والشركات المملوكة لها والهيئات الاقتصادية، بنحو 1.5 تريليون جنيه. ومن بين هذه الاستثمارات، قفزت المخصصات الممولة مباشرة من الخزانة العامة للدولة بنسبة 28.6% لتصل إلى 450 مليار جنيه، مقارنة بنحو 350 مليار جنيه في العام السابق.

كما ارتفع الإنفاق على التشييد والبناء، الذي يجسد المسار الاستثماري المباشر الأكبر للدولة في البنية التحتية، إلى 366.3 مليار جنيه. ويستحوذ قطاع التشييد على الحصة الأكبر بقيمة 167 مليار جنيه، يليه المباني غير السكنية بـ 139.4 مليار جنيه، ثم المباني السكنية بـ 59.8 مليار جنيه. وبإضافة الاستثمارات في الآلات والمعدات، البالغة 64.8 مليار جنيه، يصل إجمالي الإنفاق الاستثماري في جميع الفئات إلى 553.7 مليار جنيه (بي دي إف). وفي السياق ذاته، ينمو الإنفاق على الصيانة التشغيلية بوتيرة متسارعة، محققا زيادة قدرها 32.7% ليصل إلى 288.7 مليار جنيه. ويعكس هذا توجه الدولة نحو صيانة الأصول القائمة، بدلا من الاكتفاء ببناء المزيد.

5 قطاعات رئيسية تواصل قيادة النمو: أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أحمد رستم أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب أن خمسة قطاعاتللاقتصادالحقيقي ستقود 64% من النمو في العام المالي 2026-2027. وتصدر قطاع الصناعات التحويلية القائمة بنسبة 29%، تلاه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 11.3%، ثم السياحة بـ 9.3%، ثم التشييد والبناء بنسبة 7.2%، وأخيرا الزراعة بنسبة 7%. وتستهدف الدولة أيضا توجيه رؤوس الأموال الأجنبية نحو قطاعات ذات أولوية، تشمل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وصناعة السيارات، والهيدروجين الأخضر، والمنسوجات، والأسمدة، والكيماويات.

لكن، أين تتركز الزيادات في الإنفاق على البنية التحتية؟ وفقا لخطة التنمية الاقتصادية، سُجلت قفزات بأرقام مزدوجة في كافة قطاعات البنية التحتية التقليدية، إلى جانب الإنفاق على تدعيم الشبكة القومية للكهرباء. فقد ارتفع الإنفاق على الطاقة المتجددة وتدعيم الشبكات بنسبة 261.1%؛ والري والموارد المائية بنسبة 88%؛ والطرق والكباري ومحاور النيل بنسبة 28%؛ ومرافق مياه الشرب والصرف الصحي بنسبة 22%؛ والإسكان الاجتماعي بنسبة 21%، بالإضافة إلى تخصيص 12.3 مليار جنيه دعما نقديا للمساندة التمويلية للمستفيدين.

وكشف مسؤول حكومي بارز لإنتربرايز أن الخطة تستهدف زيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 20%، مع إضافة قدرات جديدة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية تبلغ 4 جيجاوات. وأشار إلى أنه بدون تطوير شبكات النقل، فإن هذه القدرات النظيفة معرضة لعدم الاستغلال.

كما خصصت وزارة المالية 20 مليار جنيه لتجديد وتوسعة شبكات الكهرباء. وأضاف المسؤول الحكومي لإنتربرايز أن الحكومة دبرت أيضا تمويلا حكوميا بقيمة 60 مليار جنيه لتعزيز قدرة الربط الشبكي، استنادا إلى بروتوكول تمويل وُقع في يونيو 2026 بين وزراء الكهرباء والمالية والتخطيط.

على مستوى المشروعات: تتضمن خطة الإسكان والمرافق إنشاء 205 آلاف وحدة سكنية، و127 مشروعا لمياه الشرب، و359 مشروعا للصرف الصحي، و118 محطة معالجة، و5 محطات لتحلية مياه البحر. في حين يستحوذ قطاع النقل على 17% من إجمالي المخصصات الاستثمارية، بقيمة 640 مليار جنيه، وفق ما كشفه المسؤول الحكومي لإنتربرايز.

أفادت بيانات حكومية اطلعت عليها إنتربرايز بأن تكلفة أربعة مشروعات قومية للطرق ستبلغ 106 مليارات جنيه، مع تخصيص 127 مليار جنيه أخرى للطرق الرابطة بين المحافظات.وكما سيجري العمل على استكمال مشروعات محاور النيل لتعزيز النقل النهري بتكلفة إجمالية 26 مليار جنيه. وارتفعت المساهمة الرأسمالية المباشرة للخزانة العامة في الهيئة القومية لسكك حديد مصر بنسبة 955% لتصل إلى 10.5 مليار جنيه، مقارنة بمليار جنيه فقط في السابق، وهو جزء يسير من إجمالي الخطة الاستثمارية للهيئة البالغة 51 مليار جنيه لهذا العام، التي تعتمد أيضا على القروض والإيرادات الذاتية. وتشمل الخطة كذلك 6 مشروعات للجر الكهربائي، و6 مشروعات لمترو الأنفاق، و13 مشروعا لتطوير الخطوط، و41 مشروعا للطرق الداخلية، و10 محاور على النيل، بالإضافة إلى استكمال الخطين الثاني والثالث من شبكة القطار الكهربائي السريع.

أفق أوسع أمام المقاولين والموردين: تأتي هذه القفزة في أعقاب عام شهد سياسة تقشفية نسبيا، حيث حددت الحكومة سقفا للاستثمارات العامة عند 1.16 تريليون جنيه في موازنة العام المالي 2026/2025 لتخفيف الضغوط التمويلية. وارتفع هذا السقف حاليا إلى 1.5 تريليون جنيه، في خطوة يرى المسؤول الحكومي الذي تحدث لإنتربرايز، أنها تعكس الحيز المالي الذي وفره مسار إعادة الهيكلة الاقتصادية، والذي يهدف إلى حماية الأصول ودعم النمو من خلال توسيع نطاق الإنفاق على البنية التحتية.

تعمل الدولة على إعادة تنشيط القطاعات كثيفة العمالة بالتوازي مع الإنفاق على رأس المال البشري، إذ زادت مخصصات الرعاية الصحية بنسبة 25%، والتعليم بنسبة 11.5%، والتعليم العالي بنسبة 27.6%. ومن شأن الربط الإلكتروني الجديد بين وزارتي التخطيط والمالية أن يبعث برسالة طمأنة للمقاولين باستمرار تدفق السيولة النقدية للمشروعات المعتمدة، لضمان عدم تعطل صرف مستحقات الأعمال المنفذة.

الخطوة التالية: يبقى الإطار الزمني للتنفيذ أهم من حجم المخصصات. وستتابع إنتربرايز من كثب في الفترة المقبلة بيانات الإنفاق الفعلي، وليس فقط البيانات الرسمية، للتأكد من سير المشروعات على أرض الواقع. ومن المؤكد أن المقاولين المرتبطين بأنظمة الدفع الحكومية سيكونون أول من يلمس هذا التغيير.