في وقت تحاول فيه مصر ترسيخ مكانتها كمحور عالمي لحركة البيانات، أثار تقرير دولي مخاوف بشأن مرونة هذا المحور. فمصر تقع في إحدى أهم النقاط الرقمية الحيوية على مستوى العالم، ويمر عبرها نحو 17% من حركة الإنترنت العالمية، وهو الموقع الذي اعتبرته الهيئة الدولية المعنية بمراقبة مرونة الكابلات مصدر قلق ينبغي التعامل معه بحرص. صدر هذا التقييم عن الهيئة الاستشارية الدولية لمرونة الكابلات البحرية، التي أسسها الاتحاد الدولي للاتصالات واللجنة الدولية لحماية الكابلات، في تقريرها النهائي (بي دي إف) بشأن الكابلات البحرية التي تنقل أكثر من 99% من حركة البيانات العالمية.

ويتركز التحذير حول ممري البحر الأحمر والبحر المتوسط في مصر؛ إذ أشار التقرير، مستندا إلى بيانات القطاع، إلى أن ممر قناة السويس يستوعب نحو 90% من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا عبر مياه ضحلة تمتد لأكثر من 100 ميل، حيث تكون الكابلات أكثر عرضة لأي حادث عرضي مثل سحب مرساة سفينة أو نشاط زلزالي، قبل أن تصل إلى البحر المتوسط. وبالمثل، صنف التقرير مضيق باب المندب كأكثر المناطق تكدسا وازدحاما بالكابلات على مستوى العالم، إذ يمر ما لا يقل عن 17 كابلا بحريا عبر مضيق لا يتجاوز عرضه 14 ميلا، وهي كابلات تنقل ما بين 17 و20% من حركة الإنترنت العالمية.

ووصف التقرير تركز حركة الكابلات عبر المياه المصرية بأنه "نقطة ضعف هيكلية"، مما يعني أن أي حادث منفرد قد يؤثر على الاتصال في مناطق متعددة في آن واحد، وهي مخاطرة تعجز أي شركة مشغلة عن استيعاب تداعياتها بمفردها.

ويمثل الممران اثنتين من نقاط المخاطر، في حين تكمن الثالثة في الإجراءات البيروقراطية. فبطء استخراج التصاريح يؤدي بالتبعية إلى إبطاء وتيرة الإصلاح. فوفقا لبيانات اللجنة الدولية لحماية الكابلات التي استشهد بها التقرير، تضاعفت أوقات الاستجابة العالمية لإصلاح الأعطال بأكثر من مرتين خلال العقد الماضي، لتصل إلى أكثر من 50 يوما في عام 2024 بعدما كانت أقل من 20 يوما في عام 2012. وفي مصر، اضطرت إحدى الشركات المسؤولة عن تشغيل الكابلات في أفريقيا إلى الانتظار لمدة وصلت إلى ثمانية أسابيع لمجرد الحصول على تصاريح لإصلاح كابل تضرر في البحر الأحمر إثر حادث وقع في مارس 2024، ولم تكتمل الإصلاحات إلا في يوليو من العام نفسه.

ويصعب حصر التكلفة الدقيقة لهذه التأخيرات في الإجراءات؛ إذ رفضت مصادر في القطاع تحدثت إليها إنتربرايز الإفصاح عن حجم الخسائر المالية بالدولار الناجمة عن هذا التأخير في مصر. وأشار التقرير إلى حادثة مشابهة وقعت قبالة سواحل غرب أفريقيا في عام 2024، حيث كلف قطع كابل واحد إحدى الدول خسائر تقدر بنحو 590 مليون دولار في غضون أربعة أيام فقط، جراء تعطل منصات التجارة الإلكترونية والخدمات المصرفية الرقمية والاتصالات التجارية الدولية. وإذا كانت أربعة أيام قد تسببت في إحداث هذا الحجم من الأضرار، فإن تأخير التصاريح لثمانية أسابيع في ممر يستوعب 90% من حركة المرور بين أوروبا وآسيا يمثل أزمة مالية لم يقدر أحد تكلفتها بعد.

لماذا لا تلجأ الشركات لمسارات بديلة؟ رغم هذه المخاطر، فإن التكلفة الباهظة لتجنب المرور عبر مصر هي السبب الرئيسي وراء عدم إقدام أي شركة تشغيل على هذه الخطوة؛ إذ يشير التقرير إلى "علاوة التنوع"، وهي تكلفة إضافية تتراوح بين 15% و25% لتمديد كابل ثانوي عبر مسار جغرافي بديل، نظرا إلى الحاجة إلى تجاوز محطات الربط البري الحالية وتأسيس بنية تحتية أرضية جديدة. ولهذا السبب، لا يزال أكثر من 80% من الاستثمارات الجديدة يتدفق نحو المسارات القائمة.

ولتحقيق التوازن بين الاستفادة من تركز حركة البيانات وتجنب مخاطرها، تعمل الدولة بكل السبل على تحسين بنيتها التحتية الرقمية، بما في ذلك تعزيز قدراتها في مجال الكابلات البحرية. وكان وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق عمرو طلعت قد صرح لإنتربرايز في مارس 2025 بأن الدولة أنفقت نحو 6 مليارات دولار لبناء "بنية تحتية قوية"، لكن بيانات الوزارة تشير إلى أن هذا الرقم لا يقتصر على الكابلات البحرية فحسب، بل يشمل أيضا تغطية الإنترنت الثابت، وتوسيع شبكات المحمول، وتطوير المنظومة البريدية عموما.

وبغض النظر عن كيفية تقسيم تلك النفقات، فإن وتيرة البناء لم تتباطأ. إذ أوضح طلعت سابقا أن عدد الكابلات البحرية المارة عبر مصر ارتفع إلى 21 كابلا في عام 2025 مقارنة بـ 13 كابلا في عام 2018. وأضاف أن محطات الربط البري زادت من 6 إلى 11 محطة، وأن الحكومة ربطت بين الساحلين من خلال شبكة أرضية عابرة للحدود تمتد لـ 2,700 كيلومتر، مدعومة بشبكة موازية بطول 2,600 كيلومتر لضمان استمرار الخدمة في حال تعطل أحد الخطوط.

الربط المحلي والبنية التحتية الداخلية هما المحركان الحقيقيان للقيمة، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي السابق لشركة بنية للكابلات محمد خليل لإنتربرايز. وأوضح أن الربط بين نقاط الربط البري ومراكز البيانات هو ما يتيح لأي دولة التحول "من نقطة عبور إلى مركز إقليمي". ويعد توطين صناعة الكابلات جزءا من هذه الرؤية، وهي خطوة قيد التنفيذ حاليا؛ إذ تبني شركة السويدي إليكتريك مصنعا للكابلات البحرية بتكلفة 500 مليون دولار، كما أشرنا في وقت سابق، في منطقة ميناء دمياط التي أُعلن عنها حديثا، ليكون الأول من نوعه في المنطقة والسادس على مستوى العالم.

وهنا يتقاطع الاستثمار في البنية التحتية مع السيادة الرقمية. فالسيادة لا تعني الانغلاق، بحسب ما قاله محمد حجازي، استشاري التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تصريحات سابقة لنا. وأوضح أن السيادة تعني امتلاك القدرة المحلية على صيانة الأنظمة وتطويرها بامتلاك الكفاءات والأكواد والمنتجات اللازمة لتجنب التعرض لقرارات خارجية مفاجئة بوقف الخدمات.

الجمع بين التوسع العالمي والتحكم المحلي هو التوازن الذي يبحث عنه المستثمرون الأجانب. ويشير محمد قاسم، المدير العام لشركة مايكروسوفت مصر، في تصريحات لإنتربرايز إلى أن استراتيجية الحوسبة السحابية الخاصة بالشركة ترتكز على تحقيق التوازن الدقيق بين تقديم الخدمات السحابية "على نطاق عالمي"، مع منح المؤسسات "تحكما محليا" تاما في بياناتها لضمان الامتثال للمتطلبات التنظيمية.

الخطوة التالية: يطرح تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات حلا يتمثل في إنشاء "نقطة اتصال موحدة" لتسريع إجراءات استخراج تصاريح الإصلاح وتقليل العوائق أمام سفن إصلاح الكابلات. وقد أثبتت دول أخرى نجاح هذا النموذج بالفعل؛ فقد تمكنت هيئة الملاحة والموانئ في سنغافورة من تقليص مدة استخراج التصاريح من أسبوع تقريبا إلى ما بين ثلاثة وخمسة أيام عمل، كما يبلغ متوسط الوقت اللازم لبدء الإصلاحات في المملكة المتحدة حاليا ثمانية أيام مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 50 يوما، وكلاهما يعتمد على نهج نقطة الاتصال الموحدة ذاته الذي يوصي به التقرير لبقية الدول. وعلى حد علمنا، لم تتبنَّ القاهرة هذا النهج حتى الآن.