تنتج مصر نحو 100 مليون طن من المخلفات سنويا، ولديها 3 مشاريع للوقود الحيوي تستغل جزءا من هذه المخلفات لإنتاج وقود الطيران المستدام. ورغم التكلفة العالية لهذا النوع من الوقود، فإن القواعد العالمية لقطاع الطيران تلزم الشركات باستخدامه دون النظر إلى عامل التكلفة. ويعتمد أحد هذه المشاريع على المخلفات الزراعية لإنتاج الغاز الحيوي، في حين يعتمد المشروعان الآخران على زيوت الطهي المستعملة لإنتاج الوقود الحيوي. وتتجه البلاد بخطى ثابتة نحو إرساء إطار عمل أكثر تكاملا لإنتاج الطاقة من المخلفات، لكن هذه الجهود لا تزال مقيدة لأن عمليات جمع المخلفات تُنفذ بشكل غير رسمي عبر الأفراد بدلا من الشركات المنظمة.
💡— وقود الطيران المستدام هو نوع معين من الوقود الحيوي يُصنع من مصادر متجددة، مثل زيوت الطهي المستعملة أو المخلفات الزراعية أو الدهون الحيوانية، بدلا من النفط الخام. ويعد الغاز الحيوي جزءا من الوقود الحيوي ويُنتج عن طريق تحلل النفايات العضوية في بيئة خالية من الأكسجين. ويمكن خلط وقود الطيران المستدام مع وقود الطائرات التقليدي أو استبداله به دون الحاجة إلى إجراء أي تعديلات على محركات الطائرات، وهو يمثل حاليا أحد السبل القليلة المتاحة أمام القطاع لخفض الانبعاثات الكربونية على المدى القريب.
تمتلك مصر من المخلفات الزراعية ما يكفي لإنتاج الغاز الحيوي، لكن أن عقبة النقل تقف بالمرصاد. إذ إن التكلفة الباهظة لنقل هذه المخلفات تُصعّب تجميعها في مصانع مركزية، ولذا تُنشر معظم وحدات المعالجة في مواقع إنتاج المواد الخام مباشرة بدلا من ذلك. وفي هذا السياق، تدير مؤسسة الطاقة الحيوية للتنمية المستدامة التابعة لوزارة البيئة برنامجا للتنمية الريفية، يشمل تشغيل نحو ألفي وحدة صغيرة الحجم لإنتاج الغاز الحيوي في عدة محافظات. وتعمل هذه الوحدات بدورها على معالجة مواد مثل مخلفات تقليم الأشجار وقش الأرز ومخلفات قصب السكر والمنتجات الثانوية لعمليات التصنيع الزراعي، وفق ما قاله مسؤول في وزارة البيئة لإنتربرايز.
التوسع في إنتاج الغاز الحيوي من المخلفات الزراعية: شهد البرنامج توسعا ملحوظا خلال عام 2024، إذ أُضيفت وحدات متوسطة الحجم في محافظات بني سويف والبحيرة وأسيوط والإسكندرية، بطاقة إنتاجية مجمعة تبلغ 162 ألف متر مكعب من الغاز الحيوي سنويا، وفق بيانات حكومية اطلعت عليها إنتربرايز. ويسير التوسع على مستوى الاستخدام المنزلي في نفس الاتجاه؛ إذ استكملت المؤسسة 22 وحدة في القرى ضمن برامج التنمية الريفية بالتعاون مع جمعية الأورمان، وتخطط لإنشاء 50 وحدة إضافية في أسوان.
استخدامات أخرى للمخلفات الزراعية.. ومشاريع الطاقة تكتفي بالبواقي: يُوجه جزء كبير من المخلفات الزراعية نحو إنتاج الأسمدة العضوية والأعلاف الحيوانية، بما في ذلك إنتاج المؤسسة ذاتها البالغ 50 ألف طن من الأسمدة الحيوية سنويا. يقلص هذا من الحاجة لاستيراد الأعلاف، ويحد من الاعتماد على الأسمدة الكيماوية. كما بلغ إنتاج المؤسسة من الغاز الحيوي نحو 2.2 مليون متر مكعب في عام 2024، أي ما يعادل قرابة 86 ألف أسطوانة بوتاجاز. ويمثل ذلك الرقم جزءا يسيرا من إجمالي المخلفات الزراعية التي تنتجها مصر سنويا، والتي تتراوح بين 35 و40 مليون طن، وهو ما يعني أن قطاع إنتاج الغاز الحيوي ما زال لديه آفاقا واسعة للنمو.
زيوت الطهي المستعملة تدخل سباق الوقود الحيوي: تعكف الشركة المصرية لإنتاج وقود الطيران المستدام (إيساف) بالتعاون مع شركة هانيويل "يو أو بي" على إنشاء مصنع في الإسكندرية "لينتج 120 ألف طن من وقود الطيران المستدام سنويا باستخدام زيوت الطهي المستعملة"، وفق ما قاله إبراهيم فاروق، الرئيس التنفيذي لشركة بايو روتردام كلين تك ومدير عمليات الوقود الحيوي في شركة باور جرين، خلال حديثه مع إنتربرايز. ووصل المشروع الذي أسسته الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات (إيكم)، وهي الشركة المالكة لشركة إيساف، إلى مراحل تطوير متقدمة في عام 2024، ويجري حاليا تأمين التمويل اللازم له، وفق بيان صادر عن وزارة البترول. وتبلغ قيمة الاستثمارات في المشروع حاليا 570 مليون دولار، صعودا من التقديرات المبدئية البالغة 530 مليون دولار. ومن المستهدف بدء تشغيله في عام 2029، ليسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 400 ألف طن سنويا، حسبما ورد في البيان.
مشروع آخر لزيوت الطهي: تمكنت شركة جرين سكاي كابيتال القطرية من الحصول على تمويل بقيمة 200 مليون دولار لمنشأتها ساف فلاي إيجبت في العين السخنة، بدعم من شركة المانع القابضة القطرية وشركة رؤية السعودية للاستثمار، مع التزام من شركة شل بشراء كامل إنتاج المصنع بدءا من أواخر عام 2027. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمنشأة 200 ألف طن سنويا، موزعة بين وقود الطيران المستدام والديزل المتجدد والمنتجات الحيوية الصناعية. وقد أشارت إنتربرايز في فبراير الماضي إلى استثمار المانع القابضة 15.6 مليون دولار في مصنع ثان لإنتاج الوقود الحيوي في مدينة العاشر من رمضان، صُمم لمعالجة 100 طن من زيوت الطهي المستعملة يوميا. وفي ذلك الوقت، أوضحت وزارة البيئة أن مصر تستهلك نحو 2.8 مليون طن من زيوت الطعام سنويا، وينتج عنها نحو 2.6 مليون طن من زيوت الطهي المستعملة.
ومع تزايد الاستثمارات في هذه المشاريع، يضاعف الموردون جهودهم. فقد ارتفعت معدلات جمع زيوت الطهي المستعملة بنسبة 10% مؤخرا، بالتزامن مع استقرار الأسعار. حتى أن بعض الموردين في المحافظات ضاعفوا أحجام توريداتهم، حسبما قاله فاروق، مضيفا أن "تكلفة جمع لتر الزيت المستعمل تبلغ حاليا نحو 50 جنيها ويباع بنحو 70 جنيها"، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بالأرقام التي ذكرتها إنتربرايز في نوفمبر 2025، حينما كان يُشترى اللتر بـ 35 جنيها ويباع بـ 48 جنيها. وأدى استمرار الدعم إلى بقاء أسعار الوقود الحيوي المحلي مرتفعة، مما يدفع الشركات لتصدير غالبية إنتاجها، ليقتصر الاستخدام المحلي على العملاء المرتبطين بعقود تصدير أو باشتراطات للحصول على شهادات بيئية. ويضيف فاروق أن هيئة قناة السويس بدأت أيضا في تلبية احتياجاتها من الوقود الحيوي محليا من بعض مصانع تحويل زيوت الطهي المستعملة إلى وقود، البالغ عددها حاليا سبعة مصانع.
مصر تضاعف مستهدفاتها من زيوت الطهي المستعملة: قال مسؤول بوزارة البيئة إن الوزارة "تستهدف رفع كميات زيوت الطهي المجمعة إلى مليون طن سنويا، من إجمالي 2.5 مليون طن يستهلكها المصريون كل عام". وهذا يعادل ضعف المستهدف البالغ 500 ألف طن من زيوت الطهي المستعملة بحلول عام 2030، الذي أشارت إليه إنتربرايز في نوفمبر 2025.
كما تسعى الحكومة لجذب المزيد من المستثمرين إلى هذه المنظومة: فإلى جانب المشاريع الثلاثة الجارية، تسعى الحكومة لجذب استثمارات خليجية ضخمة على غرار مصنعي الإسكندرية والعين السخنة، بهدف بناء صناعة متكاملة تنبثق من جهود تحويل المخلفات إلى طاقة، التي تجري بالفعل في محافظات مثل كفر الشيخ ومدن القناة، بحسب المسؤول.
رأينا: توجد وحدات إنتاج الغاز الحيوي بجوار مواقع إنتاج المواد الخام التي تحتاجها، لكن مصنعي الوقود الحيوي يعتمدان في الوقت ذاته على جهود الأفراد في جمع زيوت الطهي المستعملة بأساليب غير رسمية، لا على شركات منظمة. وتتدفق الاستثمارات نحو المصافي، لكنها لا تجد طريقها إلى الشاحنات وشبكات التوريد المسؤولة عن توفير المواد الخام، مما يجعل منظومة الإمداد تعاني من نقص التمويل وغياب الطابع الرسمي. وما لم يتغير هذا الوضع، سيضطر مصنعا وقود الطيران، اللذان تبلغ طاقتهما الإنتاجية السنوية المجمعة 320 ألف طن، إلى مواصلة الاعتماد على نفس النظام المجزأ الذي يُفترض أن يتجاوزاه.