يبدو أن مصر تحرز تقدما أسرع في أجندة الإصلاح المناخي التابعة لصندوق النقد الدولي مقارنة ببعض الأولويات الأوسع لبرنامج الصندوق، إذ أفاد أحدث تقرير للصندوق حول مصر (بي دي إف) بأن "الأداء في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة كان قويا"، مع مضي القاهرة قدما في إنجاز التدابير الهيكلية المرتبطة به. وقال الصندوق إن السلطات "أكملت جميع التدابير الإصلاحية المستحقة بحلول يونيو 2025"، مشيرا إلى "القدرة القوية على التنفيذ، والالتزام المستمر، والتنسيق الفعال" في الوقت الذي تمضي فيه مصر قدما في البرنامج البالغة قيمته 1.3 مليار دولار، الذي يربط صرف الشرائح بإصلاحات في مجالات الطاقة، وإدارة المخاطر المناخية، وحوكمة الموارد.
وصرفت مصر بالفعل أول 200 مليون وحدة حقوق سحب خاصة بموجب تسهيل الصلابة والاستدامة بعد استكمال أول تدبيرين إصلاحيين مستحقين ضمن البرنامج. وتتطلع الحكومة الآن إلى تمديد الجدول الزمني للبرنامج حتى 15 ديسمبر، وإعادة جدولة عمليات السحب المستقبلية للحفاظ على توافقها مع الجدول الزمني المعدل لمراجعات صندوق النقد الدولي. ودعم خبراء الصندوق "طلب التمديد وإعادة الجدولة في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة لمواءمة الإطار الزمني ومواعيد إتاحة التمويل مع الجدول الزمني لمراجعات تسهيل الصندوق الممدد"، وفقا للتقرير.
وسيُصرف المبلغ المتبقي البالغ 800 مليون وحدة حقوق سحب خاصة على مراحل خلال الفترة المتبقية من عام 2026، مع ربط الـ 100 مليون وحدة التالية بالمراجعة الثانية، في حين من المقرر صرف الجزء الأكبر من التمويل — وهي سبع شرائح متساوية يبلغ مجموعها 700 مليون وحدة حقوق سحب خاصة — عقب المراجعة الثالثة في نوفمبر واستكمال المزيد من التدابير الإصلاحية.
لماذا يهمنا هذا الأمر: يشير تسهيل الصلابة والاستدامة إلى نوع مختلف من مشاركة صندوق النقد الدولي، وهو نوع يربط التمويل بإصلاحات طويلة الأجل تهدف إلى تعزيز المرونة المناخية، والتحول الطاقي، وقدرة الدولة على إدارة المخاطر البيئية. وفي حالة مصر، يعني هذا أن الصندوق لا يبحث فقط عن استقرار الاقتصاد الكلي، بل عن دليل على دمج الإصلاحات المتعلقة بالمناخ في آليات التخطيط والتمويل والتنظيم الحكومي. ويعني هذا أيضا أن صرف الأموال المتبقية سيعتمد على قدرتنا على الحفاظ على استمرار زخم الإصلاح.
إصلاحات الطاقة في صميم البرنامج
تقع إصلاحات الطاقة في قلب أجندة مصر ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة؛ فقد أدرج صندوق النقد الدولي صراحة "إصلاحات الطاقة والكهرباء" ضمن المجالات الرئيسية التي يغطيها التسهيل.
تمثلت الخطوة الرئيسية الأولى ضمن هذا الإطار في خطة تنفيذية للطاقة المتجددة لعام 2030. وقال الصندوق إن السلطات "اعتمدت ونشرت خطة لتنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وتوضح تفصيلا نوع التكنولوجيا، والقدرة الإنتاجية، والموقع، والجدول الزمني، ومصدر التمويل". وتمنح تلك الأمور مسار الإصلاح شكلا ملموسا بدرجة أكبر من مجرد التعهدات غير المحددة، إذ يحدد ما سيشيد، ومكانه، وجدوله الزمني.
وربطت مصر خارطة طريق الطاقة المتجددة بخطة لاستيعاب القدرات الجديدة على الشبكة القومية. فإلى جانب استراتيجية الطاقة المتجددة، قال صندوق النقد الدولي إن السلطات "قدمت خطة موازنة لمجلس الوزراء للموافقة عليها، تحدد الاستثمارات السنوية اللازمة لتعزيز وتطوير الشبكة خلال الفترة 2026-2029 لدعم مشروعات الطاقة المتجددة وفق الخطة". ويشير ذلك إلى تركيز مواز على البنية التحتية للكهرباء بدلا من التركيز على أهداف التوليد فقط.
القطاع المصرفي على رأس أولويات تسهيل الصلابة والاستدامة
ثمة علامات واضحة على كيفية دفع التسهيل لسياسات المناخ داخل النظام المالي، وتتجلى في توجيهات البنك المركزي المصري الصادرة في يونيو بشأن التقارير. استشهد صندوق النقد الدولي بتوجيهات البنك المركزي الصادرة العام الماضي، التي "تلزم جميع البنوك بمراقبة والإبلاغ عن حجم تعاملاتها على الشركات التي قد تواجه مخاطر تحول جوهرية بسبب آلية تعديل حدود الكربون". واستشهد كذلك بأن التوجيهات نفسها "تضمنت أيضا أحكاما تتعلق بآلية تعديل حدود الكربون الخاصة بالمملكة المتحدة، والمقرر تنفيذها في عام 2027".
وتتمثل الخطوة التالية في ترجمة هذه التوجيهات إلى تقارير ورقابة فعلية. وقال التقرير إنه "بحلول نهاية الربع الأول من عام 2026، سيجري رفع المعلومات الضرورية حول التوجيهات التي يجب إبلاغها للبنوك — بما في ذلك التداعيات الرقابية للتوجيهات بالإضافة إلى النموذج المعدل للإبلاغ الخاص بتوجيهات آلية تعديل حدود الكربون — على الموقع الإلكتروني للبنك المركزي لتزويد البنوك بالبيانات المطلوبة بموجب التوجيهات المذكورة". وفي غضون ذلك، سيراقب البنك المركزي أيضا استفسارات البنوك بشأن القواعد الجديدة في الوقت الذي يدرس فيه تعديلات محتملة بحلول نهاية عام 2026.
حوكمة المياه.. الخطوة التالية
وتمتد أجندة الإصلاحات بموجب تسهيل الصلابة والاستدامة لتشمل أيضا إدارة المياه. إذ يشير التقرير إلى أن الحكومة لا تزال ملتزمة بتأسيس المجلس الوطني للمياه، برئاسة رئيس الوزراء، الذي يضم الوزارات والهيئات الرئيسية المعنية بتخصيص واستخدام المياه. وسيصدر المجلس " كتابا دوريا بحلول يونيو 2026 يوضح الأدوار والمسؤوليات المتعلقة بجمع ومشاركة ونشر بيانات إمدادات والطلب على المياه لدعم قرارات التخصيص".
وانطلاقا من هذه النقطة، يُتوقع أن تسعى الحكومة لتطوير ونشر الإطار الوطني لتخصيص المياه بحلول أغسطس 2026، الذي يضع معايير وعمليات وقواعد شفافة لتحديد الأولويات للترخيص والتخصيص والمراقبة في ظل الظروف العادية والجفاف، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية والاحتياجات الوطنية، حسبما ورد في التقرير. وقال الصندوق إن هذا من شأنه أن يساعد في سد فجوة مؤسسية طويلة الأمد من خلال وضع مسألة تخصيص المياه تحت إطار موحد ومعتمد رسميا.
دمج المخاطر المناخية في التخطيط الاستثماري للدولة
ويتمثل جزء رئيسي آخر من أجندة تسهيل الصلابة والاستدامة في إدراج المخاطر المناخية رسميا تحت المظلة الأكبر الخاصة بتقييم الدولة للمشاريع الاستثمارية. قال صندوق النقد إن وزارة التخطيط "حدّثت المعايير المتعلقة بالمناخ في الدليل الوطني لإدارة وعمل المشروعات، وعممته على جميع الوزارات، وبدأت في تطبيق الإطار الجديد على جميع المشروعات الرئيسية للعام المالي 2026/2025 التي تتجاوز قيمتها 500 مليون جنيه".
ويسلط التقرير الضوء أيضا على العمل الجاري لبناء البنية التحتية لبيانات المخاطر المناخية في الدولة، التي تتضمن إطارا موحدا لبيانات المخاطر المناخية، وفرقا فنية، ونظام تخطيط استثماري محدث لدمج تقييمات المخاطر المناخية. كذلك يجرى العمل على فهرسة الأصول الثابتة الجديدة، وجمع بيانات المخاطر، والتنسيق مع وزارة البيئة، وإعداد تقرير مرحلي في ديسمبر 2025 يوضح المخاطر المحددة وتدابير التخفيف.
وستعتمد بعض الجوانب المتبقية على الدعم الفني الخارجي. وأوضح الصندوق أنه على صعيد التدابير الإصلاحية المرتبطة ببيان المخاطر المالية وتمويل مخاطر الكوارث، ستعتمد "السلطات على المساعدة الفنية من إدارة الشؤون المالية بصندوق النقد الدولي"، ومن المتوقع أن يدعم فريق البيئة بالبنك الدولي تنفيذ نظام القياس والإبلاغ والتحقق (MRV) وإطار عدم الامتثال الخاص بتدبير إصلاح الحد من انبعاثات الميثان.
المتابعة مطلوبة خلال المرحلة المقبلة
ستعتمد المرحلة التالية من تسهيل الصلابة والاستدامة على ما إذا كانت الحكومة قادرة على المحافظة على إخضاع عملية الإصلاح للقياس والتحقق مع المضي قدما في التنفيذ. ومن المرجح أن يلقي ذلك بوزن أكبر على كيفية تتبع البرنامج عبر المؤسسات المختلفة، لا سيما بالنظر إلى أن عمليات الصرف المستقبلية تظل مرتبطة بالتنفيذ الفعلي بدلا من مجرد التعهدات العريضة.
ومن المتوقع أيضا أن يمتد دفع عجلة الشفافية ليشمل الإفصاح والتقارير، إذ تتطلع الحكومة إلى تقليص الفجوة الزمنية لإصدار بيانات صافي الاحتياطيات الأجنبية من جانب البنك المركزي لتحسين توقيت ومدى توفر المعلومات، وفقا للتقرير. وتشير كل هذه الأمور مجتمعة إلى مرحلة تخضع لمراقبة أشد صرامة للبرنامج مع انتقال مصر من محطات الإصلاح المبكرة إلى دورة تنفيذ أطول أجلا.
نظرة مستقبلية: لما كان الهيكل الخاص بتسهيل الصلابة والاستدامة يدور حول مدفوعات مرحلية ومحطات إصلاحية، فإن عام 2026 سيكون بمثابة اختبار لمدى قدرة الحكومة على مواصلة زخم التنفيذ في ظل بيئة خارجية أقسى، تحيطها الاضطرابات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف التمويل، وتقلب أسواق الطاقة.