هل تتلقى مساعي مصر لتعزيز قدرات تخزين البطاريات دفعة قوية عبر ريادة تكنولوجيا بطاريات أيونات الصوديوم الناشئة؟ تلقت شركة دراسكيم مؤخرا دعما حكوميا لإنشاء مصنع لسيانيد الصوديوم في الإسكندرية. تبلغ استثمارات المشروع 200 مليون دولار، ومن المقرر أن تنتج المرحلة الأولى نحو 50 ألف طن سنويا (يوجه أغلبها إلى قطاع تعدين الذهب)، في حين ستعمل المرحلة الثانية إما على مضاعفة الإنتاج أو تصنيع مشتقات إضافية للسيانيد. بيد أن المرحلة الثالثة هي ما تلفت الانتباه، إذ ستخصص لإنتاج مكونات بطاريات أيونات الصوديوم.

أهمية الخطوة: قد يحمل التوجه نحو إنتاج بطاريات أيونات الصوديوم تأثيرا كبيرا على طموحات مصر في مجال الطاقة المتجددة، مما يساعد البلاد على تقليل الاعتماد على بطاريات الليثيوم الأعلى تكلفة، التي تهيمن حاليا على أنظمة تخزين الطاقة عالميا. وتعد بطاريات أيونات الصوديوم تكنولوجيا ناشئة تمتلك الإمكانات لتكون أقل تكلفة عند التوسع في إنتاجها، بالإضافة إلى أن الملح هي المادة الخام الرئيسية التي تعتمد عليها، بدلا من الاعتماد على إمدادات الليثيوم المستوردة والمحدودة.

ما الذي يميز بطاريات أيونات الصوديوم؟

المزايا: يعد الصوديوم سادس أكثر العناصر وفرة في القشرة الأرضية ويمكن استخراجه من الملح العادي. لكن الليثيوم في المقابل عنصر نادر يتركز في مناطق جغرافية محددة ويجري استيراده حاليا. فضلا عن أن خلايا أيونات الصوديوم تتجنب مشكلات نقص النيكل أو الكوبالت أو الجرافيت. وتتميز العديد من التركيبات الكيميائية للصوديوم بمقاومة داخلية أقل، مما يعني إمكانية شحنها وتفريغها بسرعة، وهذا يجعلها خيارا مثاليا لبطاريات الشبكات الكهربائية ذات الاستخدام الكثيف.

العيوب: لا تزال بطاريات أيونات الصوديوم تكنولوجيا ناشئة، مما يعني أن الشركات السباقة في تبنيه ستضطر إلى تخصيص استثمارات كبيرة للبحث والتطوير. يضاف هذا إلى عدم وصول هذه البطاريات إلى مرحلة الإنتاج الواسع، مما يجعل تكلفتها الحالية لكل كيلووات/ساعة تقترب من تكلفة بطاريات أيونات الليثيوم، رغم إمكانية انخفاض سعرها مستقبلا. وعلى عكس بطاريات أيونات الليثيوم، فإن بطاريات أيونات الصوديوم بطبيعتها تتميز بكثافة طاقة أقل، وبالتالي تكون أثقل وزنا، مما يقلل من جدوى استخدامها في صناعة السيارات والإلكترونيات الاستهلاكية.

سباق عالمي محتدم لتطوير بطاريات أيونات الصوديوم

لا تغرد مصر وحيدة على مستوى السعي إلى تصنيع بطاريات أيونات الصوديوم لتكون بديلا حقيقيا؛ فالصين هي الأخرى ضخت استثمارات ضخمة في الأبحاث والمصانع، وتمتلك شركات البطاريات العملاقة، التي على شاكلة شركة كاتل، خطوطا لإنتاج أيونات الصوديوم. وحتى الولايات المتحدة انضمت إلى السباق، إذ تمضي شركات ناشئة مثل ناترون في مشروعات لتطوير هذا النوع من البطاريات. ويتوقع المحللون أن ترتفع القدرة العالمية لإنتاج أيونات الصوديوم من 10 جيجاوات/ساعة في 2025 إلى أكثر من 70 جيجاوات/ساعة بحلول عام 2030.

لكن، ما سر هذا الاندفاع؟ يتمثل أحد الأسباب في كسر هيمنة الصين على تعدين الليثيوم؛ إذ تسيطر بكين حاليا على 80% من تصنيع بطاريات أيونات الليثيوم وتقريبا على كل إنتاج الليثيوم المكرر والجرافيت والكاثود. وتفتح بطاريات أيونات الصوديوم الباب أمام سلاسل توريد جديدة، حيث يمكن استخراج الصوديوم من الملح الصخري أو المحاليل الملحية. وحتى في هذا النطاق، تتصدر الصين أيضا قطاع خلايا أيونات الصوديوم، لكن المادة الخام للصوديوم تتوفر بكميات تفوق الليثيوم بنحو ألف مرة، مما يسهل بناء سلاسل توريد بديلة في جميع أنحاء العالم.

هل يمكن لمصر قيادة المسار أم الاكتفاء بالمتابعة؟ لا تزال مصر في بداية طريقها في مجال بطاريات أيونات الصوديوم. ويركز مشروع دراسكيم في الغالب على إنتاج سيانيد الصوديوم، مع تخصيص مرحلة لاحقة لمكونات البطاريات. فضلا عن عدم امتلاك البلاد حتى الآن منظومة متكاملة وواسعة النطاق لتصنيع خلايا البطاريات، إذ يعتمد عديد من مشروعات تصنيع بطاريات أيونات الليثيوم الحالية على التكنولوجيا والخبرات المستوردة. ولكن ثمة نقطة مضيئة، وهي أن مصر تمتلك نقاط قوة بارزة، على رأسها موقعها الجغرافي الذي يعزز فرصها لتصبح مركزا لتصدير هذه المنتجات إلى أفريقيا والشرق الأوسط.

التداعيات

انخفاض التكلفة يسرّع مشروعات الطاقة المتجددة: ينعكس انخفاض تكاليف البطاريات على إقامة مشروعات للطاقة الشمسية المزودة بقدرات التخزين بتكلفة أقل، وهو ما يسهم فعليا في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي لتلبية الطلب في أوقات الذروة.

..والفوائد اقتصادية حاضرة: سيقلص التصنيع المحلي للبطاريات فاتورة استيراد الليثيوم.

لكن النجاح ليس مضمونا

الرهان جريء..والباب مفتوح على مصراعيه أمام مزيد من التساؤلات: هل تستطيع مصر حقا إنتاج خلايا البطاريات على نطاق واسع؟ تشير شركة دراسكيم إلى إنتاج المكونات، لكن بناء وحدات بطاريات كاملة يتطلب خطوات إضافية (مثل تصنيع الأنود والكاثود، وتجميع الخلايا، وإلكترونيات الطاقة).

أهمية الجدول الزمني: لن تنطلق المرحلة الأولى قبل عام 2028، ولن تُنتج مكونات البطاريات بين عشية وضحاها. وبحلول ذلك التاريخ، ربما نجد أن اللاعبين العالميين أحرزوا تقدما أكبر، وفي المقابل ستستمر تكاليف أيونات الليثيوم في الانخفاض، وتبدأ بدائل جديدة في الظهور.

ماذا عن العراقيل التنظيمية؟ تحتاج مصر إلى وضع ضوابط تنظيمية واضحة للتخزين، تُصنف أنظمة التخزين فئة أصول مستقلة، مع وضع أكواد لربط البطاريات بالشبكة القومية، بالإضافة إلى آليات مستقرة لضمان الإيرادات. وبدون هذه الإجراءات، قد تظل البطاريات — حتى الرخيصة منها — غير مستغلة.

تحديات التمويل: لا تزال مشروعات أنظمة تخزين طاقة البطاريات تدخل ضمن تصنيف الاستثمارات " ذات الإيرادات المحدودة "، وتعتمد على اتفاقيات تُبرم لكل مشروع على حدة. وإذا ساورت المستثمرين شكوك حول كيفية سداد مصر لثمن الكهرباء المخزنة أو ضمان ربطها بالشبكة، فقد تتعثر هذه المشاريع.