أبدت مصر اهتماما بتقنيات احتجاز الكربون وتخزينه، لكن التقدم المحرز على أرض الواقع لم يرق بعد إلى المستوى المأمول. وعلى عكس نظيراتها من دول منطقة الخليج، التي أطلقت مشروعات ضخمة في هذا المجال، لا تزال جهود مصر في معظمها في مرحلة دراسات الجدوى والمشروعات التجريبية.
ما هو احتجاز الكربون وتخزينه؟ يغطي سوق احتجاز الكربون وتخزينه التقنيات التي تلتقط ثاني أكسيد الكربون من العمليات الصناعية أو من الهواء مباشرة وتخزنه لمنع الانبعاثات. وتشمل طرق الالتقاط تقنيات ما قبل الاحتراق (إزالة ثاني أكسيد الكربون قبل حرق الوقود الأحفوري)، وما بعد الاحتراق (التقاط ثاني أكسيد الكربون من غازات المداخن)، والالتقاط المباشر من الهواء (استخلاص ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الغلاف الجوي).
لكن التكلفة لا تزال هي العقبة الرئيسية أمام مصر وغيرها من البلاد، نظرا إلى أن البنية التحتية والتكنولوجيا اللازمة لاحتجاز الكربون وتخزينه معقدة ومكلفة — وغالبا ما تصل تكلفتها إلى المليارات. ويعد مشروع "تحالف المسارات" في كندا هو أكبر مشروع مقترح من ناحية التكلفة، فمن المتوقع أن تبلغ تكلفة شبكته في مقاطعة ألبرتا نحو 12 مليار دولار.
ولا تقتصر التكاليف على الإنفاق المبدئي فحسب، إذ يجب أيضا حساب تكاليف التشغيل التي ترفع تكلفة التقاط كل طن من الكربون إلى ما بين 15 و 120 دولارا، اعتمادا على مصدر ثاني أكسيد الكربون، وفق ما تشير إليه الوكالة الدولية للطاقة. ومن أجل زيادة جاذبية الجدوى الاقتصادية، توجد أيضا تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه — التي تمنح الكربون الملتقط استخداما تجاريا من خلال إعادة استخدامه، وإن كانت بعض الاستخدامات، التي على شاكلة الاستخلاص المعزز للنفط، تتعرض لانتقادات لأنها تضر أهداف المناخ.
وفي وجود هذه الحقائق، ليس من المستغرب إحراز جيران مصر في الخليج تقدما أكبر في هذا المجال. ففي حين تقتصر إنجازات مصر على عدد قليل من المشروعات الصغيرة والتجريبية، إلى جانب مذكرات التفاهم لتطوير التكنولوجيا، تستضيف الإمارات أول منشأة تجارية لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه في الشرق الأوسط، وهي منشأة الريادة، التي بدأت عملياتها في عام 2016. إلى جانب هذا المشروع — الذي يلتقط نحو 800 ألف طن سنويا من ثاني أكسيد الكربون من مجمع حديد الإمارات في أبو ظبي وينقله عبر الأنابيب إلى حقول أدنوك للاستخلاص المعزز للنفط — تبدي أدنوك وغيرها من الشركات المحلية تفاؤلا كبيرا بمشروعات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه. لدى السعودية هي الأخرى سجل حافل من المشروعات النشطة، ولديها أيضا الكثير منها قيد الإعداد، بما في ذلك مركز لاحتجاز وتخزين الكربون بقيمة 1.5 مليار دولار في الجبيل، من المخطط أن يخزن ما يصل إلى 9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا بحلول عام 2027 أو 2028.
تذكر- أعلنت وزارة البترول وشركة إيني الإيطالية العملاقة للطاقة أول مبادرة لاحتجاز الكربون وتخزينه في مصر في عام 2022، وتستهدف هذه المبادرة تخزين ما يصل إلى 30 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا في حقل مليحة. وقد شكل هذا المشروع، البالغة تكلفته 25 مليون دولار، جزءا من حزمة أوسع من المخططات التي تقودها إيني لاستخدام ثاني أكسيد الكربون الملتقط، ويتضمن ثلاث مراحل. كذلك قدمت شركة تويوتا تسوشو في عام 2022 دراسة جدوى حول تطبيق تكنولوجيا احتجاز الكربون في شركتي أبو قير للأسمدة ومصر لإنتاج الأسمدة (موبكو).
وفي حين يقل التقدم المحرز داخليا على جبهة احتجاز الكربون، تتوسع الشركات المصرية بقوة في هذا القطاع خارج الحدود، بما في ذلك توسعة بقيمة 2.6 مليار دولار تنفذها شركة أوراسكوم كونستراكشون وشركة تكنيكاس ريونيداس الإسبانية لمحطة طاقة في السعودية تشمل احتجاز الكربون.
كذلك يغيب الوضوح بشأن الدور الذي يجب أن تضطلع به التكنولوجيا في خطة التنمية الأوسع للبلاد، إذ تشير الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 مرة واحدة فقط بشكل مباشر إلى احتجاز الكربون وتخزينه.
تفتقر مصر أيضا إلى وجود إطار قانوني واضح لاحتجاز الكربون وتخزينه، بسبب غياب القوانين أو البروتوكولات أو المبادئ التوجيهية المعمول بها التي تحكم تنفيذ المشروعات أو عملياتها بشكل مباشر، وفقا لما ورد في دراسة (بي دي إف) صادرة عن مبادرة شركات النفط والغاز بشأن المناخ. ويتمثل أحد أبرز التحديات التنظيمية في كيفية تصنيف ثاني أكسيد الكربون — بوصفه نفايات أم موردا — وهو ما سيشكل كيفية التعامل مع احتجاز الكربون وتخزينه تحت مظلة الأطر القائمة. ولا يزال المناخ التنظيمي الحالي غير مكتمل وغير مؤكد فيما يتعلق بالأنشطة الخاصة باحتجاز الكربون وتخزينه، وهذا على ما يبدو ليس بأي حال وصفة مثالية لجذب الاستثمار.
اعتمدت دول أخرى على الحوافز للمساعدة في تحفيز القطاع، مع استخدام الإعفاءات الضريبية والقروض الميسرة والمنح في الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي لتشجيع الاستثمار، حسبما أبرزه التقرير. وبينما لم تحصل مشروعات احتجاز الكربون وتخزينه في مصر بعد على نفس المعاملة، بُذلت بعض الجهود إذ أُدرجت هذه المشروعات بوضوح بوصفها مؤهلة للحصول على الرخصة الذهبية، مما يمنح موافقة مبسطة تُعطى لمرة واحدة وتستهدف تسهيل عملية الحصول على الأراضي والتصاريح وكل الأمور العالقة في هذا النطاق.
ولكن على الجانب الإيجابي، كان هناك بعض التحرك على جبهة الالتقاط مؤخرا، فقد اختارت موبكو شركة تيسن كروب أودا الألمانية في فبراير لنشر تكنولوجيا متقدمة لاحتجاز الكربون واستخدامه في مصانعها الثلاثة للأمونيا واليوريا في دمياط، باستثمار قدره 220 مليون دولار. ومن المنتظر أن يستخلص المشروع ما يصل إلى 145 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا من غاز المداخن وتوجيهه إلى إنتاج اليوريا. كذلك أفادت تقارير في مايو بأن شركة التكنولوجيا النظيفة الكندية بورنا تخطط لاستثمار 40 مليون دولار لإنشاء منشأة تركز على تصنيع أنظمة استعادة غاز الشعلة، وتقنيات فصل الكربون، وحلول إعادة الحقن لشبكة الغاز الطبيعي المصرية.
وظهر القطاع أيضا مؤخرا في محادثات ثنائية مع اليونان، شهدت توقيع وزارة البترول مذكرة تفاهم مع وزارة البيئة والطاقة اليونانية للتعاون في مجال احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه. واتفق الجانبان على العمل على مقترحات لإطار تنظيمي لاحتجاز وتخزين الكربون بدعم من الخبرات اليونانية في الصناعة وتطوير نماذج اقتصادية قابلة للتطبيق، كذلك تأمل مصر أن تبدأ تصدير ثاني أكسيد الكربون إلى الأسواق الأوروبية للاستخدام الصناعي.
فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:
- وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويسمذكرة تفاهم مع مكتب الشؤون الصناعية والعمالية التابع لحكومة مدينة طوكيو للتعاون في مجال الهيدروجين الأخضر. ستركز المذكرة على الجوانب البيئية والاقتصادية للتكنولوجيا "من خلال تبادل الخبرات والمعرفة والمعلومات ذات الصلة، والعمل على تحفيز الطلب في السوق ودعم تطبيقاته المختلفة".
- هل انتهت فورة الهيدروجين الأخضر؟ الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر يتدنى كثيرا عن التوقعات، مما يترك المشاريع من دون مشترين، وفق ما ذكره الرئيس التنفيذي لشركة مصدر الإماراتية للطاقة المتجددة محمد جميل الرمحي في مقابلة مع وكالة بلومبرج، موضحا سبب تحول الشركة بعيدا عن الهيدروجين الأخضر نحو تزويد الذكاء الاصطناعي بالطاقة.