لا تقتصر التحديات التي تعترض طريق طموحات البلاد في مجال مراكز البيانات على الجوانب التقنية والمالية فحسب، بل ثمة تحديات بيئية أيضا. ففي مايو من العام الماضي، طرحنا سؤالا حول كيفية تحول مصر إلى محور إقليمي لمراكز البيانات. وفي الشهر الماضي، تناولت إنتربرايز أيضا الأسباب التي تحول دون قدرتنا على مواكبة طفرة مراكز البيانات في الأسواق الناشئة. لا تزال طموحات مصر في مجال البنية التحتية كبيرة، وإذا كانت المساعي بشأن التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي جادة، فقد حان الوقت للبدء في تسليط الضوء على تبريد الخوادم في مراكز البيانات.

نعلم بالفعل أن مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذ تشير التقديرات العالمية إلى أنها ستستهلك أكثر من 1000 تيراوات/ساعة بحلول عام 2026 — أي أكثر من ضعف استهلاك هذه المراكز في عام 2022 — وفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية (بي دي إف) الصادرة في يناير 2024. تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الطاقة لتشغيل الخوادم ومعدات التبريد، معتمدة على مصادر طاقة قوية ومصادر كهرباء احتياطية للطوارئ لتجنب المشكلات التقنية.

لكن ما يغيب عن ذهن كثيرين هو مدى احتياج أنظمة التبريد إلى المياه. إذ إن أي نظام تبريد تقليدي لمركز بيانات صغير بقدرة 1 ميجاوات، يمكن أن يستهلك 25.5 مليون لتر من المياه سنويا — أي ما يعادل الاستهلاك اليومي للمياه لحوالي 300 ألف شخص، وفقا لدراسة (بي دي إف) أعدها الرئيس التنفيذي لشركة "أركجيت" ديفيد مايتون. إذ يُقدر أن نموذج "جي بي تي-3" يستهلك 500 ملليلتر من المياه لكل 10-50 إجابة، وفقا لدراسة أخرى (بي دي إف). وبحلول عام 2027، من المتوقع أن يستهلك الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي ما بين 1.1 تريليون إلى 1.7 تريليون جالون من المياه.

يمثل هذا تحديا لأي دولة، لكنه يصبح أعظم خطورة بدرجة ما بالنسبة لدولة مثل مصر — التي تعاني من عجز مائي سنوي يبلغ 7مليارات متر مكعب، مقترنا بتزايد عدد السكان والخطر الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي الكبير.

تعد "كفاءة استخدام المياه" (WUE) هو المقياس المرجعي لقياس مدى كفاءة مركز البيانات في استخدام المياه. ويتتبع هذا المقياس عدد الأمتار المكعبة من المياه المستهلكة لكل ميجاوات/ساعة من الطاقة المستخدمة — أي المياه المستخدمة للتبريد لكل وحدة طاقة مستخدمة للتشغيل. ويمكن لمنشأة تعتمد على تبريد الهواء فقط أن يسجل مؤشر كفاءة استخدام المياه لديها الرقم "صفر". ولكن بالتحول إلى التبريد التبخيري، قد يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 2.5، استنادا إلى الإعداد وتقنية التبريد. ومع ذلك، فإن مؤشر كفاءة استخدام المياه يأخذ في الحسبان استخدام المياه في الموقع وحسب، متجاهلا استهلاك المياه غير المباشر المرتبط بتوليد الكهرباء.

ثمة العديد من الطرق لتبريد مركز البيانات، لكن معظمها يعتمد على الماء. لا يعتمد تبريد الهواء على الماء، لكنه ليس شائعا الاستخدام لأنه يزيد من استهلاك الطاقة — على الرغم من أنه يقلل من الأرقام المسجلة على مؤشر كفاءة استخدام المياه. يتضمن النهج العام أنظمة المياه المبردة التي تخفض درجة حرارة الماء إلى حوالي 7-10 درجات مئوية، ثم يجري تدوير تلك المياه لامتصاص الحرارة. وغالبا تدمج مع أبراج التبريد، حيث يتدفق الهواء الخارجي الساخن عبر أسطح رطبة، مما يؤدي إلى تبخر الماء. تطرد المراوح الهواء الساخن والرطب، ويعاد تدوير الماء المبرد. ويستخدم البعض أنظمة الرش الأديباتي — وهي عبارة عن رش الماء مباشرة في تيار الهواء أو على سطح مبادل حراري، مما يبرد الهواء الداخل إلى مركز البيانات.

لا تزال معظم مراكز البيانات العاملة في مصر تعتمد على إعدادات تقليدية — وهي عبارة عن مزيج من أنظمة تبريد الهواء، وأنظمة المياه المبردة، ووحدات التبريد بالتمدد المباشر، حسبما صرح به نائب الرئيس والمدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "إيكولاب" نيت لوبس لإنتربرايز. ولكن عندما يتعلق الأمر بالمراكز الكبيرة في البلاد، فتهيمن عليها أنظمة المياه المبردة المزودة بأبراج تبريد.

ولعل هذه الأنظمة كثيفة الاستهلاك للمياه بشكل خاص في مصر، بالنظر إلى أن جودة المياه — الغنية بالمعادن — تحتاج إلى تكرار دورات التنظيف التي تخضع لها هذه الأنظمة لمنع تراكم الترسبات في الأنابيب والمعدات. وأوضح لوبس أن دورة الصيانة المطلوبة تزيد من إجمالي استهلاك المياه، مضيفا أن جودة مياه التبريد يمكن أن تؤثر على العمر التشغيلي للمعدات.

قال لوبس إن أحد الخيارات لمعالجة هذه المشكلة يكتسب زخما، ويتمثل في التبريد السائل المباشر إلى الشريحة (D2C) — وهو نظام حلقة مغلقة يعيد تدوير المياه بدلا من استهلاكها. ويعمل هذا النظام على تبريد الخوادم بكفاءة أكبر ويلغي الحاجة إلى وحدات معالجة الهواء أو حلقات المياه المبردة. ثمة نهج آخر يتمثل في دمج تبريد D2C مع الأنظمة الأديباتية الهجينة التي تستخدم المياه غير الصالحة للشرب أو المياه المعالجة، مما يمكّن المشغلين من تحسين كلا من كفاءة استخدام الطاقة (PUE) وكفاءة استخدام المياه (WUE) بشكل كبير.

ليست أنظمة التبريد الأكثر كفاءة هذه رخيصة الثمن، لكنها مصممة لتحقيق عائد على المدى الطويل. يمكن للمشغلين استرداد التكاليف الأولية المرتفعة من خلال وفورات كبيرة في الطاقة والمياه، لا سيما على النطاق الواسع، وفق ما قاله لوبس لإنتربرايز. أضف إلى هذا الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومراقبة الأداء في الوقت الفعلي، والبنية التحتية عالية الكفاءة للتبريد، إذ يستطيع المشغلون إحكام السيطرة بدرجة أكبر على استخدامهم للموارد. وأوضح لوبس أنه من خلال جعل استخدام المياه قابلاً للقياس والإدارة، سيتاح للمشغلين تجاوز التعامل معه بوصفه مجرد تكلفة – بل التعامل معه بدلا من ذلك بوصفه أصلا استراتيجيا يدعم النمو والموثوقية والأداء البيئي.

ثمة مقايضات دائما عند بناء مركز بيانات، إذ إن التبريد التبخيري يستهلك طاقة أقل، ولكنه يستهلك كميات أكبر بكثير من المياه، في حين لا يستهلك تبريد الهواء أي مياه، ولكنه يستهلك طاقة أكبر بكثير. لذلك ينبغي لمشغلي مراكز البيانات اختيار تقنية التبريد التي تناسب الظروف البيئية المحلية على أفضل وجه قبل البدء في الإنشاء.

تعمل طرق التبريد المستدامة أيضا بطريقة أفضل عندما تكون جزءا من التصميم الأصلي وليست إضافة لاحقة، بحسب لوبس. يعني ذلك ضرورة إعادة التفكير في تصميمات المنشأة لتحسين تدفق الهواء، وبناء بنية تحتية يمكنها التعامل مع المصادر غير الصالحة للشرب مثل مياه الصرف الصحي المعالجة، وتركيب أنظمة مراقبة في الوقت الفعلي لتتبع الاستهلاك. من واقع التجربة العملية لشركة "إيكولاب"، كلما طُرحت هذه الاعتبارات للمناقشة مبكرا، كان الانتقال أكثر سلاسة. وقال لوبس إن التنفيذ الناجح يعتمد أيضا على التعاون الوثيق بين فرق الهندسة والمرافق والاستدامة.

ومن أجل معالجة المشكلة، يمكن لمصر أن تقتدي بجيرانها في الإمارات والسعودية، حيث ساعدت الحوافز في تعميم التقنيات الموفرة للطاقة والمياه في قطاع مراكز البيانات، حسبما قاله لوبس لإنتربرايز. تستطيع البلاد أن تحذو حذوهما من خلال تقديم إعفاءات ضريبية أو جمركية على تقنيات مراكز البيانات الخضراء المعتمدة، وتقديم منح أو قروض منخفضة الفائدة لتعويض النفقات الرأسمالية لأنظمة مثل التبريد السائل المباشر للشريحة أو التبريد الأديباتي الهجين، وخصومات على فواتير المرافق مرتبطة بمعايير أداء تحسينات كفاءة استخدام المياه أو الطاقة. وأضاف أن تشجيع استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة للتبريد الصناعي — خاصة في المناطق الصناعية والتنموية — من شأنه أن يقطع شوطا طويلا أيضا.

برغم احتياج مراكز البيانات الشديد للمياه، لا يسلط الكثير من الضوء على القضية في أحدث استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي(بي دي إف)، التي تركز على الحوسبة الخضراء والبنية التحتية الموفرة للطاقة، لكنها لا تلقي الكثير من الضوء على إدارة البصمة المائية للبنية التحتية لمراكز البيانات. إذ بالكاد يجري التعرض للجوانب المتعلقة بالتبريد — وحتى في هذه الحالة، يحدث هذا فقط في سياق استخدام الطاقة.

تُستبعد المياه في الغالب من النقاش، ولكن لا ينبغي ذلك. ففي جميع أنحاء المنطقة، عادة ما يبدأ الحديث عن التبريد المستدام وينتهي بكفاءة الطاقة، متجاهلا قطعة أساسية من اللغز. وعقب لوبس قائلا: "في مصر، حيث يعد الإجهاد المائي بالفعل مصدر قلق وطني، نحتاج إلى التأكد من أن المياه جزء من التخطيط — وليست فكرة لاحقة".


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • وقعت الشركة العربية البريطانية للصناعات الديناميكية التابعة للهيئة العربية للتصنيع اتفاقية مع مركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بهدف إنتاج الأسمدة العضوية من المخلفات النباتية والحيوانية. وتهدف الاتفاقية إلى خفض فاتورة الواردات عن طريق المساعدة في تلبية الطلب المحلي على الأسمدة. (بيان)
  • افتتحت شركة سوميتومو إليكتريك مصنعها لإنتاج الضفائر الكهربائية للسيارات الذي يعمل بالطاقة الشمسية في مدينة العاشر من رمضان، بتكلفة استثمارية بلغت 22 مليون يورو. ويأتي هذا ضمن جهود مصر لتوسيع قطاع الصناعات المغذية للسيارات محليا وتوطين الإنتاج.
  • تعتزم الحكومة توجيه 55% من استثماراتها نحو الاقتصاد الأخضر خلال السنوات المالية الأربعة المقبلة، بهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للهيدروجين الأخضر في عام 2026 وفقا لوثيقة اطلعت عليها إنتربرايز.