لم يعد الهدف والمقصد من وراء التحول الأخضر محض إجراءات تستهدف الامتثال إلى المعايير والمتطلبات التنظيمية والدولية. ففي الإصدار الثاني من “السردية الوطنية للتنمية الشاملة” (بي دي إف) التي صدرت مؤخرا، تُرسخ استراتيجية الحكومة للاقتصاد الأخضر لعام 2030 توجه الدولة نحو اعتبار التحول الأخضر ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية وحماية أسواق التصدير. ولم يعد الاقتصاد الأخضر مقتصرا على إنشاء محطات الطاقة الشمسية أو الوفاء بأهداف أممية فحسب، بل تحول إلى استراتيجية صناعية وخطة وطنية تتعلق بالاقتصاد نفسه بنفس قدر تعلقها بالبيئة.

على مدار العقد الماضي، انصب تركيز التصريحات الحكومية على بناء القدرات، إذ سلطت الدولة الضوء باستمرار على تدشين مشروعات ضخمة للطاقة الشمسية وتوقيع اتفاقيات لمزارع الرياح، مع الإشارة إلى طموحها القريب لتصبح مركزا إقليميا للطاقة الخضراء. ومع أن هذه الأهداف لا تزال قائمة، فإن الأجندة الوطنية الخضراء تركز الآن على الشاغل الأهم والأكثر إلحاحا، الذي يتمثل في حماية التجارة الخارجية من آليات مثل آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي.

مؤشر “آفاق التعقيد الأخضر” يدخل المعادلة

تطرح السردية الوطنية مقياسا تنمويا جديدا يُعرف بـ “مؤشر آفاق التعقيد الأخضر”، الذي يقيس قدرة الدولة على تصنيع منتجات خضراء ومتقدمة تكنولوجيا في آن واحد. ويتجاوز هذا النهج مجرد حماية الصادرات الحالية من تعريفات الكربون، ليتطلع إلى تلبية الطلب العالمي المتزايد على نوعيات جديدة من المنتجات في الدول التي تمر بمرحلة التحول الأخضر أيضا.

لم يعد الهدف متمثلا في الاكتفاء بتصدير الطاقة المتجددة في صورتها الخام، بل تتطلع الدولة إلى تصدير منتجات مُصنعة باستخدام هذه الطاقة. ويبرز التقرير الكيماويات الخضراء والبلاستيك الأخضر بوصفها قطاعات واعدة قادرة على استغلال البنية التحتية الصناعية القائمة، إلى جانب السلع الصناعية منخفضة الكربون مثل الصلب والأسمنت، لتفادي تعريفات الكربون المفروضة على الصادرات.

ورغم صعوبة إطلاق بعض المشروعات، لا تزال الأمونيا الخضراء والهيدروجين الأخضر في صدارة منتجات التصدير المستهدفة، وتستهدف السردية الاستحواذ على حصة تتراوح بين 5% و8% من السوق العالمية بحلول نهاية العقد.

تسعى السردية كذلك لدمج مصر في سلاسل القيمة الجديدة الناتجة عن التوجهات العالمية نحو التحول الأخضر، بما في ذلك التصنيع الفعلي لمكونات السيارات الكهربائية ووحدات الشحن بدلا من الاكتفاء بتجميع السيارات. لعل المستجدات التي تتعلق بهذا التوجه، أو التصنيع المحلي لمكونات الطاقة الشمسية، ليس بالشأن الجديد على قراء نشرة إنتربرايز، ولكن تجدر الإشارة إلى الأنباء التي وردت في الأسبوع الماضي حول اعتزام شركة ساني جروب الصينية إنشاء أول مصنع لإنتاج توربينات الرياح في مصر.

مد يد العون للصناعات استعدادا لآلية تعديل حدود الكربون

تستلزم إزالة الكربون من الصناعة جهودا كبيرة؛ فهي ليست مهمة سهلة وبالتأكيد ليست رخيصة. ومن أجل مساعدة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، التي تستهدفها آليات حدود الكربون، تطرح السردية خطة لمنح المعدات الصناعية التي تسهم في خفض الانبعاثات تسهيلات جمركية وإعفاءات من ضريبة القيمة المضافة. كذلك تشير السردية إلى تسهيل تمويلي بقيمة تتجاوز 200 مليون دولار لدعم إزالة الكربون في القطاع الصناعي الخاص، بدعم من شركاء دوليين.

ومن المقرر أيضاً أن يسهم الوقود المشتق من النفايات بدور محوري، مع دفع الصناعات الثقيلة للتحول من الفحم والغاز الطبيعي إلى بدائل أقل تلويثا للبيئة.

إضفاء الطابع الرسمي على الشهادات الخضراء

يتمثل أحد أهم النقاط بالنسبة لمجتمع الأعمال في التحول المخطط له من تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية الطوعية إلى تغييرات هيكلية إلزامية. وستعترف التعديلات المرتقبة لقانون الشركات بشهادات الطاقة المتجددة وشهادات المنشأ بوصفها أدوات مالية رسمية.

ومن خلال تقنين هذه الشهادات، تخلق الدولة سوقا تمنح الشركات التي تتجاوز مستهدفات خفض الكربون إمكانية بيع أرصدتها إلى الشركات التي لم تحقق هذه المستهدفات. وبالنسبة للمصدرين، ستكون هذه الشهادات بمثابة الدليل الأساسي على التزامهم البيئي لتفادي ضرائب حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي وغيره.