هل تستطيع مصر البناء برمال الصحراء؟ يواجه قطاع البناء في مصر ضغوطا لخفض انبعاثات الكربون، ولعل ما تتمتع به البلاد من وفرة في رمال الصحراء يحمل المفتاح من أجل التحول الأخضر لهذا القطاع، الذي يسهم بجزء كبير من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفقا لورقة بحثية أعدتها دينا خاطر، الأستاذة المساعدة في قسم الهندسة المعمارية بجامعة المستقبل في مصر. يستكشف هذا البحث إمكانية استبدال إمدادات مصر من رمال الصحراء بالمواد الأساسية كثيفة الكربون، التي على شاكلة الأسمنت البورتلاندي والطوب الطيني، وتقيّم كذلك إمكانياتها بوصفها مادة بناء خضراء.

يعد قطاع مواد البناء أحد أكبر مصادر انبعاثات الكربون في مصر. إذ إن صناعة الأسمنت وحدها تتسبب في نحو 14% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد، وهو ضعف المتوسط العالمي. ويرجع جزء كبير من هذا إلى العمليات كثيفة الاستهلاك للطاقة والاعتماد الكبير على الفحم وفحم البترول، وكلاهما من المواد شديدة الانبعاثات الكربونية.

ما أهمية هذا؟ "نحو 96% من الأراضي المصرية هي أراضي صحراوية غير مطورة، وقد أدى النمو السكاني السريع إلى زيادة كثافة المراكز الحضرية. يسلط هذا الضوء على الحاجة إلى إعطاء الأولوية للرمال لتكون موردا مستداما متاحا محليا للتنمية الحضرية المستقبلية"، وفق الورقة البحثية.

لماذا الرمل؟ بحسب الورقة البحثية، تعد الرمال من أكثر المواد وفرة في مصر، إذ تغطي الصحارى السواد الأعظم من مساحات الأراضي، وهي من أكثر الموارد غير المستغلة. تصلح أنواع معينة من رمال الصحراء المصرية للاستخدام في البناء إذا خضعت لعمليية التثبيت أو الدمك — لا سيما رمال الكوارتز (المعروفة أيضا برمال السيليكا) ورمال الفلسبار.

تتمثل إحدى الطرق في التثبيت الحيوي (Bio-cementation)، القادرة على توفير طريقة أكثر مراعاة للبيئة لتثبيت التربة الضعيفة. ويستكشف الباحثون كيفية استخدام العمليات الطبيعية لتقوية التربة الرملية عن طريق تسريع تكوين الكالسيت، وهو المعدن الذي يثبت الرمل في الحجر الرملي بمرور الوقت، وفقا لدراسة أجراها الأستاذ المساعد في كلية الهندسة المدنية بجامعة دبلن مايكل لونغ. يؤدي حقن البكتيريا أو الإنزيمات في الرمل الذي يحتوي على الكالسيت إلى تفاعل ينتج كربونات الكالسيوم، التي تربط حبيبات الرمل معا. قد تخلق هذه العملية أرضية أقوى وأكثر استقرارا للبناء دون التسبب في البصمة الكربونية الناتجة عن الأسمنت التقليدي أو طرق الدمك.

مثال ناجح: طور فريق بحثي من جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب نوعية من الطوب المضغوط من الرمال المحلية، يشبه مكعبات الليغو، واستُخدم بعد ذلك لبناء هيكل من طابق واحد دون أي حرق. أثبت الطوب أنه أكثر مراعاة للبيئة من الطوب الطيني التقليدي. وكان الهيكل متينا، وجيد العزل، وبلغت تكلفة هذا الطوب نصف تكلفة المواد الأخرى.

مثال آخر: يدمج البناؤون في واحة سيوة بين طرق البناء التقليدية باستخدام "الكرشيف" — وهو حجر يوجد بجوار بحيرة الملح في سيوة — لإنشاء مبان ذات فعالية من حيث التكلفة ومقاومة للمناخ. يستطيع حجر الكرشيف — بالاشتراك مع مواد طبيعية أخرى، وهي الطمي وخشب النخيل والحجر الطبيعي — أن يصنع هياكل قوية تدوم طويلا.

بديل آخر- كتل الخرسانة الخلوية المعقمة (AAC): يصلح استخدام الرمال أيضا لبناء كتل الخرسانة الخلوية المعقمة (AAC) — المعروفة أيضا باسم الكتل البيضاء الخفيفة. تتميز هذه الكتل بأنها خفيفة الوزن وموفرة للطاقة ومصنوعة من الرمل والأسمنت والجير والجبس، ثم تعالج بالبخار المضغوط عن طريق الكهرباء بدلا من الحرق. تتمتع هذه الكتل بالعديد من المزايا، التي تتضمن قدرتها على تقليص استهلاك الطاقة في المبنى، إذ إن مضاعفة استخدام كتل الخرسانة الخلوية المعقمة والزجاج العاكس في الهيكل، قد يخفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 25% في المباني السكنية والتجارية. تزيد تكلفة هذه الكتل على تكلفة الطوب التقليدي، لكنها على المدى الطويل موفرة للطاقة ومقاومة للحريق.

مكمن المشكلة؟ ثمة تحديات تواجه استخدام رمال الصحراء في البناء، تنطوي على الافتقار إلى إطار تنظيمي للبدائل القائمة على الرمال، فلا يزال كثير من المقاولين والمطورين يلتزمون بالخيارات المألوفة والمجربة مثل الطوب الطيني والأسمنت القياسي. بالإضافة إلى أن رمال الصحراء دقيقة جدا وناعمة على أن تستخدم في البناء، لذلك بدون المزيج الصحيح أو تقنيات التثبيت، ستفقد الهياكل قوتها ومتانتها، وفقا لمقال نشرته شركة التطوير العقاري النمساوية "ويجراز".

ماذا بعد؟ "من أجل توحيد المعايير المعترف بها محليا، تؤكد الباحثة على ضرورة إجراء المزيد من التحقيقات التجريبية، لا سيما تلك التي تتضمن الرمال المصرية، بجانب الإجراءات التنظيمية التي تساعد على دمج مواد البناء والخرسانة القائمة على الرمل. يدعم البحث تبني طرق البناء المستوحاة من الليغو، ومواد البناء المعيارية والمستدامة القائمة على الرمال، لتمكين النمو الحضري السريع والصديق للبيئة"، وفق اختتمت به الورقة البحثية.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • خطط توطين إنتاج التقاوي: تجري وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي مفاوضات مع عدة شركات فرنسية وإيطالية لإقامة مشروعات لإنتاج تقاوي الخضر في مصر، بهدف وقف الاعتماد على الواردات. (البورصة)
  • أول مدينة خضراء في مصر: أصبحت شرم الشيخ أول مدينة مصرية تنضم إلى شبكة المجلس الدولي للمبادرات البيئية المحلية العالمية للأطراف المستدامة (ICLEI). (بيان)