كيف يمكن تحقيق المعادلة الصعبة بين الحفاظ على البيئة وتحقيق الربح في قطاع الصناعة؟ تردد صدى كلمات مثل الطاقة المتجددة والصناعة الخضراء والاقتصاد الأخضر والاستدامة في مجال التطوير الصناعي في الآونة الأخيرة. لكن كثير من ا لصناعات التي تتوسع حاليا ليست صديقة للبيئة. ما يثير التساؤل: هل يمكن التوفيق بين التوسع الصناعي والوعي البيئي؟

أهلا بكم في برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة الجديد في مصر. تتعاون وزارة التجارة والصناعة مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) لتعزيز المجمعات الصناعية الصديقة للبيئة عبر برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة الممول من سويسرا. وتبلغ تكلفة هذه المبادرة 1.7 مليون دولار تقريبا، وهي بمثابة برنامج تجريبي لتحويل المجمعات الصناعية — التي تتسبب في انبعاث كميات كبيرة من التلوث والنفايات — إلى أنظمة بيئية صناعية مستدامة، على أرض مصر.

لكن، ما هي المناطق الصناعية الصديقة للبيئة بالضبط؟ باختصار هي مجمعات صناعية تدمج مراقبة الانبعاثات وإعادة استخدام النفايات والتخطيط المستدام في عملياتها مع محاولات تحسين النتائج الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. والهدف هو أنه بتوسيع هذه العمليات إلى مستوى المجمعات الصناعية والتنسيق بين الشركاء والقطاعات، ستتمكن المناطق الصناعية الصديقة للبيئة من الاستفادة من أوجه التكامل بين الصناعات لخفض تكلفة إجراءات الاستدامة.

وبلغة متخصصة: تهدف المناطق الصناعية الصديقة للبيئة لتعزيز "الاقتصاد الدائري" أو خلقه من الأساس، وهو مصطلح صكته الأمم المتحدة يعني التأكد من أن مدخلات الإنتاج الخام يعاد استخدامها أو تدويرها لأقصى درجة ممكنة. والفكرة هنا أنه بدلا من تقليل الاستهلاك علينا تحويل المنتجات التي نستخدمها لتكون صديقة للبيئة عن طريق إعادة استخدام المدخلات.

المجمعات الصناعية المشاركة: تشارك في البرنامج ثلاثة مجمعات صناعية مصرية من بين 147 مجمعا في أنحاء البلاد وهي مدينة الجلود بالروبيكي بمدينة بدر، ومجمع السخنة لأوراسكوم للمناطق الصناعية وبولاريس باركس في السادس من أكتوبر. ويضم مجمعا أوراسكوم وبولاريس شركات محلية وعالمية تعمل في عدة صناعات، أما مدينة الجلود بالروبيكي فتضم مدابغ صغيرة.

طريقة عمل البرنامج: في مؤتمر برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة في مصر الذي عقد في القاهرة يوم 20 من هذا الشهر أكد المسؤولون أن وزارة التجارة والصناعة ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية تعملان سويا لصياغة إطار تنظيمي محلي للمناطق الصناعية الصديقة للبيئة وتنفيذه، ويشاركهم في ذلك أصحاب المصلحة المعنيين من الحكومة والقطاع الخاص. ويتضمن ذلك صياغة تشريعات مناسبة للسوق المصرية ومتوافقة مع معايير المناطق الصناعية الصديقة للبيئة العالمية، والتواصل مع الشركاء في المناطق الصناعية لتعريفهم بفوائد البرنامج وإنشاء بنية تحتية لمراقبة وإعادة استخدام النفايات، وعرض المجمعات لاستثمارات القطاع الخاص وبناء فرق إدارة المجمعات بشكل يضمن استمرار عمل المناطق الصناعية الصديقة للبيئة.

جزء من المهمة يتعلق برصد الحقائق. يأمل برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة في مصر أنه بعد مقارنة نتائج المجمعات الصناعية الثلاث بعد ثلاث سنوات أن يتمكن من تطوير إطار عمل يناسب البلاد لتنفيذ ومراقبة المناطق الصناعية الصديقة للبيئة وبناء القدرات وتسهيل التعاون بين الجهات الحكومية، ومعرفة التحديات التي قد تواجه توسيع البرنامج ليشمل المجمعات الصناعية في مصر البالغ عددها 147.

برنامج يتوافق مع التزامات مصر المناخية: تسعى الحكومة إلى رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في القدرات المولدة إلى 42% بحلولعام 2030، و50% بحلول عام 2040، كما تهدف وزارة التعاون الدولي أيضا إلى خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 17 مليون طن سنويا، من خلال إيقاف تشغيل محطات كهرباء تعمل بالغاز بقدرات إجمالية 5جيجاوات بحلول 2025.

لست بحاجة لأن تكون ناشطا بيئيا حتى تنضم لبرنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة، "فالاستدامة" في المناطق الصناعية البيئية تحرص على نتائج الشركات كما تحافظ على البيئة. وبعيدا عن توفير نفقات المدخلات المهمة، يوفر برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة فرصا لتأمين سبيل الصادرات إلى الأسواق في الخارج وتوفير فرص توسع للاستثمار الخاص.

نفايات البعض… كنز البعض: من أبرز سمات المناطق الصناعية الصديقة للبيئة قدرتها على توسيع إعادة استخدام النفايات الصناعية. وتحظى معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها بأهمية خاصة بسبب التكلفة المرتفعة للمياه ومحدودية توافرها للاستخدام الصناعي. ومن هنا يمكن لإنشاء مرافق معالجة مياه الصرف أن يتيح للصناعات التي تستهلك كميات كبيرة من المياه — مثل صناعة المنسوجات والسيارات ومواد البناء — تحقيق أرباح دون عناء منها.

فرص إعادة استخدام النفايات متعددة، فالأمر لا يقتصر على المياه، إذ يمكن إعادة استخدام المخلفات الصلبة والزيوت المترسبة لإنتاج وقود حيوي قادر على تشغيل الإنتاج الصناعي، وهو أمر حيوي لصناعات مثل الأسمنت، التي واجهت زيادات في أسعار الوقود في السنوات الأخيرة.

الاستفادة من التشريعات القائمة: مصر لديها بالفعل تشريعات يمكن أن تساعد في تسهيل إعادة استخدام النفايات، ففي عام 2020، صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون إدارة المخلفات الذي يدعو إلى إنشاء هيئة تنظيمية مسؤولة عن إنشاء برنامج موحد لإدارة النفايات. وفي عام 2022، جرى تكليف جهاز تنظيم إدارة المخلفات بصياغة استراتيجيات لعدد من الأهداف، أهمها توسيع نطاق أنشطة إعادة التدوير وتحويل النفايات إلى موارد مربحة.

استدامة الصادرات أمر ضروري: يتزايد عدد البلدان الحريصة على شراء منتجاتها من الشركات الملتزمة بتقديم بيانات عن بصمتها الكربونية والملتزمة كذلك بالإنتاج المستدام. وفي هذا الصدد، فإن برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة من شأنه أن يساعد المصدرين المحليين على الالتزام باللوائح الدولية، كما أنه يزود المنتجين الآخرين بالبيانات والمعلومات اللازمة لدخول أسواق التصدير.

تشريعات الاتحاد الأوروبي المرتقبة تجعل التحول الصناعي أولوية وليس تفضيلا: من المقرر لآلية تعديل حدود الكربون التي أقرها الاتحاد الأوروبي أن تدخل حيز التنفيذ الكامل في عام 2026، وبموجبها سيجري فرض ضريبة على واردات الاتحاد الأوروبي التي يتجاوز تكلفة انبعاث الكربون فيها نظيره في الاتحاد الأوروبي. ويشترط هذا التشريع على المصدرين من خارج الاتحاد الأوروبي تقديم معلومات حول البصمة الكربونية لبضائعهم، بهدف تشجيعهم على تبني معايير صديقة للبيئة في أنشطة الإنتاج الصناعي. ويعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمصر، فقد كان الوجهة لحوالي 31.1% من صادرات البلاد العام الماضي، وفقا للبيانات (بي دي إف) الصادرة عن البنك المركزي.

استقطاب الشركات متعددة الجنسيات: إن القدرة على تسويق منطقة صناعية باعتبارها "خضراء" يجذب انتباه الشركات متعددة الجنسيات التي تتطلع إلى نقل إنتاجها إلى مصر، إذ سيصبح الإنتاج في مصر أكثر جاذبية لهذه الشريحة من الشركات في ضوء وجود أنظمة مراقبة تتوافق مع المعايير الدولية.

فوائد برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة لن تقتصر على المناطق الصناعية، حسبما أفادت المدير العام لقطاع التخطيط والمشروعات بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة سمر خليل حسن، في كلمتها خلال منتدى المناطق الصناعية الصديقة للبيئة الذي عقد في 20 مايو. وتسعى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ووزارة السكان بالفعل لاستكشاف طرق يمكن من خلالها دمج برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة في خطط بناء المدن الذكية، بما يشمل إنشاء مجمعات صناعية في هذه المدن واستخدام هذه المجمعات لإنتاج مواد بناء صديقة للبيئة.

الحياة ليست بهذه الوردية: ثمة تحديات متعلقة بالتمويل والتنفيذ تواجه محاولات التوسع ببرنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة. فستكون هناك حاجة إلى ضخ استثمارات ضخمة لبناء المرافق والبنية الأساسية اللازمة لرفع مستوى المجمعات الصناعية القائمة إلى مستوى المعايير الدولية. ومن جانبها، تعكف منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية حاليا على تطوير منصة إلكترونية تعرض فرص الاستثمارات المحتملة في تلك المشاريع من أجل تسهيل مشاركة القطاع الخاص في سد هذه الفجوة.

وعلى صعيد التنفيذ، فقد واجهت كل من اليونيدو ووزارة التجارة والصناعة والمجمعات المسجلة في البرنامج التجريبي صعوبات في شرح فوائد برنامج المناطق الصناعية الصديقة للبيئة لمستأجري المجمعات الصناعية، كما واجهت تلك الجهات صعوبات في بناء القدرات اللازمة لإدارة المجمعات ووضع نظام ثابت لتطبيق أفضل الممارسات التنظيمية عبر الوزارات. وفي هذا السياق، تسعى كل من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ووزارة التجارة والصناعة إلى معالجة هذه الثغرات من خلال تطوير الكفاءات وعقد ورش العمل بشكل منتظم.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • افتتاح محطة طاقة شمسية بمركز سيمنز في السخنة: أطلقت شركة سيمنز للطاقة محطة جديدة للطاقة الشمسية بقدرة 1.9 ميجاوات على مساحة 8500 متر مربع توفر 90% من احتياجات الطاقة لمركز الخدمات في منطقة السخنة الصناعية، وتقلل الانبعاثات الكربونية بواقع 1500 طن سنويا. (بيان اقتصادية قناة السويس)
  • سيمكس تتولى إدارة محطة لتدوير المخلفات في المحلة: وقعت محافظة الغربية اتفاقية شراكة مع شركة أسمنت أسيوط التابعة ل سيمكس مصر لإدارة وتشغيل مصنع لتدوير ومعالجة المخلفات غير الخطرة بالمحلة الكبرى. (بيان وزارة التنمية المحلية)
  • مساعي حكومية لجذب استثمارات هولندية في الهيدروجين الأخضر: استعرض رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة حسام هيبة الحوافز المقدمة لمشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر خلال مشاركته في القمة العالمية للهيدروجين في روتردام بهولندا، وذلك في محاولة لجذب المستثمرين للقطاع، بحسب بيان صادر عن الهيئة.