نظرة على مبادرة وزارة التخطيط "القرية الخضراء" لتحسين كفاءة استخدام الطاقة والمياه في المناطق الريفية: أطلق المشروع في أواخر عام 2022 مع شركة إيكونسلت للاستشارات الهندسية والبيئية التي عينت مستشارا ومديرا للمشروع، الذي يستهدف إعادة تأهيل 175 قرية في 20 محافظة تشكل جزءا من مبادرة حياة كريمة، ومنحها شهادة بموجب نظام ترشيد المحلي لتصنيف المجتمعات الخضراء. الهدف هو بناء المرونة ضد تغير المناخ في اقتصاد مصر الريفي إلى حد كبير، مع أهداف طموحة لتوفير 50% من نصيب الفرد من استهلاك المياه في القرى، واستهلاك مياه الري بنسبة 40%.
ولكن، كم تكلفة كل هذا؟ في العام الماضي، خصصت الحكومة نحو 45-50 مليار دولار لمبادرة حياة كريمة على مدار جدولها الزمني الكامل والممتد لخمس سنوات. تمثل أعمال إعادة التأهيل الخضراء للقرى، بما في ذلك رسوم الحصول على الشهادات الخضراء نحو 30% من هذه المخصصات.
.. وما أهميته؟ يعيش نحو 57% من سكان مصر - أو 63 مليون نسمة - في المناطق الريفية ويستهلكون نحو ثلث إجمالي الطاقة الموز عة في البلاد. إحصائيًا، يأتي الكثير من استهلاك الطاقة هذا من المباني، التي تستهلك أكثر من نصف إجمالي الكهرباء على مستوى العالم للتدفئة والتبريد والإضاءة. "المباني التي تستخدم الطاقة والمياه بكفاءة أكبر تعد أصولا أعلى قيمة وأقل خطورة من المباني التقليدية"، وفقًا لتقرير جوهري صادر عن مؤسسة التمويل الدولية يناقش دراسة الجدوى للمباني الخضراء وتصميمها. قد يوفر البناء الأخضر ما يصل إلى 0.5-12% من التكاليف الإضافية و37% من التكاليف التشغيلية. ستمثل المباني الخضراء فرصة استثمارية بقيمة 1.1 تريليون دولار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول عام 2030، حسبما ورد في التقرير. وفي الوقت نفسه، تشكل المناطق الريفية جزءا مهما من أجندة التنمية المستدامة في مصر: تشكل الزراعة 12% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويعمل بها 25% من إجمالي القوة العاملة، وتستهلك 80% من إجمالي مواردنا المائية.
استخدام الحلول منخفضة التقنية للقرى المصرية يساهم في خفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل ، ويدعم ريادة الأعمال المحلية ويوفر فرص العمل في هذه العملية. "نتوقع توفير نحو 20 ألف جنيه شهريا من تكلفة إضاءة الطرق نتيجة لتركيب مصابيح ليد، على سبيل المثال"، وفقا لما قاله مساعد وزيرة التخطيط جميل حلمي لإنتربرايز. وستأتي هذه المصابيح، كما هو الحال مع الحلول الأخرى ذات التكنولوجيا المنخفضة المشاركة في المشروع، من الشركات المسجلة بموجب المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية، مما يدعم نشاط الأعمال محليا. علاوة على ذلك، تهدف مشاريع إعادة تأهيل الترع وتبطينها إلى توفير 1.2 مليون وظيفة سنويا، مما يرفع القيمة السوقية للأراضي الزراعية بنسبة 30%.
ما نعرفه عن منظومة ترشيد للتصنيف: سيتم اعتماد القرى والمحافظات المشمولة بالمبادرة من قبل نظام التصنيف المصري للمباني، المعروف باسم ترشيد، الذي يمنحه المجلس المصري للمباني الخضراء. تعمل منظومة ترشيد على تكييف معايير التصنيف البيئي الدولية مع السياق المصري، وهي ميسورة التكلفة أكثر من الشهادة العالمية مثل لييد. تبحث عملية التصنيف في التحسينات القابلة للقياس والوفورات المالية في ثلاثة جوانب رئيسية لكل قرية: استهلاك الطاقة، واستخدام المياه، والموارد. كما تشمل بعض المعايير التهوية الطبيعية وكفاءة محركات مضخات المياه وكفاءة الري وخطة إدارة المخلفات الصلبة، مع شرط أساسي لتوفير 30% من الطاقة بشكل عام.
يمكن لمعايير الاستدامة أن تفتح الباب لتمويل الأصول أيضا: توفر عملية إصدار الشهادات تعريفا واضحا للمبنى الأخضر وتتجنب الإبلاغ الذاتي الذي قد يؤدي إلى معايير غير متسقة وغسيل أخضر، وفقا للمطورين والمصرفيين والمسؤولين الحكوميين الذين شملهم استطلاع في تقرير صادر عن مؤسسة التمويل الدولية. ولكن الأهم من ذلك، أن الاعتماد "يفتح إمكانية أن يكون الأصل مؤهلا للحصول على سندات خضراء وأنواع أخرى من التمويل".
تهدف المرحلة الأولى إلى اعتماد 20 قرية - واحدة في كل محافظة بموجب مبادرة حياة كريمة - بحلول نهاية عام 2024. أول قرية حصلت على شهادة كانت قرية فارس، في كوم أمبو بمحافظة أسوان، والتي عرضت خلال قمة المناخ COP27 كنموذج أولي لمشاريع أخرى. وتوجد 10 قرى أخرى قيد الدراسة حاليا بعد زيارات من الوزارة وممثلي إيكونسلت، بما في ذلك جزيرة سعود في الشرقية، وكفر سعد البلد في دمياط، وقارون في الفيوم، واللواء صبيح في الوادي الجديد، وأم دومة بسوهاج.
ما هي أعمال إعادة التأهيل؟ تركيب الخلايا الشمسية لإضاءة الشوارع والعدادات الذكية للكهرباء/الغاز الطبيعي في المنازل والمرافق الحكومية هي بعض الإجراءات التي قد تشهدها القرى، حسبما أوضح حلمي لإنتربرايز، مضيفا أن تدابير توفير المياه تشمل "إعادة تأهيل الترع، واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة للري، وتركيب وسيلة لجمع مياه تكييفات الهواء لإعادة استخدامها. كما سنعمل مع منظمات المجتمع المدني لتنفيذ مشاريع التشجير". وتعمل وزارة التخطيط أيضا مع شركة الهندسة المعمارية إيكونسلت لتنفيذ تقنيات التبريد الطبيعي وتقليل الاعتماد على وحدات التكييف، وفق ما سبق الإشارة إليه في تقرير سابق.
ستحقق هذه الإجراءات نتائج ملموسة للمواطنين الأفراد أيضا: "يمكن للمزارعين توقع توفير 4200 جنيه سنويا للفدان الواحد نتيجة إعادة تأهيل الترع، وتحسين الإنتاجية الزراعية بمعدل 30%سنويا"، حسبما أوضح حلمي، مضيفا أن "تركيب وحدات الغاز الحيوي في القرى سيوفر 1500 جنيه سنويا لكل أسرة فضلا عن توفر وسيلة آمنة أيضا للتخلص من المخلفات الحيوانية/الزراعية. تبلغ سعة إنتاج الوحدات 100 لتر من الأسمدة العضوية - وهذا يكفي لخمسة أفدنة".
ولكن، ماذا ننتظر بعد كل هذا؟ بمجرد الانتهاء من المرحلة الأولى من المبادرة بنهاية عام 2024، ستبدأ المرحلة الثانية من المبادرة في إعادة تأهيل 175 قرية، بهدف منح جائزة لأفضل قرية خضراء في البلاد. "الفكرة أننا نضع طريقا"، وفقا لما قالته الرئيسة التنفيذية لشركة إيكونسلت سارة البطوطي لإنتربرايز، مضيفة أن "كل قرية تعمل كرمز للمجتمع الأخضر، حيث يمكن للقرى الأخرى أن تقتبس التجربة بنفسها".