نظرة على قطاع إعادة تدوير زيت الطعام في مصر: على مدى العقدين الماضيين، ظهر عدد من الشركات الناشئة المحلية المتخصصة في جمع زيت الطعام المستعمل وتحويله إلى وقود حيوي. تواجه تلك الشركات كابوسا لوجستيا في عملية جمع زيت الطعام المستعمل من آلاف المطاعم والمنازل في كافة أنحاء البلاد، ثم يتعين عليها اتخاذ قرار بشأن البحث عن مستوردين في الأسواق العالمية أو تصنيع الوقود الحيوي محليا. وتبدو سوق إعادة تدوير زيت الطعام مزدحمة في مصر رغم ضآلة هوامش الأرباح. فهل هناك مستقبل لتلك السوق، أم هي مجرد انتعاشة مؤقتة؟

حجم المهدر سنويا من زيت الطعام: يستهلك المصريون نحو 2.5 مليون طن سنويا من زيوت الطعام النباتية، وفق تقديرات (بي دي إف) المركز القومي للبحوث عام 2020، بواقع 25 لترا سنويا للفرد الواحد. ويجري تصريف نحو 90% من إجمالي الزيت المستعمل في شبكة الصرف الصحي، مما قد يتسبب في انسدادات خطيرة في الشبكة، ويقفز بتكلفة صيانتها من جانب الحكومة. ووفقا للبعض، يتسبب الأمر أيضا في سخط مجتمعي واسع.

الزيت المهدر = ثروة مهدرة: من المتوقع أن تتحول مخلفات زيت الطعام، التي كانت عديمة القيمة يوما ما، إلى سوق عالمية تقدر بنحو 11 مليار دولار بحلول عام 2028، طبقا لمجموعة فورتشن بيزنس إنتلجنس. وقدرت قيمة السوق المحلية لزيت الطعام المستعمل بنحو 14 مليون دولار عام 2021، وفق ما ذكره الشريك المؤسس لشركة تجدد الناشئة المصرية نور العسال، لإنتربرايز في وقت سابق. وأضاف العسال أن السوق تغطي حاليا نحو 4% فقط من الإنتاج المحتمل والبالغ 352 مليون دولار سنويا، ما يعني أن 96% من إمكانات السوق غير مستغلة. “تعمل حاليا 26 شركة في زيت الطعام المستعمل في مصر، إما للتصدير، أو لإنتاج وقود الديزل الحيوي، أو لصناعة الصابون”، حسبما قال إبراهيم فاروق، المدير التنفيذي لشركة استشارات الوقود الحيوي المحلية بايو روتردام، لإنتربرايز.

ما هو وقود الديزل الحيوي؟ وقود الديزل الحيوي هو نوع من الوقود الحيوي المستخرج من الزيوت النباتية والدهون الحيوانية المزروعة لهذا الغرض، أو من المخلفات. يمكن استخدام وقود الديزل الحيوي في السيارات والطائرات وجميع أنواع المحركات الأخرى. الفكرة الرئيسية وراء وقود الديزل الحيوي هي أنه الانبعاثات الكربونية خرجت بالفعل مع استخدامه للمرة الأولى، ما يمثل نظاما مغلقا دون زيادة في الانبعاثات الكربونية في الهواء (رغم التشكيك في هذا الأمر). يمكن استخدام وقود الديزل الحيوي مباشرة، إلا أنه يُمزج مع وقود الديزل التقليدي بنحو 2% إلى 20%.

توجه الصناعة غالبا للتصدير: قال مصدران من اللاعبين في المجال أن ما لا يقل عن 70% إلى 85% من الزيوت النباتية المستعملة التي تجمع محليا تُصدر إلى الخارج، فيما تذهب النسبة المتبقية إلى عدد قليل من مصافي الديزل الحيوي المحلية أو لصنع الصابون ومنتجات أخرى قائمة على النفط.

يوجد طلب أوروبي على الزيت النباتية المستعملة: شركة دلتا أويل هي واحدة من بين شركات إعادة تدوير زيت الطعام المستعمل المحلية التي تركز على التجميع والتصدير. وقال الرئيس التنفيذي للشركة سراج موسى لإنتربرايز إن الأبحاث الخاصة بهم أظهرت أن أوروبا لا تفتقر إلى مصانع تصنيع وقود الديزل الحيوي، ولكنها تعاني من نقص زيوت الطعام المستعملة التي تستخدم كمادة أولية.

المشترون: في حين أن بعض الشركات المستوردة للزيوت الطعام المستعملة من مصر هي شركات متخصصة في تصنيع الوقود الحيوي، إلا أن عمالقة النفط والغاز يهيمنون على السوق. تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية للمنشأة التابعة لشركة نيستي الفنلندية للوقود الأحفوري في روتردام نحو 1.4 مليون طن سنويا، ومن المقرر أن ترتفع إلى 2.7 مليون طن عام 2026، وتنضم إليها شركات مثل توتال الفرنسية وإيني الإيطالية بمرافق ضخمة تفوق بكثير قدرات الإنتاج المحلية بمصر.

هل يمكن توطين الصناعة بالكامل؟ كانت مسألة تصدير زيت الطعام المستعمل إلى الخارج أو استخدامه لتزويد مصانع وقود الديزل الحيوي المحلية نقطة خلاف بين جميع الفاعلين بالصناعة الذين تحدثوا إلى إنتربرايز. وقال فاروق من شركة بيو روتردام إنه من الممكن تصنيع الوقود الحيوي محليا من كل من زيت الطعام المستعمل والمحاصيل المزروعة لهذا الغرض، مضيفا أن مصر يمكن أن تكون بمثابة مركز لإنتاج وقود الديزل الحيوي في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأحبطت العائدات التي يمكن تحقيقها من تصدير المواد الأولية للديزل الحيوي، الاستثمار في المقترح الأكثر تعقيدا والأكثر خطورة المتمثل في معالجة زيت الطعام المستعمل محليا، حسبما قال فاروق، مشددا على أن الإنتاج المحلي “ليس مكلفا، [لكنه] قرار استثماري”.

إنتاجنا الحالي من وقود الديزل الحيوي ضئيل، لكن هذا قد يتغير قريبا: وفقا لأحد خبراء الصناعة الذين تحدثوا إلى إنتربرايز، يبلغ إجمالي إنتاج مصر السنوي من وقود الديزل الحيوي نحو 50 ألف طن. وقيل لنا إن هذا الإنتاج يتوزع بين ست مصافي “عاملة” وثلاث وصفت بأنها “شبه عاملة”. وعلى سبيل المقارنة، فإن إنتاجنا السنوي من وقود الديزل الحيوي لا يتجاوز 0.4% مما ينتجه الاتحاد الأوروبي، وهو أقل مما تنتجه ألمانيا يوميا. ومع ذلك، فقد أعلنت المؤسسات الحكومية والخاصة، الأجنبية والمصرية، عن مشروعات واسعة النطاق لإنتاج الوقود الحيوي في السنوات الأخيرة، بما في ذلك مصنع لإنتاج الوقود الحيوي باستثمارات 600 مليون دولار، والذي يمكن أن يؤدي إنتاجه السنوي بحجم 350 ألف طن إلى زيادة إنتاج الديزل الحيوي في مصر سبع مرات.

جمع زيت الطعام المستعمل من الأسر المصرية ليس بالمهمة السهلة: “تتبرع الأسر في المتوسط ​​بثلاثة لترات شهريا، ولدينا آلاف الطلبات المنتشرة في مدن مختلفة”، حسبما قال موسى من شركة دلتا أويل. تقوم الشركة بتدريب الشركاء المحليين في المناطق المحرومة والريفية في الغالب وتقدم لهم المعدات اللازمة لجمع زيت الطعام المستعمل. الشركاء يقومون بعد ذلك ببيع المنتج لشركة دلتا أويل بكميات كبيرة، وفقا لموسى.

سئ

ولجأت شركات أخرى إلى التكنولوجيا لإدارة الخدمات اللوجستية في سلسلة التوريد المتفرعة. على سبيل المثال، تسمح شركة تجدد الناشئة، التي تعمل في السوق منذ عشر سنوات، للأسر بطلب تحصيل لكميات الزيت المستعمل من خلال تطبيق جرين بان الخاص بها لرسم طرق أكثر كفاءة تعتمد على البيانات.

معروض صغير: العديد من الشركات المشاركة في جمع زيت الطعام المستعمل أصبحت بشكل متزايد مثل “الحيوانات في البرية التي تتقاتل لأنها تشرب من نفس المكان”، وفقا لما قاله فاروق. وفي إشارة إلى ما يعتقد أنه أحد أكبر التحديات التي تواجه الصناعة، دعا فاروق إلى وضع قواعد تنظيمية لدفع جامعي زيت الطعام المستعمل للبحث عن أسواق غير مستغلة لجمع منتجهم منها.

أسعار مرتفعة وهوامش ربح ضئيلة: يعد وقود الديزل الحيوي أغلى بنسبة 70% إلى 130% من السولار والبنزين في أوروبا، سوق التصدير الرئيسية لمصر. ومع ذلك، فإن التكاليف المرتفعة المرتبطة بجمع زيت الطعام المستعمل، بالإضافة إلى عملية التصنيع باهظة الثمن تعني أن الهوامش أقل بكثير من إنتاج الوقود الأحفوري التقليدي. أصبح الوضع بالنسبة للشركات الناشئة المصرية التي تجمع زيت الطعام المستعمل أكثر صعوبة في عام 2023 مع دخول كمية كبيرة من الوقود الحيوي الصيني المشبوه إلى السوق الأوروبية. تدفق الوقود الحيوي من الصين “خلق فضيحة كبيرة في الربع الأول من العام الحالي وهبطت الأسعار أكثر من 50%”، حسبما قال موسى من شركة دلتا أويل لإنتربرايز.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • المزيد من السيارات الكهربائية محلية الصنع: من المقرر أن توقع مجموعة هندوجا الهندية اتفاقية نهائية مع مصر لدعم تصنيع السيارات الكهربائية محليا في البلاد بحلول نهاية الربع الرابع من عام 2023. (إنتربرايز كلايمت)
  • بتروجيت تستثمر في محطات الطاقة الشمسية بالوادي الجديد: اختار تحالف يضم شركة سمارت للحلول الهندسية وشركة فرينيل الألمانية للطاقة المتجددة، شركة بتروجت ومقرها القاهرة، لتتولى دور المقاول لتشييد محطتين للطاقة الشمسية بمحافظة الوادي الجديد. (إنتربرايز كلايمت)