يواجه القطاع الزراعي في مصر تحديات حالية ومستقبلية غير مسبوقة، إذ يهدد تغير المناخ وندرة المياه ونقص الأراضي معدلات الإنتاج والربحية، وفقا لتقرير صدر مؤخرا (بي دي إف) عن قطاع الأعمال الزراعية في البلاد من قبل وحدة الأبحاث "بي إم آي" التابعة لمؤسسة فيتش سوليوشنز.
تواجه الأعمال الزراعية في مصر تحديات على عدة جبهات -
تغير المناخ يؤثر سلبا على الزراعة المصرية: مصر عرضة بشكل خاص لتأثيرات تغير المناخ، مع "ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات في أنماط هطول الأمطار واحتمال حدوث ظواهر مناخية قاسية أكثر تواترا، [مما يشكل] خطرا كبيرا على المدى الطويل على إنتاج الحبوب المصرية". ويحذر التقرير من أن الإجهاد الحراري يؤدي بالفعل إلى انخفاض حجم المحاصيل الرئيسية كالقمح والأرز. ومن المتوقع أيضا أن تؤدي زيادة تواتر موجات الجفاف وموجات الحر إلى تسريع ظاهرة التصحر، مما يقلل من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة.
ندرة المياه تشكل أيضا أزمة وشيكة للمزارعين المصريين: إن اعتماد مصر على نظام الري التقليدي كثيف الاستهلاك للمياه يجعل ندرة المياه أحد أكبر التهديدات لقطاعها الزراعي. وتصنف مصر بالفعل من بين أكثر الدول التي تعاني من الإجهاد المائي على مستوى العالم، إذ يبلغ نصيب الفرد السنوي من المياه 560 مترا مكعبا فقط — أي أقل بكثير من عتبة الـ 1000 متر مكعب التي حددتها الأمم المتحدة للإجهاد المائي. وفي عام 2018، بلغ إجمالي موارد المياه العذبة في البلاد "64.2 مليار متر مكعب، وهو ما يعني أن نسبة الإجهاد المائي تبلغ 116.2%"، بحسب التقرير. وتوقعت الأمم المتحدة أن مصر قد تقترب من "أزمة مياه مطلقة" بحلول عام 2025. "الضغوط على إمدادات المياه وموارد الأراضي ستصبح أكثر حدة في مصر على المدى المتوسط، وهو ما سيتطلب جهودا متضافرة في الإدارة إذا ما أريد للإنتاج المحلي ألا ينخفض"، وفقا للتقرير.
وتواجه مصر عجزا مائيا سنويا بنحو 7 مليارات متر مكعب، وقد تنفد مواردها المائية بحلول عام 2025. ومن المتوقع أن تستورد مصر بحلول عام 2030 كميات من المياه العذبة — عبر تجارة المياه الافتراضية — تفوق حجم المياه التي توفر محليا عن طريق نهر النيل.
لا يزال سد النهضة الإثيوبي عاملا رئيسيا فيما يخص أمن مصر المائي: لا يزال سد النهضة الإثيوبي يلقي ظلالا من عدم اليقين على إمدادات المياه في مصر في المستقبل، إذ حذر التقرير من أن مواصلة أديس أبابا في ملء السد "ووتيرة الملء، وكذلك وتيرة عمليات إعادة الملء اللاحقة، ستكون عاملا حاسما في تحديد تأثير سد النهضة على إمدادات المياه المصرية". وسيكون لهذا الأمر تداعيات عميقة على الري، مما قد يؤدي إلى انخفاض المحاصيل، خاصة بالنسبة للمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز وقصب السكر. وأشار التقرير إلى أن الجهود التي تبذلها الحكومة المصرية للتخفيف من حدة تلك التأثيرات تتمثل في الاستثمارات في أساليب الري الحديثة ومبادرات إعادة تدوير المياه، في حين أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن استقرار الإنتاج الزراعي في البلاد على المدى الطويل.
يحذر التقرير أيضا من أن التخوف الأكبر يتمثل في "تأثير ملء السد في أعقاب فترات الجفاف". وكانت الحكومة المصرية قد اعتمدت على خزان مياه السد العالي "لتعويض انخفاض تدفق مياه نهر النيل، لكن هذا يمثل حلا محدودا وغير مستدام لانخفاض معدل التدفق"، بحسب التقرير.
لم تتمكن مصر والسودان وإثيوبيا من الاتفاق على آلية لتقاسم مياه النيل بعد بناء سد النهضة الذي تبلغ تكلفته 4.6 مليار دولار، والذي تقول مصر إنه يمثل تهديدا وجوديا لأمنها المائي. ومن النقاط المحورية في النزاع القائم حول السد هو الجدول الزمني لملء خزان السد وكمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا مع بدء تشغيل السد. وتواصل إثيوبيا ملء الخزان بشكل أحادي الجانب على مدى السنوات الثلاث الماضية دون اتفاق ملزم، مما أثار غضب القاهرة التي انسحبت في عام 2021 من المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي.
نقص الأراضي يمثل مصدر قلق أيضا للقطاع: يزيد توسع المناطق الحضرية والنمو السكاني على حساب الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد من إجهاد الموارد الزراعية في مصر. معظم الأراضي في مصر لا يمكن زراعتها، والأراضي القليلة الصالحة للزراعة التي لديها تعتمد بشكل أساسي على النيل كمورد مائي. وحذر التقرير من أن الجهود المبذولة لتكثيف جهود استصلاح الأراضي ستصطدم بـ "النمو السكاني والتوسع العمراني". كما أنها ستؤدي إلى نتائج أخرى غير مرغوب فيها "تتعلق باستخدام المياه وتدهور التربة والتصحر".
الأراضي الحالية الصالحة للزراعة عرضة أيضا للخطر: حذرت وحدة أبحاث "بي إم آي" من أن "الفشل في تحقيق تحسينات مستدامة وذات مغزى في حجم المحاصيل يمثل تحديا خطيرا لنمو الناتج الهيكلي على المدى المتوسط"، إذ يؤدي الإفراط في استخدام الأسمدة النيتروجينية إلى تفاقم حالة التربة في الأراضي الصالحة للزراعة بدلا من تحسينها.
** كنا استعرضنا التفاصيل والأسباب التي تؤدي إلى تدهور التربة في البلاد، في نشرتنا المتخصصة الاقتصاد الأخضر في أكتوبر الماضي.
يأتي كل هذا في الوقت الذي تحاول فيه مصر تقليل اعتمادها على الواردات الغذائية: تواجه مساعي مصر لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء عقبات كبيرة، خاصة في ظل اعتمادها بشكل كبير على الواردات من السلع الأساسية كالقمح. وبحسب التقرير، فقد استوردت مصر 12 مليون طن من القمح في عام 2023، مما يجعلها أكبر مستورد للسلعة الأساسية في العالم. وأدى انخفاض قيمة الجنيه في مارس إلى زيادة تكاليف استيراد المواد الغذائية، مما ضاعف من الضغوط التضخمية وزاد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي. كما أدى الصراع الدائر في أوكرانيا إلى توقف سلاسل إمدادات الحبوب العالمية، مما يؤكد على نقاط الضعف في اعتماد مصر على المواد الغذائية المستوردة.
بعض المحاصيل والأعمال الزراعية قد تتأثر أكثر من غيرها -
تغير المناخ يؤثر بالفعل على إنتاج بعض المحاصيل: يشير التقرير إلى السلع الأساسية الرئيسية مثل القمح والأرز والذرة تشهد بالفعل تراجعا في الإنتاج، في حين أن الظواهر المناخية الأكثر تطرفا مثل موجات الحر والجفاف قد تؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة. ومن المتوقع أن تؤدي موجات الحر إلى تقليص مواسم النمو، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى خفض الإنتاج بشكل كبير ويفرض ضغوطا إضافية على الأمن الغذائي في مصر. يجعل اعتماد البلاد على المحاصيل الرئيسية من هذه الأزمة أكثر إلحاحا. "نتوقع أن يظل نمو إنتاج الحبوب الرئيسية ضعيفا على المدى المتوسط"، وفق ما ذكرته "بي إم آي" التي لفتت إلى الاضطرابات المرتبطة بالمناخ كعامل رئيسي.
التوقعات بشأن إنتاج القمح والأرز تظهر نتائج متباينة: تتوقع "بي إم آي" نمو إنتاج القمح في مصر بشكل متواضع إلى 9.2 مليون طن خلال العام 2025/2024، مما يخفض عجز إنتاج القمح من 11.63 مليون طن في 2024/2023 إلى 11.51 مليون طن. "راجعنا توقعاتنا لإنتاج الذرة في مصر خلال العام 2025/2024 لتتراجع من 7.65 مليون طن إلى 7.2 مليون طن بسبب درجات الحرارة فوق المتوسطة خلال مرحلة النمو"، وفق ما ذكرته "بي إم آي"، مشيرة إلى أن إنتاج الذرة محليا سيشهد عجزا مقداره 8.4 مليون طن — وهو الأكبر خلال ثلاثة مواسم. وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن يصل إنتاج الأرز إلى 3.9 مليون طن في 2025/2024، لكن خطط الحكومة للحد من استخدام المياه قد تؤدي إلى انخفاض إنتاج المحصول بشكل كبير في عام 2026/2025. ويحذر التقرير من أن "احتمال مثل هذا المسار يشكل خطرا كبيرا على إنتاج الأرز في مصر".
السكر يواجه تحديات متزايدة: يتعرض قطاع السكر في مصر لضغوط، إذ أشارت "بي إم آي" إلى أن "الاكتفاء الذاتي من السكر في مصر انخفض من 83.1% في عام 2023/2022 إلى ما يقدر بنحو 72.8% في 2024/2023 الذي اختتم بالفعل". وكان هذا الانخفاض مدفوعا بأن الإنتاج كان أقل من المتوقع والاستهلاك المحلي كان مرنا، إذ ارتفع إلى مستوى قياسي على الرغم من ارتفاع الأسعار. واتسع العجز في إنتاج السكر إلى ما يقارب مليون طن خلال عام 2024/2023 — وهو الأكبر منذ أكثر من عقد. وبالنظر إلى المستقبل، "ستستمر حصة بنجر السكر من إجمالي إنتاج السكر في الارتفاع، لأنه محصول أقل حساسية للمياه من قصب السكر"، وفق "بي إم آي". ومع ذلك، لا تزال ندرة المياه تشكل الخطر الأساسي على القطاع. ويتوقع التقرير زيادة إنتاج السكر بنسبة 2.9% خلال 2025/2024، ولكن من المتوقع أن يظل الاكتفاء الذاتي الإجمالي أقل من المتوسطات التاريخية.
قطاعات الألبان والثروة الحيوانية تواجه صعوبات وسط اضطرابات سلاسل التوريد: تتوقع "بي إم آي" أن يظل قطاع الألبان في مصر تحت الضغط، إذ يكافح الإنتاج المحلي لمواكبة الطلب. "سيتباطأ نمو إنتاج الحليب في مصر إلى 0.5% في عام 2025، ومن المتوقع أن يزيد الناتج الإجمالي من 5.15 مليون طن إلى 5.17 مليون طن، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2021"، بحسب التقرير. وفي الوقت ذاته، من المقرر أن يصل الطلب إلى مستوى قياسي يبلغ 5.01 مليون طن في عام 2025، مما يؤدي لتشديد العرض. ومن المتوقع أن يصل إنتاج لحوم الأبقار في البلاد إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات عند 455 ألف طن في عام 2025، على الرغم من أن الطلب سيستمر في تجاوز العرض. وفي الوقت نفسه، "من المتوقع أن يزيد إنتاج الدواجن في مصر بنسبة 4.5% إلى 2.09 مليون طن في عام 2025، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2021"، لكن من المقرر أن ينخفض الاكتفاء الذاتي إلى 93.8%، وهو أدنى مستوى منذ عام 2017.