تحول مصر أنظارها حاليا صوب طاقة الرياح باعتبارها المحطة التالية في خططها لتوطين صناعة الطاقة النظيفة، بعد الخطوات التي اتخذتها سابقا في تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات محليا. وفي الشهر الماضي، التقى وزير الكهرباء محمود عصمت مسؤولين من مجموعة ساني الصينية لبحث إمكانية إنشاء أول مصنع لإنتاج توربينات الرياح في مصر. ورغم أن التفاصيل لا تزال محدودة، إلا أن الرسالة واضحة: تصنيع توربينات الرياح بات الآن مطروحا على الطاولة.
ما أهمية هذا: يمثل توطين صناعة مكونات محطات الرياح مستوى صناعيا أعلى بكثير من محطات الطاقة الشمسية؛ فخلافا لتصنيع الألواح الشمسية الذي يمكن تنفيذه عبر خطوط إنتاج صغيرة نسبيا داخل المصانع، تتطلب مكونات توربينات الرياح — نظرا لأحجامها وأوزانها الهائلة — مساحات صناعية شاسعة وهندسة دقيقة فائقة التحمل لتصنيع الريش، والأبراج، وغرف المحركات. وإذا مضت ساني جروب قدما في خطتها، فسيكون هذا أحد أكثر المشروعات الصناعية طموحا في البلاد.
“يتطلب توطين هذه الصناعة في مصر قدرا أكبر بكثير من التعقيد”، وفق ما صرح به صرح هانس بروينز، الرئيس التنفيذي لشركتي رأس غارب لطاقة الرياح والبحر الأحمر لطاقة الرياح لإنتربرايز. ومن واقع خبرته التي تمتد لأكثر من ثماني سنوات في السوق المصرية وإشرافه على ثلاث محطات رياح كبرى — بما في ذلك مشروع بقدرة 900 ميجاوات من المقرر البدء في تنفيذه أبريل المقبل — يدرك بروينز جيدا ما يتطلبه التوطين الحقيقي للصناعة.
منظومة صناعية معقدة
توربينة الرياح هي آلة ذات طبقات متعددة، فالبرج عبارة عن هيكل فولاذي مجوف — ثقيل وضخم ومكلف في نقله — ولهذا السبب عادة ما يجري توطينه أولا. ثم تأتي الريش، وهي هياكل ضخمة مصنوعة من الألياف الزجاجية أو ألياف الكربون، مصممة بدقة ديناميكية وسهلة التعرض للتلف أثناء النقل. وفي الأعلى تقع غرفة المحرك، التي تضم المولد وصندوق التروس والإلكترونيات وأنظمة التبريد والتحكم — وهي القلب الميكانيكي والرقمي للتوربينة.
ولهذا السبب، يتم توطين صناعة الرياح على مراحل: الأبراج أولا، ثم الريش، يليها تجميع غرف المحركات. أما التصنيع الكامل للمولدات وصناديق التروس فلا يكون مجديا، إلا عندما تصل أحجام الطلب وهياكل التعريفة إلى مستوى يبرر الاستثمار.
الجزء السهل
بعض المكونات يسهل توطينها — خاصة الضخمة منها. “مع الأبراج، أنت تنقل الكثير من الهواء في الأساس، فهي مجرد برج فولاذي مجوف”، وفق ما قاله بروينز، مؤكدا أن المكونات المحلية قد دخلت بالفعل في مشروعاته. ففي المشروع الأول الذي طُور بالشراكة مع “سيمنس جاميسا”، جرى توريد أجزاء من الأبراج من شركات صناعة الصلب المحلية. وفي المشروع الثاني، قامت شركة ناشونال ستيل فابريكيشن بإنتاج 35 برجاً من أصل 104 وفقا لمواصفات شركة جولد ويند.
وتعد صناعة الريش أكثر تعقيدا من الناحية الفنية، لكن الجدوى الاقتصادية لتوطينها قوية للغاية. وأشار بروينز إلى أنه “من منظور المناولة.. تعد الريش المكون الأكثر حساسية نظرا لسهولة تعرضها للتلف أثناء عملية النقل”، فمع طول يصل إلى نحو 100 متر للريشة الواحدة، فإنها تحمل تكاليف لوجستية باهظة وتنطوي مخاطر كبيرة.
الجزء الصعب
الخطوة الأصعب تتمثل في تصنيع قلب التوربينة: المولد وصندوق التروس وأنظمة التحكم — وهي العناصر الأكثر تعقيدا وكثافة في رأس المال. فالتوربينات الحديثة بقدرة 10 ميجاوات يمكنها توفير الطاقة لقرية بأكملها، وكما يصفها بروينز: “هذا هو قلب الآلة”.
وفي الوقت الحالي، يعد التجميع المحلي هو نقطة البداية المرجحة. ويقول بروينز، مستشهدا بقطاع السيارات: “تبدأ أولا بتجميع المكونات، وبمجرد أن تتقن ذلك، يمكنك البدء في تصنيعها محليا”.
كيف نضمن استمرارية المشروعات؟
لا تنجح جهود التوطين إلا في حال وجود حزمة مشروعات مجدية وهيكل تعريفة يجعلها قابلة للتمويل البنكي. ويقول بروينز: “الأمر برمته يعتمد على ما سيحدث فيما يتعلق بأسعار التعريفة”. وتحولت مصر مؤخرا من اتفاقيات شراء الطاقة الثنائية المباشرة إلى المناقصات التنافسية، مما زاد من الوقت والمخاطر؛ إذ قد تستغرق المناقصة الواحدة نحو عامين بدءا من مرحلة التأهيل المسبق وحتى الترسية.
كما تضغط المناقصات على الأسعار — لتصل أحيانا إلى مستويات غير مستدامة. وبالإشارة إلى التعريفة المنخفضة القياسية لطاقة الرياح في السعودية، حذر بروينز من عقد مقارنات مباشرة؛ موضحا أن علاوة مخاطر الدولة في مصر تبلغ نحو 700 نقطة أساس، مقابل قرابة 100 نقطة أساس في المملكة. وفي ظل هذه الفجوة التمويلية، يرى بروينز أن “مصر في الواقع أرخص بالفعل” عند تعديل التكلفة وفقا لتكلفة رأس المال.
المكمن الحقيقي للقلق هو أن يقدم المطورون عروضا شديدة التنافسية، ليجدوا أنفسهم لاحقا يواجهون صعوبة في إثبات الجدوى الاقتصادية للمشروع. ويقول بروينز: “مشروعات مثل هذه تعتمد عادة بنسبة 80% على القروض من جهات دولية”. فمشروع بقدرة 1 جيجاوات وبتكلفة مليار دولار يتطلب قروضا بنحو 800 مليون دولار. وإذا كنت تدفع 700 نقطة أساس إضافية في مصر، فأنت بحاجة إلى تعريفة أعلى لإتمام الإغلاق المالي.
الجمارك كانت تمثل خطرا.. لكن الوضع يتحسن الآن
واجهت مشروعات الرياح السابقة صعوبات بسبب تأخيرات جمركية غير متوقعة. ويقول بروينز: “في المشروع الأول، كان التخليص الجمركي يستغرق أحيانا أسابيع أو حتى شهورا، مما أدى إلى تجميد رأس المال وأخر العمل في الموقع”. أما في المشروع الثاني، فقد انخفض زمن التخليص إلى أربعة أو خمسة أيام. وأضاف: “هذا تحسن كبير، وجهود التحول الرقمي التي تقودها وزارة المالية تُحدث فارقا ملموسا”. ويتوقع بروينز وتيرة تخليص أسرع في المشروع الثالث.
ويكتسب هذا الأمر أهمية كبرى نظرا للتكلفة الباهظة للخدمات اللوجستية الخاصة بطاقة الرياح. وأشار بروينز: “نتحدث عن مكونات باهظة الثمن. إذا علقت في المنافذ الجمركية وحدثت اضطرابات في الموقع، فإن ذلك يكلفك مبالغ طائلة يوميا”.
خريطة الطريق المثلي؟
سيتطلب التوطين الناجح إقامة تجمعات صناعية متكاملة، وتوفير حوافز، وتخطيط صناعي طويل الأجل. ولفت بروينز إلى أن بناء مراكز تصنيع مكونات طاقة الرياح في الصين “استغرق من 5 إلى 10 سنوات”، حيث يجري إنتاج الأبراج والريش والمولدات والإلكترونيات في المنطقة ذاتها.
ويمكننا أيضا الاستفادة من تجربتنا في مجال الطاقة الشمسية، حيث بدأ التوطين بتجميع المكونات والأنظمة المساعدة قبل التوسع مع نمو الطلب. خلقت الحكومة حينها هذا الطلب من خلال سياسات ملزمة، مما منح المصنعين الثقة اللازمة لضخ الاستثمارات.