تواجه خطط مصر التي تستهدف التحول إلى مركز للهيدروجين الأخضر وضعية إعادة ضبط للتوقعات. على مدى العامين الماضيين، هيمنت على المشهد وعود استحواذ مصر على 8% من سوق الهيدروجين العالمية، مدفوعة بأكثر من 30 مذكرة تفاهم ورؤى لإنشاء محطات تصدير بمليارات الدولارات. ولكن في ظل ارتفاع العلاوة الخضراء عالميا ارتفاعا يفوق قدرة المشترين الأوروبيين، جنبا إلى جنب مع تسبب التأخيرات التنظيمية في تباطؤ الطلب الدولي، بدأت تتجلى استراتيجية أكثر واقعية.
ولا يكمن مستقبل البلاد في مجال الهيدروجين الأخضر — على الأقل في المدى المتوسط — في مراكز التصدير الضخمة التي تؤسس من الصفر. بل يكمن في مشروعات التحديث وإعادة التأهيل الصغيرة والمتوسطة لمنشآت قائمة بالفعل، التي صممت لإنقاذ القاعدة الصناعية المحلية من تهديد وجودي، يتمثل في آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي.
ما أهمية الأمر: بدلا من مطاردة المستوردين الأوروبيين الذين يصعب العثور عليهم، ثمة جهود تستهدف التركيز على الصناعات الثقيلة المحلية، مثل الصلب والأسمدة والألومنيوم والأسمنت. ومع أن مصر قد حصلت على إعفاء مبدئي من آلية تعديل حدود الكربون حتى نهاية عام 2027، تمثل هذه النافذة التي تمتد لعامين حالة عد تنازلي، ولا يمكن احتسابها فترة للراحة. إذ إن هذه الصناعات إذا لم تبدأ في خفض انبعاثاتها الكربونية بعد انتهاء عام 2027، فستواجه رسوما جمركية عقابية تجعلها غير قادرة على المنافسة في سوق التصدير الرئيسي لها.
الاتجاه الجديد يتمثل في تحديث المنشآت القائمة بالفعل
تحول المنطق الاستراتيجي من بناء المنشآت الجديدة إلى إصلاح وتأهيل المنشآت القديمة. فإذا نظرنا إلى المشاريع الأكثر قابلية للتنفيذ في القائمة الحالية — مثل منشأة فيرتيجلوب في العين السخنة ومصنع موبكو في دمياط — سنجد أنها تشترك في سمة واحدة، وهي أنها مشروعات تحديث لمنشآت قائمة.
وبدلا من بناء مصنع بقيمة 8 مليارات دولار من الصفر على طراز مشروع نيوم في السعودية، تكيف هذه المشروعات البنية التحتية الحالية. ومن خلال دمج المحللات الكهربائية في حلقات إنتاج واستخدام الأمونيا القائمة بالفعل، يتجنب المشغلون النفقات الرأسمالية الفلكية والمدد الزمنية الطويلة لمشروعات الإنشاءات الجديدة.
الأمر يتعلق بالجدوى التمويلية للمشروع، حسبما قال مدير تطوير الأعمال في شركة سكاتك مصر، محمود شطا، في حديثه إلى إنتربرايز. ومن خلال توجيه الاستثمار فقط نحو المكونات الجديدة — التي تتمثل في المحللات الكهربائية وعناصر الإنتاج الخاصة بالطاقة المتجددة — والاستفادة من المنشآت ذات الكفاءة المثبتة، تتعاظم جاذبية هذه المشروعات في أعين الممولين. فأي مصنع يخضع للتحديث والتأهيل تبلغ نفقاته رأسمالية مئات الملايين. وفي المقابل، يحتاج بناء المنشآت الجديدة التي تؤسس من الصفر إلى المليارات.
الأفضلية للأصغر
أما التحول الثاني في الاستراتيجية، فيتعلق بالحجم. بدأت الصناعة تدرك أن أفضل الحلول لمشكلة ترتيب الأولويات وأيهما يسبق الآخر — إذ يريد الممولون مشترين، ويريد المشترون قرارات استثمار نهائية — تتمثل في البدء بمشروعات صغيرة، حسبما قال أسامة فوزي، مؤسس منصة "إتش 2 إنتليجنس" المتخصصة في سوق الطاقة المتجددة والهيدروجين. وأضاف أنه بدلا من المشروعات التي تبلغ سعتها 200-300 ألف طن، يمكننا البدء بسعات تتراوح بين 5-10 آلاف طن لإثبات الجدوى.
تعمل هذه المحطات الأصغر حجما، التي تتراوح تكلفتها بين 50 و60 مليون دولار، بوصفها مثالا عمليا للسوق. فهي تثبت إمكانية دمج الهيدروجين الأخضر في خطوط الإنتاج المحلية دون الإخلال بالميزانيات العمومية للشركات.
ولن نكون أول من يسلك هذا المسار؛ فإذا جعلنا اليابان مضرب مثل في هذا النطاق، سنجد أن أولى خطواتها الواسعة تمثلت في محلل كهربائي بقدرة 10 ميجاوات. كذلك بدأت شركة سينوبك الصينية رحلتها مع الهيدروجين بمصنع سعته 20 ألف طن. فمن خلال تقليص الحجم، تستطيع مصر نقل المشاريع من مرحلة مذكرات التفاهم إلى مرحلة التشغيل بسرعة تختصر سنوات إذا قورنت بالمشروعات العملاقة التي يغطيها الغبار حاليا.
الزخم قد يتسارع قريبا بوجود ضريبة الكربون المحلية
تعكف الحكومة حاليا على إعداد مشروع قانون مستقل لفرض ضريبة كربون محلية، جنبا إلى جنب مع تعديلات تشريعية لقانون حماية البيئة. ومع الإلغاء التدريجي لدعم الوقود الأحفوري وفرض ضرائب على الانبعاثات الكربونية محليا، تتغير حسابات الهيدروجين الأخضر. فلم يعد مجرد بديل أخضر باهظ الثمن، بل يبدأ فعليا في التحول إلى أداة ضرورية للتحكم في التكاليف. وفي ظل هذا الإطار، لا يعد الهيدروجين الأخضر مجرد وقود، بل مادة خام تحمي هوامش ربح مصنعي الصلب المصريين من الضرائب المحلية والرسوم الجمركية الأوروبية على حد سواء.
على المدى الطويل.. قد نكون أكثر طموحا
لم يتبدد حلم مصر في أن تصبح مصدرا عالميا للهيدروجين، بل أُرجئ قليلا. ومن خلال التركيز على المشروعات الصغيرة القائمة التي تخدم الصناعة المحلية، ستقدر البلاد على بناء ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الجدوى" القابل للتمويل اليوم. فلم يعد الهدف يكمن في الاستحواذ على 8% من السوق العالمية بحلول عام 2040، بل في ضمان أن تحافظ الشركات الصناعية المصرية العملاقة على تنافسيتها في عام 2028.