يقف القطاع الزراعي في مصر عند مفترق طرق، حيث يسارع لتعزيز الإنتاجية، والحفاظ على المياه، ودعم الأمن الغذائي وسط ضغوط متزايدة على الموارد والمناخ. يمكن للتكنولوجيا أن تكون جسرا بين الطموح والواقع — بدءا من الري الدقيق وحتى إدارة المزارع القائمة على البيانات وسلاسل الإمداد القابلة للتتبع — وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة “انطلاق” بعنوان ” الإمكانات غير المستغلة لمجال التكنولوجيا الزراعية المصري: قيادة الابتكار والنمو “. إلا أن المنظومة البيئية للتكنولوجيا الزراعية سريعة التوسع في البلاد لا تزال مقيدة بالتمويل المحدود، وضعف البنية التحتية، وقلة الكوادر الماهرة.
الأهداف –
تهدف رؤية “مصر 2030” لقطاع الزراعة إلى توسيع رقعة الأراضي الصالحة للزراعة، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الرئيسية، وزيادة الصادرات — كل ذلك بالتزامن مع رقمنة بيانات المزارعين وتحديث أنظمة الري. وتخطط الحكومة لزيادة مساحة الأراضي الزراعية إلى 12 مليون فدان بحلول عام 2030، ارتفاعا من 9.6 مليون فدان في العام المالي 2021-2022، ورفع إجمالي المساحة المزروعة بالمحاصيل إلى 21.5 مليون فدان.
وتتطلع الحكومة أيضا إلى رفع الاكتفاء الذاتي من القمح من 47% إلى 70% بنهاية العقد، مستهدفة متوسط إنتاج يبلغ 3.3 طن للفدان. وللمساعدة في تحقيق ذلك، تدفع الحكومة التوسع الزراعي في الصحراء الغربية وسيناء وتوشكى — حيث جرى تخصيص استثمارات بنحو 116.6 مليار جنيه لقطاع الزراعة والري في العام المالي 2023-2024، على أن يساهم القطاع الخاص بنحو 44% منها.
وتستهدف الخطة كذلك مضاعفة قيمة صادرات الحاصلات الزراعية لتصل إلى 14 مليار دولار بحلول عام 2030، وفي مقدمتها الفواكه والخضروات عالية القيمة. وفي الوقت ذاته، تطرح الحكومة بطاقات رقمية للمزارعين، وتوسع نطاق الزراعة التعاقدية ومشاريع الصوب الزراعية من أجل تحقيق الاستقرار في الأسواق، وتعزيز إمكانية التتبع، وجعل برامج الدعم أكثر استهدافا.
ما المعوقات التي يواجهها قطاع الزراعة؟
يواجه قطاع الزراعة في مصر عقبات هيكلية عميقة تؤثر سلبا على الإنتاجية والابتكار والربحية — بدءا من غياب الرؤية السوقية إلى ضعف التمويل وأساليب الزراعة القديمة. ويحدد التقرير “نقص الشفافية في أسعار التوريد التي تحددها الحكومة للمنتجات الزراعية” كواحدة من أكبر نقاط الضعف، مما يترك الشركات الزراعية “تعمل بعصبة عينين، وتكافح لتحديد أسعار شراء تنافسية للمحاصيل من المزارعين ووضع أسعار تصدير مربحة”. والنتيجة هي سلسلة من ردود الفعل التي تشوه ربحية المزارع وتضعف القدرة التنافسية للصادرات.
وأشار الاستطلاع الذي أجرته المؤسسة إلى أن صعوبة الحصول على التراخيص والتسجيلات الحكومية تعيق القطاع. “نرى أن مستقبل التكنولوجيا الزراعية في مصر واعدا.. لكن لكي يكون هذا النمو مستداما، ينبغي تحسين الأطر التنظيمية والقانونية”، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة مزارع حسين أبو بكر.
ويحذر التقرير من أن شبكة الدعم التابعة لوزارة الزراعة — المصممة لمساعدة المزارعين على تبني أفضل الممارسات — “تعاني للأسف من نقص الموارد”. ويؤدي النقص الناتج في الإرشاد إلى اعتماد العديد من المزارعين على “بذور دون المستوى ومبيدات حشرية غير مسجلة، مما يخلق حلقة مفرغة من ضعف في المحاصيل، وتلوث المنتجات، وفي النهاية، خسائر مالية”. ولا تزال أنظمة الري القديمة مثل الري بالغمر تهيمن على القطاع، مما يؤدي إلى إهدار المياه الشحيحة وتآكل الإنتاجية.
وتواجه الشركات الزراعية الطموحة “حاجزا هائلا يتمثل في محدودية الوصول إلى رأس المال”، حيث تثبط الإجراءات الإدارية المرهقة وقنوات التمويل المحدودة الاستثمار. ويؤدي هذا التقييد الائتماني إلى “عرقلة تطوير البنية التحتية الحديثة، وتبني التقنيات المتقدمة، وبناء نماذج أعمال جديدة يمكن أن تحدث ثورة في الزراعة المصرية”.
وأظهر الاستطلاع الذي أجرته “انطلاق” أن 17% فقط من المشاركين راضون إلى حد ما عن إمكانية الوصول إلى رأس المال، بينما لم يقيم أي منهم رضاه عند أعلى مستوى. وأظهر الاستطلاع أيضا أن “أهم العقبات التي تحول دون تأمين التمويل هي عدم فهم المستثمرين لإمكانات التكنولوجيا الزراعية (78%)، والمخاطر المرتفعة المتصورة بسبب المخاطر الكامنة في الزراعة (56%)”. وأشار الرئيس التنفيذي لشركة محاصيل تكنولوجيز محمد عبد الرحمن إلى أن “تأمين التمويل في قطاع التكنولوجيا الزراعية كان صعبا بشكل خاص بسبب تداخل الزراعة والتكنولوجيا — وهما صناعتان تعملان بإيقاعات مختلفة”.
كذلك تعرض مرافق التجفيف والتخزين غير الكافية المحاصيل للتلوث والتلف والرفض. وفي الوقت ذاته، تخلق قواعد حماية الأراضي ذات النوايا الحسنة “نتيجة غير مقصودة: الحاجة إلى نقل الحاصلات المحصودة لمسافات طويلة. وهذا لا يؤدي فقط إلى تضخيم تكاليف الإنتاج، بل يزيد أيضا من هدر الغذاء بسبب التلف ويزيد من خطر التلوث أثناء النقل”.
ويعتمد غالبية المزارعين على التجار للوصول إلى الأسواق والحصول على التمويل، مما يؤدي إلى “التلاعب بالأسعار وتقليل الأرباح”. ويضاف إلى ذلك اعتماد مصر على العمالة غير الرسمية و”نقص الابتكار ونقل التكنولوجيا” في المناطق الريفية — وهو مزيج من التمويل المحدود، وضعف البنية التحتية للإنترنت، وحواجز اللغة التي تمنع صغار المزارعين من تبني أساليب أو أدوات جديدة.
ويأتي نقص العمالة الماهرة من بين نقاط الضعف في القطاع أيضا، حيث أظهر استطلاع رأي أن “العثور على أفراد يتمتعون بالمهارات اللازمة صعب بشكل ملحوظ. وأشار 94% من المشاركين إلى صعوبة العثور على الموظفين المناسبين”.
كيف يمكن للتكنولوجيا الزراعية أن تغير قواعد اللعبة –
يبرز مجال التكنولوجيا الزراعية في مصر بسرعة كشريان حياة للنظام الزراعي المجهد في البلاد. ويصف التقرير التكنولوجيا الزراعية بأنها “قوة تحويلية في القطاع الزراعي، تسخر الابتكارات لزيادة الإنتاجية والاستدامة والكفاءة”. ومن خلال تحسين طريقة استخدام المزارعين للمياه والطاقة والأراضي، تعد التكنولوجيا الزراعية برفع الإنتاجية وتقليل الهدر في وقت تندر فيه الموارد. وقال إيهاب عمارة، مدير الزراعة في شركة راية فودز، إن شركته ترى أن “مستقبل الزراعة يتشكل من خلال الابتكارات في الميكنة والهندسة الوراثية… أصناف عالية الإنتاجية والجودة تتطلب كميات أقل من المياه ومقاومة للأمراض”.
الكفاءة من خلال الدقة: “تقدم التكنولوجيا الزراعية أدوات متقدمة مثل الزراعة الدقيقة، التي تستخدم نظام تحديد المواقع العالمي وأجهزة استشعار إنترنت الأشياء لتحسين إدارة الحقول فيما يتعلق بزراعة المحاصيل”، وفقا للتقرير. وتسمح هذه الأدوات للمزارعين بمراقبة التربة والري وصحة المحاصيل في الوقت الفعلي، مما يقلل من تكاليف المدخلات ويعزز الإنتاج. وأظهر استطلاع “انطلاق” أيضا أن “دمج الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في أنظمة إدارة المزارع يمكن أن يحسن الكفاءة والإنتاجية”، في حين أن “اتخاذ القرارات القائمة على البيانات يساعد المزارعين على إدارة مزارعهم بشكل أكثر فعالية”. وفي الوقت ذاته، يمكن للابتكارات التقنية مثل الري بالتنقيط والزراعة المائية أن تقلل استخدام المياه إلى النصف مع رفع الإنتاج — وهي ميزة حاسمة في واحد من أكثر المناخات جفافا في العالم.
إلى جانب الاستدامة، يشدد التقرير على أن “التكنولوجيا الزراعية يمكن أن تساعد في ضمان الأمن الغذائي من خلال تمكين المزارعين من إنتاج المزيد من الغذاء بموارد أقل”. وتعمل الشركات الناشئة المحلية على توسيع نطاق هذه التقنيات، بدعم من تزايد التمويل المغامر والشراكات مع الجامعات — وتحويل الأبحاث إلى حلول عملية تحمي المحاصيل وتحافظ على المياه وتخلق فرص عمل جديدة.
كيف يمكننا تحقيق ذلك –
يتطلب إطلاق إمكانات التكنولوجيا الزراعية في مصر مزيجا من السياسات الأكثر ذكاء، وزيادة التمويل، وتكامل أفضل بين الحكومة والقطاع الخاص. ويحث التقرير على “زيادة الشفافية في قرارات التسعير الحكومية”، وإحياء “خدمات الإرشاد الزراعي [التابعة لوزارة الزراعة]” لتزويد المزارعين بالمعرفة الحديثة والدعم التقني. وإلى جانب الرقابة الأكثر صرامة على الجودة والمدخلات المعتمدة، يمكن لهذه التدابير أن تخلق منظومة أكثر إنتاجية وتنافسية.
“تسهيل الوصول إلى رأس المال وتبسيط عمليات التوثيق من شأنه أن يشجع ريادة الأعمال والابتكار داخل القطاع”، وفقا للتقرير، والذي يوصي بالتوسع في التمويل متناهي الصغر، وضمانات القروض، والشراكات مع البنوك الخاصة. وتقترح الدراسة أيضا إنشاء “مناطق تجهيز جديدة داخل المناطق الزراعية” لخفض تكاليف النقل وخسائر ما بعد الحصاد، إلى جانب تحسين البنية التحتية للتخزين وسلاسل التبريد لتعزيز سلاسل الإمداد.
ويحث التقرير أيضا الحكومة على تعزيز “الشراكات بين القطاعين العام والخاص لمعالجة التحديات الزراعية من خلال مشاريع البحث والتطوير المشتركة”، مع تحسين الاتصال في المناطق الريفية والتدريب الرقمي لتوسيع نطاق الوصول إلى الزراعة الدقيقة وغيرها من التقنيات. وسيكون توسيع الإنترنت عالي السرعة، وتشجيع شبكات المستثمرين الملائكيين، وتسهيل إصدار شهادات منتجات التكنولوجيا الزراعية، أمرا أساسيا لتوسيع نطاق الابتكار وضمان تحقيق منظومة التكنولوجيا الزراعية المصرية تأثيرا دائما.