هل يمكن لأسواق النفط المتقلبة أن تؤثر على خطط التحول للطاقة المتجددة في العالم؟ شهدت أسواق النفط والغاز تقلبا في الأسابيع الأخيرة، إذ قفزت الأسعار جراء تخفيضات الإنتاج الجديدة من منظمة أوبك بلس قبل أن تعاود الانخفاض وسط تجدد المخاوف من الركود الاقتصادي. يقول البعض إنه إذا ارتفعت الأسعار مرة أخرى فمن المحتمل أن تحفز التحول إلى الطاقة المتجددة، بينما يرى البعض الآخر أنها ستشجع عمليات الحفر بشكل أسرع وأسرع. هناك إحساس سائد بعدم اليقين، فما الذي يحدث في أسواق الطاقة وما هي آثار ذلك على التحول الأخضر؟
عام ساخن في أسواق النفط: توقعت وكالة الطاقة الدولية قبل أقل من شهر وبعد بوادر النمو القوي بعد جائحة كوفيد-19 في الصين، بارتفاع الطلب العالمي على النفط إلى أعلى مستوى على الإطلاق عند نحو 102 مليون برميل يوميا خلال عام 2023. قالت الوكالة إن تخفيضات الإنتاج المفاجئة من قبل تحالف أوبك بلس في وقت ارتفاع الطلب من شأنه أن يؤدي إلى عجز في المعروض في الأسواق العالمية، "الأمر الذي قد يدفع أسعار الخام وأسعار المنتجات للارتفاع " وربما يزيد من الضغط على التضخم العالمي.
لكن فترة الأسابيع القليلة هي فترة طويلة في أسواق الطاقة: يبدو أن انتعاش الصين بعد الإغلاق يتلاشى وتهدد دورة التشديد النقدي التي ينفذها الاحتياطي الفيدرالي بكبح النمو في الولايات المتحدة ويقترب المشرعون الأمريكيون بشكل خطير من السماح للبلاد بالتخلف عن سداد ديونها، وكلها عوامل تزيد من فرص حدوث ركود عالمي هذا العام. وأسواق الطاقة تتفاعل مع التوقعات الأكثر تشاؤما: أصبحت صناديق التحوط أكثر حذرا من النفط والوقود مما كانت في أي وقت في العقد الماضي، وفقا لبلومبرج.
كل هذا التقلب يمكن أن يتسبب في مشكلات، مع تأثيرات محتملة على قطاعات أخرى: إذا تحسنت توقعات الطلب أو قررت أوبك إجراء تخفيضات أكبر، فقد يتجه المستثمرون لتغيير توقعاتهم المتشائمة، حسبما نقلت بلومبرج عن محللي جولدمان ساكس. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط ويزيد الضغوط التضخمية. من ناحية أخرى، قد يؤدي المزيد من الانخفاض في أسعار الخام إلى حدوث تراجعات في الأسواق الأخرى بما في ذلك الأسهم، حسبما نقلت الوكالة عن محللينفي وقت سابق من الشهر.
إذا، ماذا يعني كل هذا للانتقال الأخضر؟ يسبب التقلب حالة من عدم اليقين، ووسط عدم وضوح التوقعات بشأن أسعار النفط حتى نهاية العام، يصعب تحديد التأثيرات غير المباشرة على الاقتصاد الأخضر. إليكم بعض السيناريوهات المحتملة حال بدأت أسعار النفط الارتفاع مجددا.
ارتفاع أسعار النفط قد يحفز الاستثمار الأخضر: "على المدى المتوسط كل الأمور متساوية. الأسعار المرتفعة جيدة للطاقة النظيفة"، وفق ما قاله جون لارسن الشريك في أبحاث روديوم جروب لشبكة سي إن بي سي. ما يفسر ذلك أنه عندما تكون الأسعار مرتفعة في سوق الطاقة الأوسع، فإن مخاطر الاستثمار في الطاقة النظيفة تنخفض. و"كلما زادت تكلفة الوقود التقليدي، زاد الحافز لمواصلة الانتقال"، وفق ما قاله أولي سلوث هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك لبلومبرج.
ويدفع الحكومة لمضاعفة الانتقال: يثير تشديد أسواق النفط والغاز مخاوف تتعلق بأمن الطاقة للبلدان التي تعتمد على استيراد إمداداتها من الطاقة، والتي قد تتطلع إلى تخفيفها عبر زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وتقديم حوافز لتسريع التحول الأخضر محليا. "مصادر الطاقة المتجددة بالفعل كانت تتوسع سريعا، لكن أزمة الطاقة العالمية دفعتها إلى مرحلة جديدة غير عادية من النمو الأسرع، وسط مساعي من الدول لاغتنام فوائدها الأمنية في مجال الطاقة"، وفق ما قاله مدير الوكالة الدولية للطاقة فاتح بيرول في ديسمبر، ما يعد إشارة إلى أزمة الطاقة الناجمة عن اندلاع الحرب في أوكرانيا.
السيارات الكهربائية قد تغري المستهلكين الذين يتحملون تكلفة أعلى للوقود التقليدي: يترجم ارتفاع أسعار النفط الخام إلى أسعار وقود أعلى- وقد يؤدي ذلك إلى تسريع الطلب العالمي على السيارات الكهربائية، إذ تتطلع الأسر إلى التوفير أينما أمكنها ذلك. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن واحدة تقريبا من كل خمس سيارات مباعة في عام 2023 ستكون كهربائية. "إذا حاول منتجو النفط رفع الأسعار، فإن هذا لن يؤدي إلا إلى تسريع انتشار السيارات الكهربائية"، وفق ما قال بيرول الشهر الماضي، بحسب بلومبرج.
لكن، من المرجح أن يزيد ارتفاع الأسعار من إنتاج النفط على المدى القصير: يعني ارتفاع الأسعار نموا في أرباح شركات النفط والغاز، التي قد تتطلع إلى تكثيف أعمال الحفر قدر الإمكان بينما تظل الأسواق في حالة من النشاط. وقد يؤدي ذلك إلى تدفق المعروض الذي سرعان ما يهبط بالأسعار مجددا، حسبما تشير بلومبرج، لكن المقلق في الأمر أن جهود تطوير الطاقة المتجددة ستتراجع في تلك الأثناء.
وأيضا، يمكن للطاقة باهظة الثمن أن تجعل المشاريع المتجددة أكثر تكلفة: أحد الجوانب السلبية لارتفاع أسعار النفط يتمثل في تسارع معدلات التضخم. تعد الطاقة مُدخل رئيسي ضمن التكاليف في مجموعة كبيرة من القطاعات من التصنيع إلى النقل - مما يعني أن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري يصاحبه زيادة في تكلفة تنفيذ مشروعات جديدة للطاقة المتجددة. كما أن ارتفاع التضخم يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة - كما حدث في الولايات المتحدة وفي كل مكان آخر تقريبا خلال العام الماضي - مما يعني أن الاقتراض لتمويل التوسع في مصادر الطاقة المتجددة يصبح أيضا أكثر تكلفة، حسبما أفادت بلومبرج.
على المدى الطويل، لا يزال الوقود الأحفوري في طريقه للتلاشي: التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بشكل نهائي مضمون إلى حد ما - حتى لو تسببت الأسعار المرتفعة في ارتفاع قصير الأجل في أعمال الحفر. "قد تشهد استثمارا أعلى طفيفا في النفط والغاز في النفط الصخري، لكن شركات الطاقة الكبرى لن تعدل خطط الانتقال" استجابة لسوق يحتمل أن تكون أكثر تشددا، وفق ما قاله محلل بلومبرج إنتليجنس ويل هاريس.
أسعار الطاقة قد ترتفع أو تنخفض - ولكن الخوف الحقيقي من التقلب: عدم اليقين بشأن أسعار النفط مستقبلا يصعب على المستثمرين التخطيط لمشاريع جديدة، وقد تؤدي التغييرات المفاجئة في الأسعار إلى إلغاء المشاريع، حسبما ذكرت رويترز. "الخطر الأكبر بكثير لانتقال الطاقة هو التقلبات"، وفق ما نقلته الوكالة عن أحد باحثي الطاقة في الولايات المتحدة، مضيفا إن الخطر ليس في كون الأسعار مرتفعة أو منخفضة، ولكن "هذا التقلب المستمر".
فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:
- الحكومة تقر حزمة حوافز لمشروعات الهيدروجين الأخضر: وافق مجلس الوزراء على حزمة حوافز جديدة لتطوير صناعة الهيدروجين الأخضر الناشئة في البلاد وزيادة تدفقات العملات الأجنبية.
- الهيدروجين الأخضر يضع مصر في صدارة متلقي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالمنطقة: كانت مصر أكبر متلق للاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا العام الماضي، والثاني على مستوى العالم.
- الاستدامة البيئية تحصد 40% من الاستثمارات الحكومية في 2024/2023: تعتزم الحكومة تخصيص 30-40% من إجمالي الاستثمارات العامة في العام المالي 2024/2023 لصالح مشروعات الاستدامة البيئية.
- مصر تقترب من إطلاق أول إصداراتها من سندات الباندا الخضراء: وافق البنك الأفريقي للتنمية على ضمان تغطية ائتمانية بقيمة 345 مليون دولار من أول إصدار لمصر من سندات الباندا المقومة باليوان البالغة قيمتها الإجمالية 500 مليون دولار. ومن المقرر توجيه حصيلة الطرح لتمويل المشروعات الخضراء، بما في ذلك مشروعات النقل الخضراء والطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.