عودة ظاهرة النينيو المناخية، ومصر تواجه تبعاتها: بينما تواجه مصر موجات متجددة من الحرارة الشديدة هذا الصيف، باتت آثار التغير المناخي والاحتباس الحراري أكثر وضوحا من أي وقت مضى. وقد فاقم الأمر سوءا هذا العام، إعلان خبراء الأرصاد الجوية في جميع أنحاء العالم رسميا أن ظاهرة النينيو بدأت بالفعل. وفي حين ركزت الأبحاث حول تأثيرات ظاهرة النينيو على المناطق المحيطة بالمحيط الهادئ، فإن هذه الظاهرة تغير الأنماط المناخية حول العالم. تحدثت إنتربرايز إلى عدد من علماء المناخ حول التأثيرات المحتملة لظاهرة النينيو على مصر، وما هي الإجراءات التي يمكن اتخاذها للتكيف مع هذه التأثيرات.

حسنا، ولكن ما هي ظاهرة النينيو؟ إنها ظاهرة مناخية دورية تحدث بشكل طبيعي ولها تأثيرات مختلفة في مناطق العالم المختلفة وتحدث كل سنتين إلى سبع سنوات. إنها نتيجة للاحترار غير المعتاد لسطح الماء في شرق المحيط الهادئ.

للمزيد، يمكنكم الاطلاع على عددي إنتربرايز كلايمت تشرح ظاهرة النينيو هنا و هنا.

هناك علاقة بين النينيو والجفاف في القارة الأفريقية: وجدت دراسة (بي دي إف) نُشرت في مجلة نيتشر العلمية المرموقة العام الماضي أن ظا هرة النينيو تساهم في تعميق الجفاف الشديد في دول حوض النيل، ومنها مصر، مما أكد نتائج ا لبحث (بي دي إف) الذي نُشر منذ ما يقرب من عقدين، والذي أشار للمرة الأولى إلى أن 30% من التقلبات السنوية في مستويات المياه في نهر النيل قد تكون مرتبطة بهذه الظاهرة. "تقلل ظاهرة النينيو من حجم الأمطار في دول حوض النيل، وتزيد أيضا من معدل التبخر بسبب ارتفاع درجات الحرارة التي تسببها"، حسبما قالت إيمان سيد، مستشارة إدارة مياه الري بمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) والرئيسة السابقة للتخطيط في وزارة الموارد المائية والري، لإنتربر ايز .

زيادة الفاقد من المياه في مصر مع ارتفاع درجات الحرارة: تفقد مصر ما يقرب من 25-30% من المياه المستخدمة في الري في الص عيد نتيجة التبخر والتسرب، حسبما قال الباحث المناخي شريف محمود لإنتربرايز ، مشيرا إلى ارتفاع معدلات التبخر من الترع المكشوفة باعتبارها أحد العوامل. ووجدت دراسة (بي دي إف) نشرتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن المياه التي يمكن توفيرها من تغطية ترعة الشيخ زايد، جزء من مشروع ري توشكى، تعادل الكمية اللازمة لزراعة 7% من مساحة الأرض المخصصة للمشروع سنويا.

المزيد من البخر = المزيد من سحب المياه من المصادر الطبيعية: مع ندرة الأمطار، يتجه المزارعون لسحب المياه من مصادر المياه المح يطة مثل البحيرات والترع والأنهار. ومع اشتداد الجفاف، لن يتمكن معدل هطول الأمطار من تعويض معدل سحب المياه من المصادر الطبيعية. وبالتالي قد تعاني مصر من نقص كبير في احتياطيات المياه الجوفية، مما قد يشكل عقبة أمام المشروعات الزراعية الكبرى قيد التنفيذ، مثل مشروع مستقبل مصر للإنتاج الزراعي الذي تبلغ مساحته 1.5 مليون فدان، و مشروع استصلاح الدلتا الجديدة بمساحة 2.2 مليون فدان ، و مشروع توشكى الخير.

من المرجح أن يسوء الوضع بمرور الوقت: سيقلل سد النهضة الإثيوبي الكبير من كمية المياه المتدفقة إلى نهر النيل والبحيرات الم صرية بشكل كبير، وسيساهم في زيادة معدلات التبخر في تلك المسطحات المائية، وفق محمود. الكميات الكبيرة من المياه المخزنة خلف السد، تقلل من سرعة تدفق النهر، ما يزيد من معدل التبخر، خاصة عندما يقترن بانخفاض مستويات المياه. "السد الإثويبي سيفاقم تأثير الجفاف في مصر، خاصة وأن الدول القريبة من النيل ستواجه أيضا تراجعا في مستويات الأمطار"، طبقا لما ذكرته سيد.

البحار في مصر معرضة للخطر أيضا: اشتداد ظاهرة النينيو قد يؤدي لتسريع ذوبان الغطاء الجليدي والجروف الجليدية في أنتاركتيكا، ما سيتسبب في ارتفاع مستويات سطح البحر بما يتجاوز التوقعات الحالية. يرتفع مستوى سطح البحرين الأحمر والمتوسط بنحو ثلاثة سنتيمترات سنويا بالفعل، ومن المحتمل أن يشهدا ارتفاعات إضافية خلال سنوات النينيو ، وفق محمود. وتؤثر تلك العوامل أيضا على إنتاجية صيد الأسماك، والتي تنخفض مع ارتفاع درجة حرارة البحر ومن المرجح أن تتفاقم أثناء اشتداد ظاهرة النينيو، حسبما أضاف.

وبالحديث عن السواحل: النينيو ، التي تحدث في المنطقة الشرقية من المحيط الهادئ، هي جزء من حالة التذبذب المناخي الأشمل في المحيط، والمعروفة بظاهرة الإنسو . ويعرف الوجه الآخر من الإنسو باسم ظاهرة النينا، والتي تحدث في المنطقة الغربية، وهي المرحلة التي ت شهد انخفاضا شديدا في درجات الحرارة، وتتميز بزيادة معدلات هطول الأمطار، وفقا لمحمود، مضيفا أن هذه الظواهر تهدد المناطق الساحلية في مصر بسبب كثافة الأمطار. فنظرا لعدم وجود نظام جيد لتجميع مياه الأمطار، يمكن أن تتسبب كثافتها في حدوث فيضانات قد تلحق ضررا كبيرا بالبنية التحتية.

توقع حدوث الدورات وشدتها: ساهم الاحتباس الحراري في زيادة شدة ظاهرة الإنسو واضطراب دوراتها، ما جعلها أقل قابلية للتوقع، حسبما قالت ديانا فرنسيس، عالمة المناخ ورئيسة مختبر العلوم البيئية والجيوفيزيائية في جامعة خليفة بدبي، لإنتربرايز . حدثت الظاهرة هذا العام قبل شهرين مع موعدها المتوقع، إذ بدأت في الصيف بدلا من الخريف، وأججت من ارتفاع درجات الحرارة المرتفعة بالفعل خلال الفصل، طبقا لفرنسيس. وعلى سبيل المثال، فإن شدة العاصفة التي ضربت مصر والمنطقة في مارس 2020، لم يسبق لها مثيل خلال القرنين الماضيين، وفق ما أشارت إليه سيد.

كيف يمكننا مواجهة تلك التقلبات؟ يجب تطوير الممارسات الزراعية لمواكبة التغيرات المستقبلية. يجب الاعتماد على ممارسات مثل إ عطاء الأولوية لزراعة المحاصيل الأقل استهلاكا للمياه، والتحول لأساليب الري الحديث مثل الري بالتنقيط لتوفير استهلاك المياه، وزراعة المحاصيل التي يمكنها التعامل مع ارتفاع ملوحة التربة، وفقا لمحمود. ويمكن أن يكون تركيب الألواح الشمسية العائمة على الترع أحد الأساليب الأخرى لتقليل فاقد المياه وتوليد الطاقة المتجددة.

استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: يمكن استخدام أجهزة الاستشعار عن بُعد، والتي تتنبأ بمستوى أ شعة الشمس ودرجة حرارة الأر ض والرطوبة النسبية وهطول الأمطار، لتقدير استهلاك المياه للمحاصيل المختلفة، للتعرف على أنواع المحاصيل المناسبة لمقدار المياه المتوفرة في مصر، طبقا لمحمود. وأضاف أن زيادة عدد محطات مراقبة المناخ والرصد الجوي في جميع أنحاء البلاد سيساعد أيضا في توقع معدلات الجفاف، مما يسمح بالاستعداد وتنفيذ إجراءات أفضل للتكيف مع التغيرات المناخية.

مصر لديها بعض الاستراتيجيات: هناك بعض المشروعات القومية الجارية، والتي يمكن أن تساعد في تقليل الإجهاد المائي أثناء فترات الجفاف منها إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي عبر مبادرات مثل إنشاء محطة معالجة مياه الصرف الزراعي ببحر البقر، كما تقول سيد. وهناك استراتيجية تحلية المياه، والتي تستهدف إضافة 8.85 مليون متر مكعب من المياه المعالجة يوميا بحلول منتصف القرن الحالي. تملك مصر 1500 محطة لتجميع مياه الأمطار والفيضانات، وهي واحدة من أعلى المعدلات في المنطقة، حسبما أضافت. وهناك تدابير لحماية السواحل مثل الحواجز الرملية والخرسانية، يجري تنفيذها بدعم من صندوق المناخ الأخضر و برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وأنشأت وزارة الموارد المائية والري في التسعينات مركز التنبؤ بفيضان النيل، الذي يتتبع تغير المناخ ويأخذ في الاعتبار نماذج التنبؤ بدورات الجفاف والفيضانات في المائة عام المقبلة.

فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • أكوا باور تحصل على قطعة أرض لمشروع طاقة الرياح الضخم في سوهاج: وقعت شركة الطاقة المتجددة السعودية أكوا باور أمس اتفاقية مع وزارة الكهرباء لتخصيص أرض لإنشاء مزرعة رياح بقدرة 10 جيجاوات على مساحة 3 آلاف كيلومتر مربع في محافظة سوهاج التي قد تصبح مركزا جديدا لطاقة الرياح.
  • استثمارات الطاقة المتجددة في ارتفاع: جاءت مصر كثاني أكبر متلقي في أفريقيا للاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة في الفترة من 2015 إلى 2022، بعد جنوب أفريقيا. ومثلت مصر إلى جانب جنوب أفريقيا وكينيا ونيجيريا وزامبيا 44% من مشاريع الطاقة المتجددة في القارة.