لا تزال جودة الهواء في مصر ضمن الأسوأ في العالم، غير أنها تُظهِر تحسنا طفيفا، فقد احتلت البلاد المركز الـ 12 عالميا في قائمة أكثر الدول تلوثا في عام 2024، وفقا لتقرير جودة الهواء العالمي (بي دي إف) لعام 2024 الصادر عن شركة “آي كيو إير” السويسرية المتخصصة في مراقبة جودة الهواء. وسجلت البلاد 56 نقطة على متوسط مؤشر جودة الهواء (AQI) وبلغ متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة (PM2.5) لديها 39.77 ميكروجرام لكل متر مكعب (µg/m³)، وهو ما يقرب من ثمانية أضعاف الحد الآمن الذي توصي به منظمة الصحة العالمية البالغ 5 ميكروجرام لكل متر مكعب.
ويمثل هذا تحسنا مقارنة بعام 2023، حين جاءت مصر في المركز التاسع وسجل متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة 42.4، وهو ما يعكس تقدما أوليا نحو مستهدف “رؤية مصر 2030” المتمثل في خفض مستويات الجسيمات الدقيقة إلى النصف بحلول نهاية العقد.
المنهجية: يبحث تقرير “آي كيو إير” في عدد المدن حول العالم التي استوفت معايير منظمة الصحة العالمية لجودة الهواء في سنة معينة من خلال فحص المتوسط السنوي لتركيزات الجسيمات الدقيقة والخطرة التي يُرمز إليها بـ (PM2.5)، وهي واحدة من ستة ملوثات ترصدها وتنظمها الهيئات البيئية نظرا لتأثيراتها الكبيرة على صحة الإنسان والبيئة. وتوصي منظمة الصحة العالمية بألا تتجاوز القراءات السنوية المتوسطة للجسيمات الدقيقة 5 ميكروجرام لكل متر مكعب (µg/m³).
ما أهمية ذلك؟ لا يمثل سوء جودة الهواء قضية صحية فحسب، بل هو قضية اقتصادية أيضا. ويقدر البنك الدولي أن تكلفة تلوث الهواء في منطقة القاهرة الكبرى وحدها تعادل نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وينتج هذا بشكل أساسي عن خسائر الإنتاجية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب.
ما الذي يقف وراء التلوث في مصر؟ تعزو ” آي كيو إير ” التلوث المشهود في مصر إلى مزيج من الانبعاثات الصادرة عن المركبات والمصانع، والحرق المكشوف للنفايات والمخلفات الزراعية، والعواصف الترابية الطبيعية، ومحدودية هطول الأمطار التي من شأنها أن تساعد في تنقية الهواء.
ما الذي أدى إلى هذا التحسن؟ يُعزى هذا التحسن المشهود في تصنيف مصر إلى مزيج من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، التي تتراوح بين التوسع في الرصد والتطبيق الصارم للاشتراطات البيئية، وتدابير السيطرة على المخلفات، وتطوير الالتزام الصناعي بالمعايير البيئية، حسبما صرح به مصدر حكومي بارز بوزارة البيئة لإنتربرايز. وأضاف المصدر أن الدولة كثفت جهودها لوقف ممارسات مثل حرق قش الأرز ووسعت المنظومة القومية لإدارة المخلفات لمنع الحرق غير الرسمي، الذي يسهم بشكل كبير في التلوث الموسمي.
حصلنا على المساعدة على طول الطريق: أوشكت وزارة البيئة، بالتعاون مع البنك الدولي، على الانتهاء من مشروع ” إدارة تلوث الهواءوالتغير المناخي في القاهرة الكبري ” البالغ تمويله 200 مليون دولار ويمتد لست سنوات، الذي يستمر حتى ديسمبر من العام المقبل.
اضطرت الشركات التي لم تتمكن من الالتزام بمعايير التصنيع المتوافقة مع الأهداف البيئية لإغلاق أبوابها، وفق المصدر، الذي أضاف أن بعض المصانع المعروفة بزيادة نسب تلوث الهواء طبقت الاشتراطات الجديدة مما أتاح لها تطوير عناصر الإنتاج.
التوسع في الرصد: “أصبح لدينا حاليا نحو 500 نقطة رصد بيئى مقابل 120 في السنوات السابقة مع التعامل الفورى مع الملوثات”، حسبما قال المصدر. ووفقا للدراسة التي أعدتها وزارة البيئة لرصد الإنجاز الذي تحقق في هذا الملف قبل المشاركة في مؤتمر المناخ “كوب 30″، ساعدت هذه التدخلات على تجنب 334 ألف طن من الانبعاثات الكربونية العام الماضي. وتفيد الوزارة بأن التلوث بالجسيمات الصلبة في القاهرة الكبرى والدلتا انخفض من 157 ميكروجرام للمتر المكعب إلي نحو 108 ميكروجرامات في الوقت الحالي، مع استهداف الوصول بهذه النسبة إلى أقل من 60 ميكروجرام للمتر المكعب عام 2030.
كذلك اضطلعت زيادة معدلات التشجير في القاهرة بدور مهم في استقرار جودة الهواء برغم زيادة عدد تراخيص السيارات والمنشآت الصناعية. فمن خلال برنامج زراعة 100 مليون شجرة، زُرعت 1.5 مليون شجرة حاليا، مما يساعد في تعويض الانبعاثات المتزايدة.
التحول نحو النقل الأخضر يساعد أيضا: يعد مشروع إحلال الحافلات الكهربائية محل نظيراتها التي تسير بالوقود في القاهرة أحد أكثر المبادرات تأثيرا، وقد أسهم في دعم جهود الدولة للتوازن البيئي وخفض الانبعاثات، حسبما قال المصدر. وأضاف أن البرنامج الممول من البنك الدولى الذي يستهدف التعاقد على 100 أتوبيس كهربائي وتسييرها في القاهرة، من شأنه أن يخفض الانبعاثات بنحو 23%، جنبا إلى جنب مع التوسع في هذا المشروع ضمن جهود الدولة لزيادة النقل النظيف.
أين نقف من حيث التمويل؟ حصلت مصر على نحو 4 إلى 5 مليارات دولار من التمويلات الدولية الموجهة لمجال البيئة بهدف دعم مبادرات تحسين جودة الهواء وأنظمة إدارة المخلفات وتخفيف التلوث عبر القطاعات التنموية. ومع ذلك، لا تكفي هذه التمويلات، وفقا لأحد مصادر إنتربرايز. فقد لفت تقرير سابق لإنتربرايز إلى أن التمويلات الدولية لملف المناخ والبيئة في العالم لا تزال أقل من المستويات المرجوة.
هل نقيس جودة الهواء بشكل صحيح؟ شكك بعض الخبراء في موثوقية بيانات “آي كيو إير” نظرا لاعتمادها بشكل كبير على أجهزة استشعار خاصة قد تختلف عن المنهجيات الوطنية. ويؤكد المسؤولون الحكوميون أن نظام الرصد الرسمي المصري، الذي توسع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، يتبع معاييره الخاصة. وغالبا ما يسهم غياب منهجية عالمية موحدة لقياس جودة الهواء في حدوث تباينات بين البيانات الرسمية وتصنيفات الجهات الخارجية.
كيف تبدو المقارنة الإقليمية؟ تواصل مصر تصنيفها ضمن أكثر الدول تلوثا في المنطقة، ولكن تسجل العديد من الدول الأخرى في الشرق الأوسط أيضا قراءات مرتفعة. احتلت السعودية المركز 31 على مؤشر “آي كيو إير”، بينما جاءت البحرين في المركز 18، والإمارات في المركز 17، والعراق في المركز 13.
ماذا بعد؟ تعتمد آفاق جودة الهواء في مصر على ما إذا كانت المكاسب التي تحققت في العام الماضي ستصبح هيكلية. وسيتطلب التقدم المستمر تطبيقا أقوى للمعايير الصناعية، وزيادة اعتماد أنواع الوقود النظيف، والمزيد من الحوافز للسيارات الكهربائية، واستثمارا أعمق في البنية التحتية للرصد، وشفافية أكبر في البيانات البيئية. ومن شأن التوسع في كهربة النقل العام، وتسريع وتيرة التشجير، وتحسين رصد التلوث أن يحقق تقدما مستمرا. ولكن، بدون تمويل مستدام وتطبيق متسق، تخاطر مصر بتسجيل انخفاضات مؤقتة في مستويات التلوث بدلا من تحقيق تحسن تحويلي طويل الأجل.