ثلاث سنوات مرت على آخر دراسة أجرتها إنتربرايز لإمكانات الطاقة الحرارية الجوفية في مصر، فأين وصلنا حاليا؟ تشير الجهود المبذولة منذ ذلك الحين إلى وجود اهتمام بالاستفادة من الحرارة الموجودة تحت أقدامنا، حتى مع استمرار التحديات التي تحول دون استغلال تلك الطاقة، من محدودية الموارد إلى العقبات التنظيمية.
على الرغم من عدم إطلاق أي مشاريع فعلية شاملة، إلا أن مصر وضعت الأساس لتطوير الطاقة الحرارية الجوفية من خلال بناء القدرات. ومن بين الجهود الرئيسية مشروع بناء قدرات الطاقة الحرارية الجوفية في مصر الذي جرى إطلاقه في أواخر عام 2020 بدعم من الاتحاد الأوروبي. وكان المشروع يهدف إلى تقديم أول دبلوم دراسات عليا في هندسة الطاقة الحرارية الجوفية بمصر ومحطة تجريبية تعليمية بحلول عام 2024. واختتمت جلسة النقاش النهائية للمشروع في يوليو 2024، ولكن لم يعلن عن أي شيء منذ ذلك الحين.
عزز المسؤولون أيضا جهودهم لتقييم أفضل مواقع الطاقة الحرارية الجوفية في البلاد. في فبراير 2024، وقعت شركة جنوب الوادي القابضة للبترول مذكرة تفاهم مع شركة شلمبرجير لتحديد المواقع الرئيسية وإجراء دراسات جدوى لتوليد الطاقة الحرارية الجوفية. وتمثل تلك أول دراسة حكومية مهمة حول إمكانات الطاقة الحرارية الجوفية منذ مذكرة التفاهم الأولية في عام 2016.
تذكر: قد لا تمتلك مصر وفرة من المكامن الحرارية الأرضية ذات درجات الحرارة العالية. تشير الأبحاث إلى أن "غالبية موارد الطاقة الحرارية الجوفية في مصر يمكن تصنيفها على أنها "إمكانات متوسطة إلى منخفضة الحرارة"، وهي غير كافية لتوليد الطاقة على نطاق واسع. إن أفضل الإمكانات موجودة في المناطق التكتونية شرق البلاد، مثل الشاطئ الغربي للبحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة، وقد توجد أيضا في بعض مناطق الدلتا والصحراء الغربية، وفق ما قاله رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية محمد عبد الظاهر.
تمثل هذه المبادرات خطوات ملموسة — وإن كانت متواضعة — إلى الأمام. ومع ذلك، لم تنفذ أي عمليات حفر حتى الآن، وليس هناك أي محطة تجريبية قيد الإعداد، حسبما أفاد مصدر مطلع لإنتربرايز.
ولكن لماذا لم تحرز الطاقة الحرارية الجوفية تقدما ملحوظا في مصر؟ تجاوزت خطط وسياسات الطاقة المتجددة في مصر إلى حد كبير الطاقة الحرارية الجوفية حتى الآن. وأوضح عبد الظاهر أن الاستثمار في الطاقة الحرارية الجوفية يتطلب بعض التشجيع والمساعدة، في شكل تشريعات ولوائح تمنح التسهيلات والحوافز للمستثمرين في مجال الطاقة الحرارية الجوفية. إلا أنه لا توجد حوافز مخصصة أو برامج تعريفة تغذية أو مناقصات أو تخصيص أراض لزيادة الجدوى المالية لمشاريع الطاقة الحرارية الجوفية، ولا يوجد إطار واضح للترخيص والتطوير. وعلى النقيض من التعريفات المطبقة على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مدى العقد الماضي، حتى إذا تأكد وجود موقع للطاقة الحرارية الجوفية قابل للتطبيق، فلن يكون لدى المستثمر مشتر مضمون أو سعر مضمون للكهرباء.
عن تعريفة التغذية: هي آلية مصممة لجذب الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة من خلال ضمان سعر ثابت للمنتجين مقابل الكهرباء التي يغذون بها الشبكة، والذي غالبا ما يكون أعلى من سعر السوق ولعقود طويلة. وتساعد هذه الآلية على ضمان استقرار الأسعار وعوائد يمكن التنبؤ بها للمستثمرين. ومن خلال تحديد سعر شراء واضح للطاقة النظيفة، تساعد التعريفات بعد ذلك في تعويض التكاليف الأولية المرتفعة وإزالة المخاطر عن المشاريع، مما يجعل مصادر الطاقة المتجددة أكثر جاذبية للجهات الفاعلة في القطاع الخاص.
تميل الطاقة الحرارية الجوفية إلى أن تكون مرتفعة التكلفة، والتي من المحتمل أن تتجاوز أسعار الكهرباء الحالية في مصر. وبالتالي فإن قضايا التسعير مهمة - إذ ستكون هناك حاجة إلى تعريفة تعكس التكلفة الحقيقية للطاقة الحرارية الجوفية لتشجيع المطورين، حسبما قال عبد الظاهر لإنتربرايز. وعلى سبيل المثال، عرضت الحكومة التركية 0.105 دولار لكل كيلووات ساعة كسعر شراء للطاقة الحرارية الجوفية لبدء تشغيل القطاع. وبالمثل، حددت كينيا تعريفة تغذية تبلغ نحو 0.085 دولار لكل كيلووات ساعة للطاقة الحرارية الجوفية مع اتفاقيات شراء الطاقة لمدة 20 عاما. وإلى أن تنشئ مصر إطارا تنظيميا داعما مع تسعير مواتٍ وتقاسم المخاطر، ستعاني الطاقة الحرارية الجوفية كي تجذب التمويل.
قد نحتاج إلى كشف واعد لإثبات صحة المفهوم، لنظهر للمستثمرين قصة نجاح واحدة على الأقل محليا. حتى أن محطة طاقة صغيرة تعمل بكامل طاقتها وتغذي الشبكة ستكون معلما بارزا يثبت أن الطاقة الحرارية الأرضية يمكن أن تنجح هنا.
في البلدان التي نجحت في استخدام الطاقة الحرارية الجوفية، غالبا ما تحملت الحكومات المخاطر المبكرة. وبدون هذا الدعم المبكر، ظلت الطاقة الحرارية الجوفية غير مستغلة، ليس بسبب نقص الإمكانات، ولكن لأن أحدا لم يكن مستعدا للمخاطرة المالية في المجهول.
في منطقتنا، كانت الطفرة السريعة للطاقة الحرارية الجوفية في تركيا مدفوعة بالدعم السياسي الذي خفف من المخاطر، مما دفع البلاد إلى أن تصبح رابع أكبر منتج للطاقة الحرارية الأرضية في العالم. وقد قدمت الحكومة واحدة من أعلى تعريفات التغذية في العالم — 0.105 دولار لكل كيلووات ساعة — مما يضمن عوائد ممتازة جذبت المستثمرين. وحتى بعد انتهاء صلاحية التعريفة في عام 2020، حافظت تركيا على خطة دعم منخفضة السعر. ولمعالجة المخاطر العالية للتنقيب، أجرت المديرية العامةللبحوثوالتنقيب عن المعادن عمليات حفر في مرحلة مبكرة، لتأكيد الموارد القابلة للتطبيق قبل طرح الحقول في المزاد. وقد قلل هذا من حالة عدم اليقين وشجع المطورين على التركيز على الإنتاج بدلا من الحفر المكلف.
إلى جانب السياسات، استفادت تركيا من أدوات التمويل لخفض عوائق الاستثمار. استثمر البنك الدولي 550 مليوندولار، وأنشأ آلية لتقاسم المخاطر لتغطية جزء من تكاليف الآبار الفاشلة. وقد منح هذا النموذج المستثمرين الثقة للتوسع في التنقيب. كما نشرت تركيا أيضا محطات توليد الطاقة ثنائية الدورة لتسخير الموارد ذات الحرارة المعتدلة — وهو ما أشار إليه عبد الظاهر باعتباره أمرا واعدا بالنسبة للحالة المصرية — في حين ساعدت الحوافز المقدمة للتصنيع المحلي في بناء صناعة محلية للطاقة الحرارية الأرضية.
على مستوى القارة الأفريقية، تأتي كينيا في الصدارة في مجال تطوير الطاقة الحرارية الجوفية، مستفيدة من موقعها على طول صدع شرق أفريقيا، بقدرة 900 ميجاوات - 1 جيجاوات، والتي توفر نحو 40% من مزيج الكهرباء. وكان دور الحكومة رئيسيا، إذ تولت المراحل الأكثر مخاطرة مخاطرة من التطوير، من خلال إنشاء شركة تطوير الطاقة الحرارية الجوفية في عام 2008 لتولي عمليات التنقيب والحفر عالية المخاطر، وكذلك تحمل التكاليف الأولية التي يتجنبها عادة المطورون من القطاع الخاص. وكانت شركة توليد الطاقة الرئيسية في كينيا (كين جين) تستثمر في مجال الطاقة الحرارية الجوفية منذ الثمانينيات، مع أول محطة أفريقية في أولكاريا. وتمثلت إحدى الخطوات السياسية الحاسمة في إدخال تعريفة التغذية في عام 2010، مما يضمن للمطورين سعر 0.085 دولار لكل كيلووات ساعة. كما دفعت الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى مزيد من التوسع — مع مشروع مينينجاي للطاقة الحرارية الجوفية، الذي اعتمد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإمداد البخار.
فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:
- تعتزم مصر تخصيص 99.9 مليار جنيه لمشروعات الطاقة المتجددة في العام المالي المقبل، بحسب ما ذكرته وزيرة التخطيط رانيا المشاط. وستتوزع هذه الأموال على 48 مشروعا مختلفا بأهداف معلنة تتمثل في تحسين فرص الحصول على الكهرباء، وتعزيز القدرات الخضراء للشبكة، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص والاستثمار في هذا القطاع.
- وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر تمويل مناخي بقيمة 1.3 مليار دولار في إطار تسهيل المرونة والاستدامة، وذلك في إطار مراجعته الرابعة لبرنامج قرض مصر البالغ 8 مليارات دولار. وسيجري صرف المبلغ على شرائح وليس دفعة واحدة.
- وقعت شركة سكاتك النرويجية اتفاقية شراء طاقة لمدة 25 عاما مع شركة مصر للألومنيوم لصالح مشروعها لإنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 1.1 جيجاوات، ونظام تخزين الطاقة باستخدام البطاريات بقدرة 200 ميجاوات في الساعة في نجع حمادي، بتكلفة استثمارية 650 مليون دولار. وتأمل عملاق الطاقة المتجددة في وضع حجر الأساس للمشروع والوصول إلى الإغلاق المالي خلال الـ 12 شهرا المقبلة.