قطاع النفط في مصر يتأهب لمستقبل منخفض الكربون: قبل عامين، كشفت وزارة البترول عن استراتيجية تهدف إلى خفض الانبعاثات الكربونية وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي. وتعد هذه الاستراتيجية بمثابة ركيزة لبعض الأهداف الطموحة - إذ كان قطاع البترول في البلاد يتطلع إلى خفض انبعاثات الكربون بنسبة 17% بحلول عام 2023.
لكن، ما أهمية ذلك؟ تساهم عمليات النفط والغاز بنحو 15% من الانبعاثات العالمية المتعلقة بالطاقة والتي تعادل 5.1 مليار طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفقا للوكالة الدولية للطاقة.
ترتكز خطة الوزارة لخفض الكربون على 6 محاور رئيسية: إصلاح دعم الطاقة، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي، وتعزيز كفاءة الطاقة، وخفض انبعاثات الكربون، ودمج الطاقة المتجددة في المواقع البترولية، وتطوير الوقود الحيوي وزيادة استخدام الهيدروجين كمصدر للطاقة.
تعزيز كفاءة الطاقة يعد أمرا أساسيا لتحقيق هذه الأهداف، إذ يوفر عوائد اقتصادية ويقلل الانبعاثات الكربونية بدرجة كبيرة. وقد نفذت الوزارة نحو 340 مشروعا يهدف إلى تحسين كفاءة استخدام الطاقة، مما أدى إلى تحقيق وفورات سنوية بقيمة 135.5 مليون دولار وخفض 1.2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويا. كما تشمل هذه الجهود إجراء مراجعات تفصيلية للطاقة في خمس شركات رئيسية وتدريب نحو 250 مهندسا.
مراكز كفاءة الطاقة تقود هذه المبادرات: استكمالا لهذه الجهود، تعمل وزارة البترول على إنشاء مركز لكفاءة الطاقة في الإسكندرية، إضافة إلى المركز الموجود بالفعل في القاهرة والذي يتولى وضع سياسات ترشيد استهلاك الطاقة والإشراف عليها. وإلى جانب تحسين استخدام الطاقة، تعمل هذه المراكز على تدريب الموظفين والمساهمة في التنمية المستدامة وخفض الانبعاثات. كما تخطط الحكومة لإنشاء إدارة خاصة بكفاءة الطاقة في كل شركة بترول محلية لتعزيز هذه المهمة.
من الحلول المساعدة أيضا، التقاط الكربون وتخزينه والذي يعد حلا واعدا آخر لخفض الانبعاثات في صناعة النفط والغاز، نظرا لأنه يمكن الجهات الفاعلة في الصناعة من تقليل بصمتها الكربونية مع زيادة الإنتاج. وتعمل شركة شل مصر، بالتعاون مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس)، على تنفيذ إطار عمل لإدارة الانبعاثات وتقليلها. ولكن تبقى تبقى الجدوى الاقتصادية عثرة في طريق تطبيق مثل هذه الحلول، حسبما قال وزير البترول السابق طارق الملا.
استخدامات ثاني أكسيد الكربون المحتجز: تعمل وزارة البترول مع البنك الدولي على تطوير نماذج اقتصادية مستدامة لمشاريع احتجاز ثاني أكسيد الكربون وتخزينه، والذي من الممكن استخدامه في تعزيز استخلاص النفط من خلال عمليات حقن ثاني أكسيد الكربون، وإنتاج وقود صناعي أو مواد كيميائية مختلفة.
لكن، يمثل التمويل عقبة رئيسية أمام إزالة الكربون، إذ يتطلب نشر تقنيات خفض الكربون واحتجازه استثمارات كبيرة. كما توجد حاجة إلى وضع سياسات ولوائح تضمن سلامة التخزين على المدى الطويل، وخفض التكاليف الاقتصادية، وتوفير البنية التحتية ومواقع المشاريع المناسبة.
خطوات في الاتجاه الصحيح: في الشهر الماضي، وقع عدد من شركات البترول والغاز الطبيعي المملوكة للدولة وشركات الطاقة العالمية حزمة من مذكرات التفاهم لتعزيز التعاون في مجالات مثل سلامة العمليات التشغيلية وكفاءة الطاقة والتقاط ونقل وتخزين الكربون.
التفاصيل: وقعت شركتا إيجاس وجاسكو اتفاقيتين مع شركة الطاقة اليونانية ديسفا (مشغل منظومة الغاز)، وتهدف الاتفاقية الموقعة مع إيجاس إلى دراسة تكنولوجيات التقاط الكربون وتخزينه، فيما تهدف الاتفاقية الموقعة مع جاسكو إلى تعزيز التعاون في مجال نقل الغاز الطبيعي والهيدروجين والتقاط ونقل الكربون والطاقة المستدامة. كما وقعت جاسكو اتفاقية تعاون مع شركة بيكرريسك الأمريكية لإدارة المخاطر، بهدف تعزيز التعاون بين الجانبين في مجالات سلامة العمليات وكفاءة الطاقة وإزالة الكربون. ووقعت الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة شل العالمية مذكرة تفاهم أخرى لتدريب وتطوير القيادات في مجالات الصحة والسلامة والبيئة في الشركات التابعة للهيئة.
كما توجد العديد من قصص النجاح بالفعل: سلطت المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية التي تقودها الدولة الضوء على الإنجازات الرئيسية في قطاع البترول، إذ كرمت شركة الإسكندرية الوطنية للتكرير والبتروكيماويات لمشروعها لاستخدام الهيدروجين في تشغيل الغلايات وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي. كما كرمت أيضا شركة أسيوط لتكرير البترول عن مشروعها الصديق للبيئة الذي يستخدم المياه الصناعية المعالجة لزراعة أشجار الجوجوبا التي تقلل من انبعاثات الكربون. تبنت الشركة المصرية للتكرير، التابعة لمجموعة القلعة القابضة، عدة مبادرات لخفض استهلاك الطاقة مكنتها من خفض الانبعاثات الكربونية بأكثر من 110 آلاف طن ثاني أكسيد كربون مكافئ سنويا، وفقا لما قاله ممثل عن الشركة لإنتربرايز، مضيفا أن المصرية للتكرير تعمل أيضا على تعزيز استرجاع غازات الشعلة لاستخدامها في عمليات التشغيل، بما يحد من الانبعاثات المباشرة.
الغاز الطبيعي المسال كوقود انتقالي: يأتي الغاز الطبيعي المسال كبديل عملي منخفض الانبعاثات بين أنواع الوقود الأحفوري، ولتلبية الطلب العالمي، هناك حاجة للاستفادة من جميع مصادر الطاقة، لذا فإن تنفيذ مشروعات للمساعدة في تعزيز إنتاج الغاز الطبيعي المسال بالتوازي مع الاستثمار في البدائل الخضراء سيساعد البلاد على التحول المتوازن والمستدام نحو التخلص من الكربون، حسبما ذكرت الجابري لإنتربرايز.
كما واصلت مصر الارتقاء على مؤشر تحول الطاقة، الذي يقيس "أداء نظام الطاقة الحالي في 120 دولة ومدى جاهزية بيئتها التمكينية"، حيث جاءت البلاد في المرتبة 75 على المؤشر لهذا العام، بعد أن كانت في المرتبة 79 في العام الماضي. "التزام الدولة بتعزيز تنوع مزيج الطاقة لديها، وزيادة مساهمة الطاقة المتجددة والنهوض بتطوير البنية التحتية قد خفف من هذه المخاطر بشكل فعال خلال العام الماضي"، حسبما ورد في التقرير.
لكن، نحن بحاجة إلى العمل على ثلاثة عوامل رئيسية للتحول في مجال الطاقة بشكل عاجل؛ بما في ذلك إصلاح نظام الطاقة الحالي للحد من انبعاثاته، ونشر حلول الطاقة النظيفة على نطاق واسع، وخفض كثافة الطاقة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لما قاله رئيس مركز الطاقة والمواد في المنتدى الاقتصادي العالمي روبرتو بوكا.
للتكنولوجيا دور بارز في إزالة الكربون: يجري دمج الأدوات والحلول الرقمية بشكل متزايد من قبل شركات النفط والغاز في مجال رصد الانبعاثات، فشركة شل مصر على سبيل المثال تستخدم تكنولوجيا متقدمة للمساعدة في خفض وإدارة الانبعاثات في عملياتها، بحسب الجابري.
طريق شل إلى صافي انبعاثات صفرية: شل مصر تستهدف تحقيق صافي انبعاثات صفري لغاز الميثان بحلول عام 2030، حسبما أفادت الجابري، مشيرة إلى جهود الشركة لمواءمة أهدافها العالمية مع عملياتها في السوق المصرية، بما يضمن نقل أفضل الممارسات العالمية للبلاد.
كما تخطو الهيئة المصرية العامة للبترول خطوات واسعة في هذا المجال، فقد تعاونت مع شركة شنايدر إليكتريك وشركة هواوي الصينية لتوفير حلول طاقة متكاملة مصممة خصيصا لقطاع البترول في مصر - مما يساعد على إنشاء مراكز بيانات رقمية في المنشآت البترولية وتعزيز مسار التحول الرقمي في القطاع، بما في ذلك إنشاء مركز القيادة الاستراتيجي لقطاع البترول لدى الوزارة.