تبذل الحكومة جهودا حثيثة للاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية عبر استخدامها في صناعة الوقود الحيوي والأعلاف والأسمدة، وغيرها. هذه الجهود ليست مجدية اقتصاديا فحسب، بل بيئيا أيضا.
بالأرقام- يتراوح حجم المخلفات الزراعية والحيوانية في مصر بين 40-45 مليون طن سنويا، وفق بيانات صادرة عن وزارة الزراعة، لكن مصادر بغرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية تقدرها بأكثر من 65 مليون طن بعد إضافة المخلفات الناتجة عن قطاع التصنيع الغذائي.
كمية المخلفات التي تنتجها البلاد هائلة، وكذا طرق إعادة تدويرها، إذ يعد الروث الحيواني وأوراق قصب السكر وقش الأرز من المواد الرئيسية المرشحة لإنتاج الأسمدة العضوية، فيما تستخدم نفايات مزارع الدواجن، وتفل قصب السكر، وبراعم الذرة لإنتاج الغاز الحيوي، وتستخدم سيقان نبات الذرة ونخالة الأرز ومسحوق العظام في صناعة الأعلاف الحيوانية. وتدخل أيضا العديد من المخلفات والمتبقيات الأخرى كمنتجات ثانوية تستخدم في صناعة الكرتون والورق ومواد البناء، وحتى بدائل الأخشاب الطبيعية مثل خشب الـ "إم دي إف".
وتُعنى وزارتا الزراعة والبيئة بهذه القضية بناء على تكليفات رئاسية بالاستفادة من ملايين الأطنان من النفايات الزراعية والحيوانية التي ترمى أو تحرق سنويا، وفق بيان صادر عن وزارة الزراعة. ولطالما وضعت الحكومة تحسين استخدام هذه الأنواع من المخلفات ضمن أولوياتها، بعد إصدار الاستراتيجية الوطنية للمتبقيات الزراعية عام 2019، وقانون تنظيم إدارة المخلفات لعام 2020، بالإضافة إلى الجهود الأخيرة لإصدار تعريفة لشراء الطاقة المنتجة من محطات تحويل النفايات إلى طاقة، ومبادرات توعوية عديدة لمكافحة حرق المخلفات الزراعية.
استخدام المخلفات في إنتاج الوقود الحيوي آخذ في الازدياد بالفعل، إذ كشف مصدر في وزارة البيئة في حديثه مع إنتربرايز أن حجم الوقود الحيوي المنتج من المخلفات الزراعية ارتفع بنسبة 64% على أساس سنوي بنهاية العام الماضي ليصل إلى 1.5 مليون طن. هذا الوقود في الأغلب تستخدمه مصانع الأسمنت كبديل للفحم بهدف تنمية عوامل الاستدامة وحماية البيئة بالدرجة الأولى، حسبما أضاف المصدر.
يأتي التوجه نحو استخدام المخلفات الزراعية في صناعة الأعلاف ضمن جهود الدولة لخفض فاتورة الواردات. وذكرت دائرة الخدمات الزراعية الخارجية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية في تقريرها لعام 2023 (بي دي إف) أن 35% فقط من الأعلاف في البلاد ينتج محليا. ومع حالة عدم اليقين بشأن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، يسهم اعتماد مصر على الأعلاف المستوردة في ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن في السوق المحلية، وهو ما يمثل مشكلة للمستهلكين، ومشكلة أكثر خطورة لمربي الماشية والدواجن.
القطاع الخاص يبدي اهتماما متزايدا بقطاع إعادة تدوير المخلفات الزراعية، حيث تتجاوز الاستثمارات الخاصة في القطاع حاليا 6 مليارات جنيه، ويعمل به أكثر من 20 مصنعا، وفقا لما ذكره مصدر في وزارة البيئة لإنتربرايز، مضيفا أن جهات أجنبية دخلت مؤخرا هذا المجال. الاستثمارات مرشحة للنمو بنحو أربعة أضعاف في المتوسط خلال السنوات الثلاث المقبلة، بحسب المصدر.
إقامة منظومة متكاملة هي السبيل الأمثل لدعم الاستثمارات الجديدة والصناعة بأكملها، وفق ما قاله مصدر في الشركة المصرية لتدوير المخلفات الصلبه (إيكارو) لإنتربرايز. ومن بين هذه الحوافز تقديم المساعدة في إنشاء منظومة لتجميع المخلفات الزراعية في كل محافظة بالقرب من التجمعات الزراعية، ما ييسر على الشركات الحصول على المخلفات من دون تكاليف أعلى، بالإضافة إلى توفير التمويلات اللازمة لتغطية شراء المخلفات ودفع أجور العمالة المسؤولة عن التجميع، بالإضافة إلى معدات التصنيع التي تقترب تكلفتها من 15 مليون جنيه للآلة الواحدة.
على الرغم من بعض التقدم المحرز، فإن ما يعاد تدويره يتراوح بين 31-35% فقط من إجمالي المخلفات الزراعية والحيوانية سنويا في البلاد، بما لا يتجاوز 14 مليون طن، بينما لا يزال نحو ثلثي المتبقيات السنوية متروكا يؤثر على البيئة بصورة واضحة، مع أنه قد يدر عائدا اقتصاديا قويا، وفق تصريحات أستاذ الاقتصاد الزراعي بالمركز القومي للبحوث يحيى متولي خليل لإنتربرايز.
قد يكون التركيز على الأسمدة العضوية والأعلاف الحيوانية جزءا من المشكلة، إذ أنهما يمثلان معا غالبية المخلفات الحيوانية والزراعية المعاد تدويرها. مع التركيز على هذين القطاعين، قد لا تحظى طرق إعادة التدوير البديلة الأخرى بالاهتمام الذي تستحقه من المستثمرين والشركات التي تسعى إلى إيجاد مصادر دخل إضافية، وفق المصادر.
المخلفات غير المُعاد تدويرها لا تعني فقدان مصادر دخل إضافية فحسب، بل قد تسبب أيضا خسائر مالية — لا سيما في قطاع الزراعة — نتيجة حرقها ما يتسبب في انبعاث غازات سامة في الهواء بما يؤثر سلبا على البيئة ويقلل النشاط الميكروبي في التربة، وفق ما قاله أستاذ الاقتصاد الزراعى بجامعة القاهرة جمال صيام لإنتربرايز. وأضاف صيام أن "تخزين النفايات على رأس الحقول أو إلقاءها على الطرقات يشكل بيئة مناسبة لتكاثر ونمو الآفات ومسببات الأمراض التي ستهاجم المحاصيل الجديدة، لذلك فإن استخدام المخلفات الزراعية بأى طريقة أخرى صديقة للبيئة أمر بالغ الأهمية".