أخيرا.. استراتيجية مصر الوطنية للهيدروجين الأخضر تخرج للنور: بعد سنوات من الترقب، أطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون (بي دي إف) الأسبوع الماضي، والتي ترسم الطريق أمام البلاد نحو تحقيق أهدافها الطموحة المتمثلة في الاستحواذ على نسبة تتراوح بين 5-8% من السوق العالمية للهيدروجين بحلول عام 2040. وتضع الاستراتيجية سيناريوهين ومسارا أمام مصر للاستفادة من سوق التصدير وقدرات الطاقة المتجددة المتوفرة بالبلاد بالفعل.

الوضع الحالي -

أهداف طموحة: لطالما تمسكت الحكومة بطموحات لتحويل مصر إلى مركز لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إذ تتطلع إلى أن تصبح مركزا إقليميا بحلول عام 2026 ومركزا عالميا بحلول عام 2030. وكانت أهداف البلاد من حيث الإنتاج مماثلة لطموحاتها، مع خطط لإنتاج 3.2 مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول نهاية الولاية الثالثة للرئيس عبد الفتاح السيسي، و9.2 مليون طن سنويا بحلول عام 2040. وشهدت هذه الاستراتيجية الأخيرة تعديل الرقم المستهدف والبالغ 9.2 مليون إلى ما دون 6.2 مليون طن بقليل (5.9 مليون طن) سنويا، أو 8% من السوق القابلة للتداول المتوقعة للهيدروجين منخفض الكربون، بحسب التقرير.

لكن، ما هي ميزتنا التنافسية؟ تعتبر خبرة مصر الكبيرة في إنتاج الهيدروجين الرمادي والأخضر والأمونيا نقطة بداية مثالية لبناء اقتصاد مزدهر للهيدروجين منخفض الكربون. وكذلك تتمتع البلاد بسعات كبيرة للطاقة المتجددة، وموقع جغرافي استراتيجي من حيث القرب من أوروبا، وبنية تحتية متطورة للموانئ، والوصول إلى حركة المرور البحرية العالمية من خلال قناة السويس.

التركيز على الهيدروجين الأزرق والأخضر: تركز الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون في البلاد على توسيع نطاق إنتاج الهيدروجين الأزرق، أو الهيدروجين الذي يجري تعويض انبعاثاته عن طريق التقاط الكربون، والهيدروجين الأخضر، الذي ينتج من خلال عملية صفرية الكربون هي التحليل الكهربائي. كلا النوعين من الوقود أنظف من الهيدروجين الرمادي الذي يصاحب إنتاجه انبعاثات كربونية، والذي ينتج بشكل عام من الغاز الطبيعي ويشكل الغالبية العظمى من الهيدروجين المنتج في جميع أنحاء العالم.

أبرم المنتجون بالفعل اتفاقيات توريد: وقعت شركة فيرتيجلوب، الإماراتية المصدرة لليوريا والأمونيا، اتفاقية بيع بقيمة 397 مليون يورو مع شركة إتش تو جلوبال الممولة من الحكومة الألمانية الشهر الماضي لتزويد الاتحاد الأوروبي بالأمونيا الخضراء من منشآتها المصرية بين عامي 2027 و2033، مما يؤمن 10% من احتياجات ألمانيا السنوية من الأمونيا.

السيناريوهات -

السيناريو "المركزي": في هذا المسار الأقل طموحا، ستنتج البلاد 1.5 مليون طن سنويا من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2030، منها 1.4 مليون طن للتصدير، و5.8 مليون طن بحلول عام 2040، تصدر منها 3.75 مليون طن.

بالأرقام: تحقيق هذه المستهدفات يتطلب 19 جيجاوات من الطاقة المتجددة الإضافية بحلول عام 2030 و72 جيجاوات بحلول عام 2040، إضافة إلى 13 جيجاوات من قدرات التحليل الكهربائي بحلول عام 2030 و48 جيجاوات بحلول عام 2040. يقدر التقرير الاستثمارات المطلوبة لإنتاج هذه القدرات من التحليل الكهربائي بـ 10 مليارات دولار بحلول عام 2030 و24 مليار دولار بحلول عام 2040. وحال تمكنت مصر من بلوغ هذه المستهدفات، ستستحوذ على 5% من السوق القابلة للتداول المتوقعة للهيدروجين منخفض الكربون بحلول عام 2040.

السيناريو "الأخضر": في هذا السيناريو الأكثر طموحا، ستنتج البلاد 3.2 مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول عام 2030، مع تخصيص 2.8 مليون طن منها للتصدير، ثم يرتفع الإنتاج إلى 9.2 مليون طن بحلول عام 2040، تصدر 5.6 مليون طن منها للأسواق الخارجية.

بالأرقام: يتطلب تحقيق هذه الأهداف 41 جيجاوات إضافية من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 و114 جيجاوات بحلول عام 2040، بالإضافة إلى 27 جيجاوات من قدرات التحليل الكهربائي بحلول عام 2030 و76 جيجاوات بحلول عام 2040. وتبلغ التقديرات الاستثمارية اللازمة لقدرات التحليل الكهربائي المطلوبة 22 مليار دولار بحلول عام 2030 و34 مليار دولار في عام 2040. حال تمكنت مصر من بلوغ هذه الأهداف، ستستحوذ على 8% من السوق القابلة للتداول المتوقعة للهيدروجين منخفض الكربون بحلول عام 2040.

لكل سيناريو نتيجة مختلفة بالنسبة لخفض الانبعاثات في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة: ستساهم تدابير السياسات أيضا في تسريع التحول عن الغاز الطبيعي في كل من السيناريوهين، إذ ستنتقل المصافي وإنتاج الأمونيا والميثانول بالكامل إلى الهيدروجين الأخضر، وستعتمد معظم مصانع الصلب على عمليات الاختزال المباشر للحديد (DRI) القائمة على الهيدروجين في السيناريو الأخضر. أما في السيناريو المركزي، سيحل الهيدروجين الأخضر محل الهيدروجين الرمادي تدريجيا في الصناعة مع زيادة تنافسية أسعاره، إذ من المتوقع مزج الهيدروجين في الشبكة القومية للغاز لتزويد المناطق الداخلية وكذلك قطاع النقل الثقيل.

المسار -

تقترح الاستراتيجية خطة مكونة من ثلاث مراحل لتطوير اقتصاد الهيدروجين في البلاد. ستشهد المرحلة التجريبية التي ستستمر حتى عام 2030 تقديم الحكومة دعم للمشروعات الأولية وإنشاء هيكل حوكمة مناسب. يلي ذلك تنفيذ مرحلة توسعية بين عامي 2030 و2040 تركز على خفض تكلفة الإنتاج والاتجاه صوب زيادة قدرات الإنتاج بالجيجاوات. ستحافظ مرحلة التنفيذ النهائية على مكانة مصر في السوق والاستفادة من الهيدروجين محليا لدعم إزالة الكربون بدءا من أربعينيات القرن الحالي.

مشكلات إضافية تحتاج حلولا: يتطلب إنتاج الهيدروجين الأخضر كميات كبيرة من المياه ومن المرجح أن تضطر مصر إلى تحلية المياه بسبب ندرتها. كما تولد عملية التحليل الكهربائي محلولا ملحيا يسبب مشكلات في التخلص منه ويلحق أضرارا جسيمة بالنظام البيئي البحري في حالة عدم إدارته بشكل جيد. إضافة إلى ذلك، لا بد من تخصيص المصادر الجديدة للطاقة المتجددة لإنتاج الهيدروجين - على غرار متطلبات " الإضافة " في الاتحاد الأوروبي - لمنع تحويل إنتاج الطاقة المتجددة الحالي في البلاد خارج نطاق شبكة الكهرباء.

على صعيد الهيدروجين الأزرق: نظرا لإمكانية إنتاج الهيدروجين الأزرق عن طريق إعادة تجهيز محطات الهيدروجين الرمادي التقليدية بتقنية احتجاز الكربون، فإن زيادة إنتاجه يجب أن تكون سهلة نسبيا. ومع ذلك، سيستغرق الأمر من البلاد نحو 5 - 10 سنوات لتطوير القدرة اللازمة لتخزين الكربون، مما يجعل توسيع إنتاج الهيدروجين الأزرق أمرا غير ممكن إلا بعد عام 2030.

من سيتولى عملية التمويل؟ -

تحدد الاستراتيجية نهجا ثلاثي الأبعاد يشمل الوصول إلى التمويل الميسر الذي توفره بنوك التنمية والصناديق متعددة الأطراف، وجذب المستثمرين الأجانب، إلى جانب تقديم حزم حوافز حكومية.

التمويل الميسر: يعد التمويل المقدم بأسعار أقل من السوق من قبل الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية من بين المصادر الرئيسية للتمويل المحتمل للوقود الأخضر. على سبيل المثال، سيقدم الاتحاد الأوروبي التمويل لمبادرات التحول الأخضر لدول الجوار في منطقة البحر المتوسط حتى عام 2027 في إطار الخطة الاستثمارية والاقتصاديةللجوارالجنوبي (بي دي إف). كما تعد الصناديق المخصصة مثل الصندوق الأخضر للمناخ، وصندوق النمو الأخضر، ومرفق البيئة العالمية مصادر جيدة للتمويل الميسر.

بناء الشراكات: يمكن حشد التمويل من خلال شراكة الهيدروجين الأخضر المقترحة قيد التطوير بين الاتحاد الأوروبي ومصر لتعزيز تجارة الهيدروجين بين أوروبا وأفريقيا والخليج.

مصادر أخرى للتمويل: تشكل قروض ومساعدات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لقطاع الطاقة مصدرا محتملا آخر للتمويل، فضلا عن بنك الاستثمار الأوروبي وصندوق النقد والبنك الدوليين.

الاستثمار الأجنبي له دور أيضا: وقعت مصر 23 مذكرة تفاهم وتسع اتفاقيات شراكة مع مجموعة من المطورين والمستثمرين في مشروعات الهيدروجين منخفض الكربون، الأمر الذي يمهد الطريق أمام البلاد لتكثيف العمل على القطاع. ولكي تضمن مصر جني ثمار مذكرات التفاهم الموقعة، يجب على المجلس القومي للهيدروجين الأخضر ومشتقاته - الذي شكل قبل عام - ضمان تقييم التأثير الفعلي لمبادرات الهيدروجين الأولى على الاقتصاد المحلي، بما في ذلك فوائد نماذج الأعمال المختلفة (البناء والتشغيل ونقل الملكية، أو البناء والتشغيل والتملك ونقل الملكية، أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص) المستخدمة في تنفيذ المشاريع.

ماذا يحدث الآن؟ -

تشكل البيئة التنظيمية الداعمة أهمية بالغة للاستفادة الكاملة من إمكانات الاستراتيجية، بما في ذلك تبسيط عمليات صنع القرار والوصول إلى الأراضي والمرافق، وإنشاء إطار واضح للمستثمرين. سيتعين على أصحاب المصلحة أيضا استكشاف خيارات تمويل متنوعة للحد من مخاطر المشروع وتعزيز العائدات، فضلا عن إبرام شراكات مع الهيئات الدولية لضمان التزام الإنتاج بالمعايير العالمية الصارمة للكربون المنخفض، بما في ذلك إصدار ضمانات المنشأ ذات الشفافية.

يتعين على المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر ومشتقاته مراقبة وتقييم التقدم بناء على الأهداف المنصوص عليها في السيناريوهين المركزي والأخضر، وغيرها من المقاييس مثل تأثير مذكرات التفاهم، وفعالية الحوافز الحكومية، وتأثير مشروعات البحث والتطوير. كما سيقترح المجلس تحديثات للاستراتيجية بما يتماشى مع التطورات العالمية، والموافقة على السياسات والخطط اللازمة، ومراجعة قواعد وضوابط قطاع الهيدروجين الأخضر.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • المزيد من الطاقات المتجددة على رادار الحكومة: تستهدف وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة تصل إلى نحو 30 جيجاوات، بما يحقق وفرا في الوقود يعادل 4.1 مليار دولار سنويا. (بيان)
  • شركة الخدمات اللوجستية اليونانية "ڨي جروب" تشتري وحدات بحرية بقيمة 4 ملايين يورو، لجمع النفايات الصلبة والسائلة في قناة السويس. (المال)
  • هل ترتفع حصة مشروعات تحويل النفايات إلى طاقة في مزيج الطاقة بالبلاد؟ تستعد الحكومة لتوقيع عقود مع ثمانية تحالفات محلية وأجنبية لإنتاج الكهرباء من المخلفات، بقدرة 1.7 مليار كيلووات في الساعة سنويا عبر استخدام المخلفات البلدية الصلبة في عدد من المحافظات.