شهدت السنوات القليلة الماضية تعاظم الحماسة تجاه الهيدروجين الأخضر بوصفه مصدرا للطاقة النظيفة، لكن هذا الزخم تلاشى مؤخرا بشكل مفاجئ. وتجادل منظمة الهيدروجين الأخضر (GH2) في تقرير جديد بأن هذا لا يُعزى إلى نقص الطموح أو الحوافز السخية أو الشركاء الدوليين، بل إلى نقص الطلب على مصدر الوقود، وارتفاع تكاليف الاقتراض في مصر، وعدم كفاية البنية التحتية لشبكة الكهرباء.

وبرغم المليارات المخصصة لمشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر، فهي في معظمها لا تزال مجرد حبر على ورق، إذ تشير المنظمة إلى أن “أقل من خمسة مشروعات” تجاوزت مرحلة دراسة الجدوى. وحتى يونيو من العام الماضي، وقعت مصر 32 مذكرة تفاهم بقيمة استثمارات تبلغ نحو 175 مليار دولار، لكن “التحدي يكمن في تحويل تلك الوعود إلى مشروعات”.

لكنها ليست مشكلة مصر وحدها، إذ أن 4% فقط من مشروعات الهيدروجين والأمونيا الخضراء في جميع أنحاء العالم هي التي وصلت إما إلى مرحلة البناء أو قرار الاستثمار النهائي، فيما حصلت 13% فقط على عقود شراء ملزمة، وفقا لوكالة الطاقة الدولية. وجرى إلغاء ما لا يقل عن 50 مشروعا للهيدروجين النظيف علنا في فترة الـ 18 شهرا المنتهية في سبتمبر 2026، وهو ما يمثل 4 ملايين طن سنويا من الطاقة الإنتاجية، وفقا لتقرير بوصلة الهيدروجين العالمية 2025 الصادر عن مجلس الهيدروجين (بي دي إف).

ويشارك بقية العالم الآن أيضا نظرة أقل تفاؤلا بشأن هذه التكنولوجيا الناشئة، إذ يعتقد السيناريو الأفضل لمجلس الهيدروجين أن ما بين 20 إلى 30% من مشروعات الهيدروجين النظيف المعلن عنها في العالم — التي تمثل 9-14 مليون طن متري سنويا — ستحصل على قرار استثمار نهائي بحلول عام 2030. وقال محمد جميل الرمحي، الرئيس التنفيذي لشركة مصدر الإماراتية العملاقة للطاقة المتجددة في وقت سابق من هذا العام: “اليوم، يواجه الهيدروجين الأخضر ضغوطا والسوق تنكمش. كثيرون ممن دخلوا هذا المجال خرجوا منه”.

ومع ذلك، لا يزال هناك سوق قائم للهيدروجين الأخضر، “والاستخدام في ازدياد مطرد”، برغم عدم الارتقاء إلى مستوى الزخم حول التكنولوجيا المشهود في السنوات الأخيرة، حسبما صرح به تشارلي جارنيت، المدير القُطري لمصر وليبيا في وزارة الأعمال والتجارة البريطانية في حديث له مع إنتربرايز. وأضاف جارنيت أنه مع “الهدوء النسبي في القطاع”، حان الوقت “لتقييم خطط الهيدروجين الأخضر، وكيفية تطويرها”.

ويمثل الطلب عنصرا أساسيا لنجاح أي مشروع تجاري — ومن ثم فإن غيابه يؤدي إلى فشله — فلم تتحقق بعد الزيادة المتوقعة في عدد عملاء الهيدروجين الأخضر. ومن الصعوبة بمكان خلق الطلب على المدى القريب على مستوى العالم وفي مصر أيضا. ويكمن السبب في حذر المستثمرين تجاه الالتزام بأية وعود استثمارية، مع غياب العملاء المضمونين، في حين أن العملاء مترددون في الالتزام باتفاقيات شراء مستقبلية دون معرفة مسبقة بالقدرة التنافسية على مستوى التكلفة للإمدادات، وتوفر البنية التحتية اللازمة.

ثمة عامل آخر يؤثر على الطلب، ويتمثل في فجوة التكلفة بين الوقود الأخضر الناشئ والوقود الأحفوري، التي يصفها مؤيدو الهيدروجين الأخضر بأنها قابلة للمعالجة عبر الدعم واللوائح الحكومية. وربما ينمو الطلب على الهيدروجين الأخضر أيضا إذا صوتت المنظمة البحرية الدولية في الأيام المقبلة على تبني إ طار عمل صافي الانبعاثات الصفري رسميا — الذي يهدف إلى خفض الانبعاثات بنسبة 20% بحلول عام 2030، والوصول إلى صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050 من خلال مجموعة من تفويضات وعقوبات خفض الانبعاثات.

“السياسات المتعلقة بالطلب، مثل الحصص وعقود الفروقات، قد تضطلع بدور مهم” في معالجة هذا الأمر، بحسب ما قاله جارنيت لإنتربرايز. وهنا يأتي الدور المحوري للحكومة، الذي يتمثل في تحمل “بعض المخاطر الخاصة بها لدعم الصناعة” من خلال مبادرات مثل حماية اتفاقيات الشراء المدعومة من الحكومة من أجل أن تسرع فعليا عملية تطوير القطاع.

وتؤثر تكاليف الاقتراض أيضا على القدرة التنافسية للهيدروجين الأخضر في مصر، إذ تتراوح معدلات الاقتراض بين 16 و18%، وهي أعلى بكثير من النطاق البالغ 4-6% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفق ما تشير إليه منظمة الهيدروجين الأخضر. وفي أغلب الأحيان، تفوق تكاليف الاقتراض المرتفعة أية وفورات تتحقق من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ذات الأسعار التنافسية في مصر.

ومما يعقد طموحات البلاد في مجال الهيدروجين الأخضر أيضا — الافتقار إلى البنية التحتية الكافية، حيث تقل قدرة الشبكة البالغة 36 جيجاوات بكثير عن القدرات التي ستوفرها الأراضي المخصصة لمشروعات الطاقة المتجددة، البالغة 180 جيجاوات، وفقا لمنظمة الهيدروجين الأخضر. كذلك ليس هناك وضوح كافٍ من جانب المستثمرين بشأن حل هذه المشكلات، مع “عدم اليقين بشأن الترقيات وعدم اكتمال الأطر”.

لكن الطموح هو العنصر الأكثر توفرا، إذ تسعى الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون في البلاد (بي دي إف) إلى الاستحواذ على ما بين 5% و 8% من سوق الهيدروجين العالمي بحلول عام 2040. وسعت الدولة أيضا إلى تشجيع الاستثمار من خلال نظام الرخصة الذهبية للتخلص من التعقيدات الروتينية، ووعد بتخفيضات ضريبية بنسبة 45%، وحوافز أخرى.

ومع ذلك، من شأن التحسينات في بيئة الأعمال أن تحدث فارقا كبيرا في جاذبية مصر بشكل عام، وهذا ينطبق على قطاع الهيدروجين الأخضر أيضا، حسب جارنيت. وأضاف: “نرى مصر وهي تخسر أمام المنافسين الإقليميين بشكل منتظم إلى حد ما”، بسبب عمليات اتخاذ القرار الطويلة، وتأخر استرداد ضريبة القيمة المضافة، وعدم إنفاذ حقوق الملكية الفكرية، وقضايا أخرى.

وتأتي إمكانات الطاقة المتجددة والموقع في صالحنا أيضا، لا سيما مع استضافة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الجزء الأكبر من مشروعات الهيدروجين الأخضر المقترحة نظرا لقربها من نحو 12% من التجارة العالمية التي تمر عبر قناة السويس. تستطيع مصر الاستفادة من ذلك وجعل نفسها “مركزا للتزود بالوقود والتموين للصناعة البحرية”، حسبما قاله جارنيت لإنتربرايز. وثمة دليل على ذلك يتمثل في ع قد شركة فرتيجلوب البالغ 397 مليون يورو مع شركة هينتكو، التابعة لشركة إتش تو جلوبال الممولة من الحكومة الألمانية، لتوريد الأمونيا الخضراء من منشآتها في المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي.

ويبدو الهيدروجين الأخضر خيارا منطقيا أيضا بالنسبة لمصر، نظرا للوجود المحلي القوي للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة — خاصة مع إطلاق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) في بداية العام المقبل. وبدلا من التركيز فقط على الصادرات، يمكن للهيدروجين الأخضر المنتج محليا أن يغذي صناعات الأسمدة والأسمنت والألومنيوم والصلب، ويساعدها على تجنب الغرامات الباهظة المصممة لوضع “سعر عادل” للانبعاثات.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • وقعت مصر وسلوفاكيا مذكرة تفاهم للتعاون الفني في مجال حماية البيئة وتغير المناخ، وفقا لبيان صادر عن وزارة البيئة. وتغطي الاتفاقية مجالات عدة تشمل التخفيف والتكيف مع تغير المناخ، والتخطيط البيئي، وحماية التنوع البيولوجي، وتبادل المعرفة والتكنولوجيا.
  • افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي فعاليات اليوم الأول من “أسبوع القاهرة للمياه” بكلمة وصف فيها الأمن المائي بأنه يمثل “قضية وجودية” للبلاد، نظرا لاعتماد 98% من السكان على “مصدر واحد، ينبع من خارج الحدود هو نهر النيل”.