بعد عام من انطلاقها في البلاد، لتصبح أول سوق من نوعها في أفريقيا — بدأت سوق الكربون في مصر في التبلور، ولكن هيهات، فالزخم لا يزال بطيئا. وفي حين أن ملامح الإطار التنظيمي صارت واضحة إلى حد كبير، لا تزال أحجام التداول متواضعة، ومشاركة القطاع الخاص محدودة.

وشهد الإطلاق بعض النشاط في السوق، إذ اشترت شركة دالتكس الزراعية المحلية 1500 شهادة كربون من مشروعللحراجةالزراعية في البنجاب بالهند من خلال شركة ” في إن في أدفايزوري ” ومقرها سنغافورة، واشترت شركة إيزيس أورجانيك التابعة لشركة سيكم شهادات تمثل 500 طن من ثاني أكسيد الكربون من 10 مزارع من خلال الجمعية المصرية للزراعة الحيوية، واشترت “إس سي بي للأسواق البيئية” 2500 شهادة كربون من “في إن في أدفايزوري”.

لكن السوق لم تشهد الكثير من التداول منذ ذلك الحين، إذ لم تسجل السوق — التي أعيد تسميتها في وقت سابق من هذا العام إلى بورصة المناخ المصرية — سوى ست معاملات فقط منذ إطلاقها، وفقا لموقعها على الإنترنت.

ومع ذلك، كان هناك تقدم على صعيد الإدراج، إذ وصلت الشهادات المسجلة إلى ما يقرب من 140 ألف شهادة من 28 مشروعا في خمس دول، تقول البورصة إنه جرى إهلاك نحو 42 ألفا منها. ولا تزال المشروعات الزراعية تمثل المحرك الرئيسي لشهادات الكربون في البورصة.

وربما نشهد تسارعا في الإصدارات قريبا، إذ تستعد الحكومة لإصدار شهادات كربون لمشروعات الطاقة المتجددة التي تتجاوز 10 ميجاوات، حسبما صرح به مصدر حكومي لإنتربرايز، مشيرا إلى أن المشروعات ستُدرج في البورصة في النصف الثاني من هذا العام أو في أوائل عام 2026.

ومع ذلك، تظل العقبة الأبرز هي آلية التسعير، فقد اعتمدت مصر حتى الآن على المعايير الدولية للتفاوض — كما كان الحال مع مجمع بنبان للطاقة الشمسية. لكن إرساء آلية منظمة سيسمح بنظام تسعير عادل لهذه الشهادات، وفق المصدر.

برغم تزايد مشاركة القطاع الخاص في السوق، لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، وفق ما قاله عمر النمر، رئيس إدارة المشاريع والهيكلة في الشرق الأوسط وأفريقيا لدى شركة “في إن في أدفايزوري”، في حديثه لإنتربرايز. ويحظى هذا النمو بدعم من جهود التوعية وبناء القدرات المكثفة التي تبذلها الهيئة العامة للرقابة المالية، التي ركزت في البداية على إنشاء إطار تنظيمي قوي.

ترحب سوق الكربون الآن بشدة بالمطورين والمستثمرين من القطاع الخاص والمشترين، مع وجود عمليات مبسطة لتسجيل المشروعات وتداول الشهادات، بحسب المصدر. ومن المتوقع أن يشهد العام المقبل زيادة في مشاركة القطاع الخاص على صعيد الطلب على الشهادات، إذ إن المشروعات مدرجة بالفعل في البورصة.

القطاعات المتأثرة بآلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي (CBAM) هي التي أبدت أكبر قدر من الاهتمام بخفض الانبعاثات وتعويضها، وتحديدا صناعات الأسمدة والألومنيوم. إذ لا تنفك هذه القطاعات عن الاستفسار عن الدور المحتمل لشهادات الكربون في تقليل تعرضها لآلية تعديل حدود الكربون، وإن كانت الطبيعة الدقيقة لهذا الدور لا تزال غير واضحة.

كيف سيؤثر ذلك عليها؟ تسمح آلية تعديل حدود الكربون في الاتحاد الأوروبي للمستوردين بخصم تكلفة أي ضريبة كربون أو نظام لتجارة الانبعاثات دُفع بالفعل في البلد المصدر. فإذا كان لدى دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي تسعير للكربون خاص بها، يُسمح لمُصدريها خفض تكاليفهم المتعلقة بآلية تعديل حدود الكربون بمقدار المبلغ المعادل المدفوع محليا.

والإطار التنظيمي لتسهيل الاستثمار موجود بالفعل. تتمثل الخطوة التالية في توفير إرشادات واضحة حول كيفية استخدام شهادات الكربون وتوقيت استخدامها. فغالبا لا يدرك المستثمرون المؤسسيون تماما قيمة شهادات الكربون، أو كيفية التحوط من المخاطر المرتبطة بها، أو المخاطر العامة التي تنطوي عليها — وهو تحد ملحوظ في أسواق الكربون المحلية والدولية على السواء.

ما هي الخطوة التالية إذن؟ يمثل التعليم وبناء القدرات حجر الزاوية بالنسبة لتطوير مجموعة قوية من مشروعات الكربون عالية الجودة في مصر، حسبما قاله النمر، مضيفا أن الهدف يتمثل في “زيادة الوعي وبناء قدرات القطاع الخاص بشأن ماهية شهادة الكربون وكيفية استخدامها ومتى يجب استخدامها”. وتكافح عديد من مبادرات خفض الانبعاثات الحالية في مصر لتلبية متطلبات العائد وهي لا تدرك في أغلب الأحوال القيمة المحتملة التي من شأن أسواق وشهادات الكربون أن تضيفها إلى أدائها. وأوضح أن هذه الجهود ينبغي لها أيضا أن تنطوي على مبادئ النزاهة، التي على شاكلة مبادئ الكربون الأساسية، الصادرة عن مجلس نزاهة سوق الكربون الطوعية (ICVCM).

وتدعم الهيئة العامة للرقابة المالية هذا المضمار من خلال توفير التعليم وتسهيل التوفيق بين هيئات المصادقة والتحقق، ومطوري المشروعات، والسجلات. ولدى الهيئة أيضا منصة ستُطلق بالكامل قريبا لتكون مركزا للمعرفة لتوجيه مطوري مشروعات خفض الانبعاثات خلال العملية، وأصحاب المصلحة، والخطوات، واللوائح ذات الصلة في مصر.

يجب على الشركات الخاصة التشاور بقوة مع منصات مثل Verra و Gold Standard للحصول على إرشادات بشأن معايير الشهادات وأهلية المشروعات، لتحقيق أقصى استفادة من أسواق الكربون لكل من الأهداف المناخية والعوائد المالية، وفق النمر. وتقدم هذه المنصات منهجيات قابلة للتطبيق على المشروعات التي قد تسجلها الشركات وتقترح أنواع المشروعات للاستثمار أو التعويض ضمن الإشراف البيئي. ويلقى التعامل مع السجلات المحلية في مصر — مثل ا قتصاد المحبة — ترحيبا، لا سيما للشركات التي تسعى لدعم المزارعين والمجتمعات المحلية.

تضطلع سجلات الكربون الوطنية — وهي منصات تراقب دورة حياة شهادات الكربون بأكملها — بدور حاسم في السوق المتطورة، وفق النمر. ويعمل سجل الكربون بوصفه منصة مركزية لإصدار شهادات الكربون وتخزينها وتتبعها، بما في ذلك التحويلات وتغييرات الملكية، وهو ما قد يكون ضروريا للشفافية والرقابة التنظيمية — خاصة الآن بعد أن صُنفت شهادات الكربون أدوات مالية في مصر.

وعلى ذكر الشفافية والمراقبة: من شأن تقنيات القياس الرقمي وإعداد التقارير والتحقق (DMRV)، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية والبلوك تشين، أن تؤدي دورا مهما، لا سيما في تطوير المشروعات. ونظرا إلى أن العديد من المشروعات المحتملة في مصر ستقع في مناطق نائية وهناك اهتمام متزايد بأنظمة الطاقة الموزعة، تصبح تقنيات القياس الرقمي وإعداد التقارير والتحقق ذات أهمية متزايدة للمراقبة المستمرة لهذه الأنظمة من نقطة تحكم مركزية، حسبما قاله النمر.

أين يجب أن يكون التركيز؟ يعد قطاعا الطاقة والزراعة مفتاحا لتطوير مجموعة قوية من مشروعات الكربون في مصر. ويمثل قطاع الطاقة النسبة الأكبر من الانبعاثات الكربونية في مصر، فيما يعتمد اقتصاد البلاد إلى حد كبير على قطاع الزراعة، الذي “يتطلع بقوة إلى التحول إلى صناعة منخفضة الكربون”، بحسب النمر.

وعلى مستوى استراتيجية إزالة الكربون طويلة الأجل في مصر، يضيف النمر أن سوق الكربون الطوعي يمثل نقطة انطلاق ممتازة؛ إذ إن تبني آلية طوعية في البداية يسمح للقطاع الخاص باختيار مشاركته، وهو ما يُنظر إليه على أنه نهج أكثر سلاسة. وبعد إنشاء وعي كاف بشهادات وبدلات الكربون والفروق بين الشهادات الطوعية والإلزامية، من المتوقع أن تزيد المشاركة في السوق الإلزامية.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • أطلقت مؤسسة إي إف جي للتنمية الاجتماعية مدرسة إي إف جي هيرميس للتكنولوجيا التطبيقية في مجال التكنولوجيا الزراعية بالأقصر، وهي أول مدرسة للتكنولوجيا التطبيقية في مصر متخصصة في الزراعة الذكية مناخيا.
  • تعتزم مصر إصدار شريحة جديدة من السندات السيادية الخضراء، حسبما صرح به مصدر حكومي رفيع المستوىلإنتربرايز. وتدرس وزارة المالية، بالتشاور مع مستشاري الطرح، إما استبدال السندات التي تستحق في سبتمبر أو إعادة فتح السندات الحالية لمدة خمس سنوات أخرى.