هل تستطيع مصر توجيه دفة جهود خفض الكربون في صناعة النقل البحري؟ خطت مصر خطوات كبيرة مؤخرا على صعيد إنتاج الميثانول الأخضر، مما يخول إليها دورا كبيرا في جهود صناعة النقل البحري الرامية لخفض الكربون. فقد صارت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة محورية في جهود القطاع لخفض الكربون بسبب استثماراتها الكبيرة في البنية التحتية للوقود الأخضر. في عدد هذا الأسبوع من نشرتنا المتخصصة "الاقتصاد الأخضر"، عرضنا تقييما عاما للمبادرات والربط بين النقاط لتوضيح المنطق الكامن وراء وضعية مصر في قلب صناعة نقل بحري عالمي منخفض الكربون.

صناعة النقل البحري تدفع جهود خفض الكربون: وضعت المنظمة البحرية الدولية أهدافا طموحة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة على مدى 25 عاما، بنسبة 20% بحلول عام 2030، والإزالة الكاملة للكربون بحلول 2050، وفقا لتقرير لشركة دي إن في النرويجية المتخصصة في إدارة المخاطر (بي دي إف). في حين أن هذه الأهداف قد تكون ممتدة — لا سيما بالنظر إلى أن 93% من الأسطول العالمي لا يزال يبحر باستخدام أنواع الوقود الأحفوري التقليدية — تتماشى هذه الجهود مع ضغوط السوق العالمية، في ظل مطالبة أصحاب البضائع، والمؤسسات المالية، وشركات التأمين بخيارات شحن أكثر استدامة.

بدائل الوقود حاسمة من أجل هذا التحول: تستهدف الصناعة الانتقال إلى أنواع وقود منخفض الكربون، مثل الغاز الطبيعي المسال والميثانول والأمونيا لتشغيل أسطول السفن والحاويات الحالي والمستقبلي. يبين تقرير دي إن في أن الطلب على الوقود الخالي من الكربون من المتوقع أن يصل إلى ما بين 7.7 و52.9 مليون طن من المكافئ النفطي بحلول 2030.

عقبات على الطريق: لا يزال غياب كميات كبيرة من من الوقود الأخضر، مثل الميثانول الأخضر والأمونيا الخضراء، يمثل حجر عثرة أمام جهود خفض الكربون في صناعة النقل البحري على المدى القصير. في حين أن البنية التحتية اللازمة لإنتاج هذه الأنواع من الوقود وتخزينها ونقلها، ما زالت قيد التطوير، ستحتاج صناعة الشحن في المقابل إلى بناء سفن جديدة مهيأة لاستيعاب مجموعة متنوعة من تقنيات الوقود أو تطوير السفن الحالية لاستيعاب أنواع الوقود الجديدة. وبمجرد أن تتوفر كميات أكبر من الوقود الأخضر، ستكون صناعة النقل البحري مضطرة إلى منافسة صناعات أخرى — مثل الطيران والنقل البري والقطاعات الصناعية — من أجل الحصول على إمدادات الوقود الجديد.

وفي ضوء هذا السيناريو العالمي، تسلط استثمارات ميرسك الضوء على إمكانات مصر: تغير الشراكة بين مصر وشركة سي تو إكس للميثانول الأخضر التابعة لشركة ميرسك، قواعد اللعبة الخاصة بالانتقال بالوقود في صناعة النقل البحري. الاستثمارات البالغة 3 مليارات دولار ستنتج في البداية 300 ألف طن من الميثانول الأخضر سنويا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومن المخطط رفع الإنتاج إلى ما يصل إلى مليون طن — ما يمثل نسبة كبيرة من الكمية المتوقع أن تكون متاحة بحلول 2030، التي تتراوح ما بين 4 و6.7 مليون طن من الميثانول الأخضر. يجعل هذا مصر موردا رئيسيا لأنواع الوقود البديل إلى صناعة الشحن العالمية.

لماذا الميثانول الأخضر؟ نظرا إلى أن هناك عددا من السفن قادرة بالفعل على الإبحار باستخدام الميثانول بجانب أنواع الوقود التقليدية، فإن الميثانول المحايد للكربون يحمل جاذبية خاصة بالنسبة لصناعة النقل البحري، بوصفه وقودا أخضر. صحيح أن الحاويات القادرة على الإبحار باستخدام الميثانول لا تشكل سوى 1% من الحمولات العالمية للسفن في الوقت الراهن، لكنها تمثل نحو 10% من حمولات الشحن التي تنفذ عمليات نقل حاليا — ما يجعل السفن القادرة على الإبحار باستخدام الميثانول في المركز الثاني بقائمة أكثر السفن المطلوبة ولا يسبقها سوى السفن القادرة على الإبحار باستخدام الغاز الطبيعي المسال. وفي حين أن الطلب على السفن القادرة على الإبحار باستخدام الأمونيا يتخذ مسارا صعوديا، فإنه لا يشكل سوى 0.7% من إجمالي السفن المطلوبة — ما يعني أن الميثانول الأخضر سيكون على الأرجح المصدر الرئيسي للوقود منخفض الكربون بالنسبة لصناعة النقل البحري في المرحلة المقبلة.

زيادة الإنتاج للوفاء بالطلب العالمي: يمثل مستهدف ميرسك لإنتاج 3 ملايين طن من الميثانول الأخضر سنويا بحلول عام 2030 ركنا أساسيا من جهود قطاع النقل البحري لخفض الكربون. والدور الذي ستضطلع به مصر في سلسلة التوريد هذه سيكون حاسما، نظرا إلى أنه يضمن استمرارية توريد الوقود المحايد للكربون الضروري لاستبدال أنواع الوقود الأحفوري. وفي ظل وجود مشروعات مماثلة لميرسك في إسبانيا ومشروعات مماثلة في مصر وفي أماكن أخرى، يبدو أن سلسلة التوريد العالمية من الميثانول الأخضر تتوسع — مما يساعد في الوفاء بأهدافها الرامية لخفض وإزالة الكربون بحلول 2030 و2050.

تموين السفن بالوقود الأخضر هو جزء من الصورة الأكبر: قالت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إنها تريد تقديم خدمات تموين السفن بالميثانول الأخضر قبل عام 2027، بعد تلقي طلبات لتزويد السفن بالميثانول الأخضر والغاز. الاتفاقيات الحديثة تبرهن على أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تتخذ موضعا جيدا على طريق تحقيق هذا الهدف. في العام الماضي، وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مذكرة تفاهم مع شركة الطاقة المتجددة النرويجية سكاتك لإنتاج الميثانول الأخضر باستثمارات 1.1 مليار دولار، وستزود سكاتك السفن في ميناء شرق بورسعيد بما يصل إلى 100 ألف طن من الميثانول الأخضر بحلول 2027. كذلك منحت المنطقة الاقتصادية في العام الماضي تصريحا لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد إلى شركة أو سي أي هاي فيلوز الهولندية، التابعة لشركة أو سي أي، لتقديم خدمة تموين السفن بالميثانول الأخضر بمينائي شرق بورسعيد وغرب بورسعيد. ومؤخرا، وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مذكرة تفاهم مع ميناء روتردام الهولندي لتطوير مسار أخضر لنقل الوقود سيربط سنغافورة بروتردام عبر قناة السويس، مما يخلق أول مسار للتزود بالوقود الأخضر بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

ارتفاع التكاليف يمثل تحديا، لكن الاستثمار المبكر يؤتي ثماره: التكاليف الاقتصادية لخفض الكربون كبيرة، والتقديرات تشير إلى ارتفاع في تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 69% و112% لكل طن - ميل (أي لكل طن منقول مسافة ميل واحد). غير أن الاستثمار في التقنيات الموفرة للطاقة وتبني بدائل الوقود مبكرا قد يؤدي إلى وفورات على المدى الطويل، فالتقنيات التي تقلل استهلاك الوقود، لا تقتصر ميزتها على ضمان الامتثال للأطر التنظيمية، بل تمتد كذلك إلى إمكانية تحقيق ملاك السفن أرباح في ظل ارتفاع تكاليف الوقود.

في جعبتنا ميزة البنية التحتية للطاقة الخضراء: إن التعاون بين مصر وميرسك مدعوم بأهداف الحكومة الرامية إلى إضافة 28 جيجاوات من الطاقة المتجددة إلى مزيج الطاقة في البلاد على مدى خمس إلى سبع سنوات مقبلة، مما يضمن توفر الطاقة المتجددة اللازمة لإنتاج الميثانول الأخضر. ونظرا إلى أن المزيد من البلاد والشركات تكثف استثماراتها في الوقود الأخضر، فإن البنية التحتية الراسخة لمصر تمنحها تفوقا تنافسيا في التحول العالمي بمجال الطاقة الخضراء.

مستقبل مصري واعد في الجهود العالمية لخفض الكربون بصناعة النقل البحري: في ظل الاستثمارات الكبيرة في الميثانول الأخضر والمشروعات المستمرة التي تتماشى مع أهداف خفض الكربون في صناعة النقل البحري والشحن، تتخذ مصر موضعا جيدا لتصير رائدة في إنتاج الوقود الأخضر. ومن خلال دعم تحول قطاع النقل البحري نحو البدائل المحايدة للكربون، فإن مصر لا تسهم وحسب في الاستدامة العالمية، بل إنها تضمن لنفسها موقعا بوصفها طرفا فاعلا رئيسيا في مستقبل صناعة النقل البحري والشحن.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • وافق مجلس النواب في جلسته العامة الأولى في دور الانعقاد الجديد على اتفاقية منحة بقيمة 15 مليون دولار من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لدعم جهود مكافحة تغير المناخ، مع التركيز على جهود الحفاظ على الشعاب المرجانية في البحر الأحمر والحد من الانبعاثات.
  • تعتزم شركة إيميا باو بدء تشغيل مزرعة رياح رأس غارب بتكلفة 800 مليون دولار في مارس المقابل بقدرة أولية 250 ميجاوات، قبل أن تصل إلى طاقتها الكاملة البالغة 500 ميجاوات بنهاية يوليو المقبل.
  • صندوق التنمية "بي تي إكس" الألماني يقدم منحة لشركة سكاتك النرويجيةبقيمة 30 مليون يورو لدعم مشروع الهيدروجين الأخضر في مصر الذي تنفذه مع فيرتيجلوب وأوراسكوم كونستراكشون وصندوق مصر السيادي والشركة المصرية لنقل الكهرباء.
  • 7 ملايين يورو من الاتحاد الأوروبي لدعم استدامة الموارد المائية والتحول الأخضر: وقعت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي رانيا المشاط ورئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في مصر كريستيان برجر مبادرة "المرفق الأوروبي الأخضر" بقيمة 7 ملايين يورو، لتعزيز التحول الأخضر في البلاد.