كيف سيؤثر تغير المناخ على البنية التحتية للطاقة في مصر؟ تستهدف الحكومة زيادة قدرات الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول عام 2030 و60 % بحلول عام 2040، وتعمل على بناء بنية تحتية ضخمة لتحقيق ذلك الهدف. ولكن مع اتضاح آثار التغير المناخي مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأمطار وانخفاض مصادر المياه العذبة، تعرضت محطات الكهرباء التقليدية التي تعمل بكل من الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة لضربة قوية، بحسب ما ورد في تقرير الوكالة الدولية للطاقة عن ملف التكيف المناخي لقطاع الطاقة في مصر. فما هو أثر التغير المناخي على قطاع الطاقة وكيف يمكن تخفيف آثاره؟

ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المحطات الساحلية على المدى البعيد: تقع معظم مشروعات البنية التحتية بقطاع الطاقة في مصر ضمن المناطق الساحلية التي تتعرض سواحلها للتآكل والعواصف والفيضانات بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر، بحسب الوكالة الدولية للطاقة. وتقع كثير من المحطات في الساحل الشمالي ودلتا النيل وسيناء، وقد تصبح كل تلك المناطق مغمورة جزئيا بحلول عام 2100.

حجم المشكلة: تقع نصف محطات تكرير البترول، ونحو 39% من محطات الغاز، و7% محطات الكهرباء التي تعمل بالوقود الأحفوري في مناطق منخفضة الارتفاع (أقل من 10 مترات فوق مستوى سطح البحر). ومن المتوقع أن تتعرض معظم هذه المشروعات والمنشآت إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمعدل 0.4-0.6 متر في الفترة ما بين 2081-2100 وهو ما سيعرضها لأضرار مادية كبيرة.

ارتفاع درجة الحرارة = انخفاض توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية: قد تتدهور كفاءة توليد الطاقة في محطات الطاقة الشمسية ومحطات الرياح، والتي من المتوقع أن تشهد نموا سريعا في مزيج الطاقة المولدة في مصر، بسبب زيادة درجة الحرارة، خاصة في موجات الحر، بحسب التقرير. ومن المنتظر أن تشهد مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية - التي تعمل بكفاءة في درجة حرارة قريبة من 25 درجة مئوية بحسب التقرير- فترات أشد حرارة أعلى من 35 درجة مئوية تقريبا بحلول نهاية القرن.

محطات إنتاج الطاقة المتجددة في مصر الأكثر عرضة للخطر: من المتوقع أن تشهد أكثر من 80% من محطات الطاقة الشمسية في البلاد أياما شديدة حرارة بمعدل يتراوح ما بين 20-60 يوما سنويا من عام 2080 حتى 2100. والتوقعات أكثر تشاؤما بالنسبة لمحطات الرياح، والتي من المرجح أن تشهد أياما شديدة الحرارة بمعدل يتراوح ما بين 20-80 يوما سنويا. ويعد هذا المستوى من الحرارة المرتفعة أعلى من المتوسط العالمي، إذ من المتوقع أن تشهد نحو 40% من محطات الطاقة الشمسية عالميا و7% من محطات الطاقة الشمسية نفس ذلك المعدل المرتفع.

يمثل ذلك خطرا محدقا لمشروعات طاقة الرياح الضخمة المخطط لها: وقعت الحكومة اتفاقيات بمليارات الدولارات مع عدد من الشركات لتدشين محطات رياح في سوهاج بإجمالي قدرات 28 جيجاوات. وتجاوز متوسط درجة الحرارة في سوهاج حاليا 35 درجة مئوية على مدار الأشهر السبع الماضية وهو معدل أعلى بدرجتين مما كانت عليه درجة الحرارة في 1979، بحسب بيانات الأرصاد المتاحة.

محطات الغاز الطبيعي تحتاج إلى المياه والحرارة: تباين درجات الحرارة في مختلف أنحاء البلاد يعني أن بعض المناطق ستصبح في المستقبل أكثر رطوبة، بينما ستصبح مناطق أخرى أكثر جفافا، بحسب الوكالة الدولية للطاقة. ومن المتوقع أن تشهد ثلث محطات الغاز الطبيعي في مصر أياما متتالية أشد جفافا، مقارنة بنحو 5-8% من محطات الغاز على مستوى العالم. وتعتمد مصانع الغاز على المياه باعتبارها مصدر التبريد الرئيسي، وهو ما قد يمثل مشكلة في المناخ الأشد جفافا في ظل المنافسة الشرسة على مصادر المياه العذبة بسبب الزيادة السكانية والتنمية الاقتصادية. وتؤدي الحرارة المرتفعة أيضا إلى تقليص كفاءة مصانع الغاز بسبب تقليل كتلة الهواء المتدفق إلى توربينات الغاز، بحسب الوكالة.

كثرة الأمطار قد تساهم في توليد الكهرباء لكن خطر الفيضانات يظل قائما: بينما ستشهد بعض محطات ومصانع الغاز مناخا أكثر جفافا، فإن معظم محطات الطاقة الكهرومائية ستشهد مناخا أكثر رطوبة مع زيادة هطول الأمطار وتدفق المياه في المناطق التي شيدت بها، بحسب الوكالة. ومن المتوقع زيادة الطاقة الكهرومائية المنتجة بمعدل 2.4-7.5%، وفقا لسيناريو الانبعاثات خلال الفترة من 2060- 2099. ولكن زيادة هطول الأمطار والفيضانات الناتجة عنها قد يتسبب في إلحاق الضرر بمحيط محطات الطاقة الكهرومائية لما تتركه المياه من رواسب وحطام. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تشهد محطات الطاقة الكهرومائية في مصر زيادة قصوى في هطول الأمطار بمعدل يوم واحد في الفترة من 2080-2100 بما يصل إلى 40%، ولا يتعرض لمثل هذا الخطر سوى 10% فقط من محطات الطاقة الكهرومائية في العالم.

الحرارة المرتفعة تفاقم الطلب على الطاقة: تسببت أنظمة التبريد بالفعل في ضغط موسمي شديد على شبكة إمداد الطاقة على مستوى الجمهورية، ويرتبط ذلك بزيادة استخدام مكيفات الهواء التي ساهمت جزئيا في أزمة انقطاع الكهرباء هذا الصيف. يذهب نحو "50% من الطاقة الكهربائية لتشغيل مكيفات الهواء" خلال ذروة الصيف، بحسب علاء علما الاستشاري ورئيس لجنة كود تكييف الهواء المصري ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة.

ومن المتوقع أن يقفز الطلب على أنظمة التبريد في العقود المقبلة بسبب ارتفاع درجات الحرارة في مصر بمعدل أعلى من المتوسط العالمي بحلول عام 2100، بحسب الوكالة. وقد ترتفع درجات الحرارة في مصر بمعدل يتراوح ما بين 2.5-6 درجات مئوية في الفترة ما بين 2081- 2100 بناء على لسيناريو الانبعاثات. وباجتماع عدة عناصر تتمثل في ارتفاع درجة الحرارة وتوسع الزحف الحضري والزيادة السكانية، سيرتفع الطلب على أنظمة التبريد، مما يجعل البحث عن طرق لتقليل استهلاك الطاقة في أنظمة التبريد والتحول لتشغيلها من خلال بدائل متجددة أمرا ضروريا وملحا.

ما العمل إذن؟

الوكالة الدولية للطاقة تأمل أن يتوخى قطاع الطاقة الحذر: ترى الوكالة أن مصر سوف تواجه على الأرجح "زيادة ملحوظة في عدد من المخاطر المناخية بحلول نهاية القرن، ولذلك يجب أن تبنى القرارات الخاصة بمستقبل أنظمة الطاقة على معلومات دقيقة فيما يخص المخاطر المناخية وآثارها. وعلى صناع القرار في قطاع الطاقة أن يدركوا طبيعة المخاطر المناخية حين يعتمدون سياسيات تخص مزيج الطاقة وموقع المنشآت وتقنيات التوليد والتبريد المستخدمة، فضلا عن الاستراتيجيات الخاصة بالعمليات والصيانة" في المحطات المختلفة.

بعض المناطق الساحلية أكثر عرضة للخطر عن غيرها: التدابير الرامية إلى مكافحة ارتفاع منسوب مياه البحر ومنها الحواجز البحرية على الشواطئ، والجدران الحجرية تحت المياه وتثبيت التربة، والهياكل المقاومة للفيضانات، فضلا عن الحلول القائمة على الطبيعة نفسها، هي محور عمل مبادرة الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية الواقعة على طول الساحل الشمالي. وأعدت المبادرة دراسة تهتم بتحديد المناطق المعرضة للآثار المادية للتآكل الساحلي، والفيضانات وغيرها من المخاطر وفقا لأسوأ سيناريوهات الاحتباس الحراري. ويمكن أن تستفيد شركات طاقة من هذه الدراسة في المستقبل في التخطيط لإنشاء محطات طاقة ومصاف جديدة.

محطات الطاقة الأحدث تستخدم بالفعل اختيارات أفضل فيما يتعلق بكفاءة استخدام المياه: اتخذت محطات توليد الكهرباء الثلاث التي أنشأتها شركة سيمنز في مصر تدابير عدة للحد من استخدام المياه العذبة في التبريد، بحسب الوكالة الدولية للطاقة. تستخدم محطة بني سويف التي تبلغ قدرتها 4.8 جيجاوات، والمدرجة ضمن برنامج الطروحات الحكومية، نظام أبراج التبريد ذات الدائرة المغلقة لإعادة استخدام المياه. وتعتمد محطة إنتاج الكهرباء بالعاصمة الإدارية الجديدة على نظام تبريد هوائي مزود بـ 12 مروحة عملاقة هي الأولى من نوعها في مصر. بينما يعتمد نظام التبريد في محطة البرلس على أبراج تبريد مائي مرتبطة بمياه البحر المتوسط بدلا من استخدام المياه العذبة.

نسير في الاتجاه الصحيح: أشادت الوكالة الدولية للطاقة بخطط الحكومة في تقليل الانبعاثات وزيادة الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة في البلاد، وذلك لأن استراتيجية التنمية المستدامة والاستراتيجية الوطنية للمناخ وأهداف المساهمات المحددة وطنيا التي أرسلت كلها للأمم المتحدة تحدد "إجراءات فعالة للتعامل مع التغير المناخي".

نحتاج إلى مزيد من المعلومات: تؤكد الوكالة أنه يمكن متابعة التطورات على أرض الواقع وكذلك تغير المخاطر المناخية بشكل أفضل من خلال بذل مزيدا من الجهود. ويجب على القطاع بحسب الوكالة متابعة الإنجازات على صعيد "التقييمات الخاصة بتأثير تغير المناخ، وتنويع تكنولوجيات الطاقة، والتمويل والاستثمار في بناء القدرات للتكيف مع تغير المناخ، وبناء القدرات المؤسسية والفنية".


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • إثيوبيا تنتهي من ملء سد النهضة: أعلنت إثيوبيا الأحد أنها أكملت الملء الرابع والأخير لسد النهضة، وهو ما قوبل بإدانة من مصر والتي اتهمت أديس أبابا بانتهاك القانون الدولي.
  • إطلاق المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر: أصدر رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي قرارا بإنشاء المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر ومشتقاته، والذي وافق مجلس الوزراء على تأسيسه أواخر الشهر الماضي.
  • اهتمام كبير بمحطات الطاقة الشمسية في الساحل الشمالي: أبدت أكثر من 6 تحالفات اهتمامها بمناقصة إنشاء وتشغيل 5 محطات طاقة شمسية في الساحل الشمالي.
  • دمج الطاقة المتجددة في الشبكة القومية: وقعت الشركة المصرية لنقل الكهرباء عقدا مع شركة الاستشارات السويدية أفري لإجراء دراسة جدوى حول دمج مصادر الطاقة المتجددة في الشبكة القومية لنقل الكهرباء.