تبرز الانبعاثات الصادرة عن قطاع الحديد والصلب على رأس التحديات المناخية التي تواجهها البلاد، حيث يطلق القطاع نحو 2.6 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون في الهواء سنويا ويمثل 7% من الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة، وفق خارطة طريق تكنولوجيا الحديد والصلب (بي دي إف) الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة. وللوفاء بمستهدفات صافي الانبعاثات الصفري التي حددتها الوكالة بحلول عام 2050، يحتاج القطاع ككل إلى خفض الانبعاثات بنسبة 25% بحلول عام 2030 وبنسبة 91% بحلول عام 2050، مقارنة بالمستويات المسجلة في عام 2022. ومع ذلك، فإن القطاع يشتهر باستهلاكه الكثيف للطاقة، ولا توجد مسارات سهلة للتحول إلى خطوط إنتاج أكثر صداقة للبيئة.

ستحظى صناعة الحديد والصلب في مصر، على وجه الخصوص، باهتمام متزايد مع دخول آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) حيز التنفيذ بشكل كامل في بداية العام المقبل. ويتوقع أن يكون للآلية الجديدة تأثيرا كبيرا على صادرات القطاع إلى الاتحاد الأوروبي، التي بلغت 862.9 مليون دولار في عام 2024، وفقا لبيانات "كومتريد" التابعة للأمم المتحدة. وستُفرض ضريبة انبعاثات الكربون على صادرات الصلب والحديد، إلى جانب الأسمدة والأسمنت والألومنيوم، المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي بدءا من الأول من يناير 2026، يليها برنامج مماثل للصادرات إلى المملكة المتحدة في بداية عام 2027.

ما هي آلية تعديل حدود الكربون باختصار؟ يشار إلى آلية تعديل حدود الكربون غالبا باسم "ضريبة الكربون الحدودية"، وهي ضريبة انبعاثات الكربون المفروضة على السلع التي يجري توريدها إلى الاتحاد الأوروبي. وجرى تصميمها لوضع "سعر عادل" على الانبعاثات الناجمة عن إنتاج السلع كثيفة الكربون والتي تستوردها الدول الأعضاء في الاتحاد، وتهدف إلى "تشجيع الإنتاج الصناعي النظيف في الدول غير الأوروبية"، وفقا لمفوضية الاتحاد الأوروبي. ويجري احتساب ضريبة الكربون الحدودية على أساس الفرق بين سعر الكربون المحلي — إن وجد — وسعره في الاتحاد الأوروبي.

تمتلك مصر وجيرانها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إمكانات أن تصبح قوة رائدة في مجال الحديد والصلب الأخضر، وفقا لورقة سياسة جديدة (بي دي إف) صادرة عن معهد الكربون. ويمكن للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر الرخيص، والقدرة الراسخة للحديد المختزل المباشر (DRI)، والموقع الجغرافي الاستراتيجي أن تساعد المنطقة ليس فقط على التكيف مع آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) المنتظرة، بل أيضا على إنشاء صناعة جديدة واعدة.

لا يعد الحديد والصلب الأخضر مفهوما غريبا على مصر، حيث أبدت شركات مثل جيندال للحديد والصلب والطاقة اهتمامها بإنشاء مصانع تعمل بالطاقة المتجددة مثل الهيدروجين الأخضر، وغالبا مع وضع التصدير في الاعتبار.

معهد الكربون ليس الأول الذي يشير إلى المنطقة تعتبر مرشحا قويا لقيادة صناعة الحديد والصلب الأخضر. فقد سلط معهد اقتصادياتالطاقة والتحليل المالي الضوء في تقرير (بي دي إف) صدر عام 2023 على مواردنا الشمسية الوفيرة وسوق الحديد الراسخ بالفعل والذي يمكن تحويله تدريجيا للعمل بالطاقة النظيفة. ويرى المعهد أيضا أن التركيز على تصدير الحديد والصلب الأخضر منطقي من الناحية المالية أكثر من التوجه السائد لتصدير الهيدروجين الأخضر.

أحد الأسباب التي تجعل صناعة الصلب والحديد تشكل نحو ربع الانبعاثات الصناعية العالمية هو اعتمادها على الفحم، ولكن هذا أيضا ما يمكن أن يمنح صناعة الصلب والحديد الأخضر في المنطقة ميزة تنافسية. وتمثل المنطقة 3.6% فقط من الإنتاج العالمي للصلب الخام، لكن سوق الحديد المختزل المباشر (DRI) أنتج 44% من الإنتاج العالمي للحديد المختزل المباشر العام الماضي، أي نحو 62.5 مليون طن، وفقا لمعهد الكربون. وتتصدر مصر المنطقة من حيث الطاقة الإنتاجية للحديد المختزل المباشر، خلف إيران فقط.

على عكس الطرق الأخرى، تستخدم تكنولوجيا الحديد المختزل المباشر عادة الغاز الطبيعي كمادة خام، وهو أنظف من الطرق التقليدية لإنتاج الحديد باستخدام الفحم. لا يزال الغاز الطبيعي ملوثا للبيئة، ولكن ما تقدمه تكنولوجيا الحديد المختزل المباشر لمصر والمنطقة هو مسار سهل لاستبدال الغاز الطبيعي بالهيدروجين الأخضر كمادة خام، مما يفتح الباب أمام الصلب الأخضر. وفي المقابل، فإن المنافسين في أوروبا والصين وأماكن أخرى أمامهم طريق أطول لإنشاء صناعة خضراء، حيث يتعين عليهم إنشاء مصانع جديدة لدمج الهيدروجين الأخضر كمدخل.

تمنح إمكانات الطاقة المتجددة في المنطقة ميزة تنافسية أيضا، وتفتح الباب أمام إنتاج هيدروجين أخضر أرخص، وبالتالي صناعة حديد وصلب أخضر أكثر تنافسية. وتحصل المنطقة على 22-26% من الطاقة الشمسية في العالم، والعديد من المناطق — بما في ذلك خليج السويس — تعد مواقع مثالية لمشروعات توليد الكهرباء باستخدام طاقة الرياح.

كدليل على صحة هذا المفهوم، يفتخر مجمع الشعيبة للطاقة الشمسية في المملكة العربية السعودية بإنتاج أرخص كهرباء من الطاقة الشمسية في العالم بسعر 0.0104 دولار للكيلووات ساعة في عام 2025. كما تفتخر مزرعة الرياح في الغاط بالمملكة بأرخص طاقة رياح في العالم بسعر 0.0156 دولار للكيلووات ساعة. وبالنظر إلى أن 50% من تكاليف الهيدروجين الأخضر تنبع من تكلفة الطاقة المتجددة، فإن الطاقة المتجددة الأرخص يمكن أن تعني هيدروجين أخضر أرخص بكثير لصناعة الصلب والحديد الأخضر.

تتمتع المنطقة — ومصر على وجه الخصوص، بفضل قناة السويس — بموقع متميز يمنحها ميزة لوجستية كبيرة، حيث يمكن للموانئ في المنطقة الوصول إلى آسيا أو أوروبا في وقت أسرع بكثير من الموردين الأبعد. كما يساعد تقليص أوقات الشحن في خفض استهلاك الوقود ويخفف ضغوط التخزين.

كما تقلل الطرق الأقصر إلى الأسواق من الانبعاثات، وهو ما يؤخذ في الاعتبار من خلال رسوم الكربون التي تحسب الانبعاثات بحلول الوقت الذي يصل فيه المنتج إلى السوق المستهدفة. ومن المتوقع أن يزداد دور المنطقة في مراكز الحديد الأخضر المخطط لها، وفقا للتقرير.


فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:

  • وضعت شركة صنجرو الصينية للطاقة المتجددة حجر الأساس لمصنعها لبطاريات تخزين الطاقة، والذي تبلغ التكلفة الاستثمارية لمرحلته الأولى نحو 120 مليون دولار، بطاقة إنتاجية 2 جيجاوات.
  • تخطط شركة الطاقة المتجددة الفرنسية "فولتاليا" لاستثمار 250 مليون دولار لتطوير مشروعها للطاقة المتجددة في السويس بقدرة 3.2 جيجاوات، بالشراكة مع شركة طاقة عربية. ومن المتوقع أن تتخطى التكلفة الاستثمارية للمشروع ملياري دولار، ويهدف إلى تحديث وتطوير مزرعة رياح الزعفرانة التي تبلغ قدرتها 545 ميجاوات من خلال إنشاء محطة رياح بقدرة 1.1 جيجاوات ومحطة شمسية بقدرة 2.1 جيجاوات.
  • سندات كربون باسم المتحف المصري الكبير؟ تنسق وزارتا البيئة والسياحة مع إدارة المتحف المصري الكبير لإصدار سنداتكربون بمجرد حصوله على جميع الشهادات الدولية المطلوبة حول الانبعاثات الكربونية.