لعقود طويلة، ظلت التنمية في مصر مقيدة بحدود الشبكة القومية للكهرباء. فإذا لم يكن المشروع قريبا من النيل أو شبكة الطرق القومية، نادرا ما كان يرى النور. لكن فئة جديدة من شركات المرافق الخاصة التي تعمل خارج الشبكة بدأت في إعادة صياغة قواعد اقتصاديات الصحراء، مراهنة على أن مستقبل الصناعة والزراعة المصرية يكمن في المناطق النائية، مدعوما بطاقة نظيفة لامركزية.
وبدلا من انتظار توسعات الشبكة أو المشروعات القومية العملاقة، تتجاوز تلك الشركات الشبكة القومية عبر نموذج بنية تحتية لامركزي يعتمد على إنتاج الطاقة المتجددة والمياه في نقطة الاستهلاك. يعيد هذا النموذج تشكيل اقتصاديات الصحراء، ويخفض التكاليف الأولية، ويفتح جيوبا جديدة للتنمية ذات الجدوى التجارية.
ومن بين الشركات المحلية التي تقود هذا التحول شركة إنجازات المتخصصة في إنتاج الطاقة والمياه، التي نفذت مؤخرا تحولا استراتيجيا من شركة مقاولات عائلية إلى منصة إقليمية للبنية التحتية المستدامة، مستهدفة محفظة تطويرية بقيمة 250 مليون دولار على مدى خمس سنوات، وفقا لما صرح به الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة محمد الدمرداش في مؤتمر صحفي حضرته إنتربرايز هذا الأسبوع.
وقال الدمرداش إن محدودية انتشار الشبكات الحكومية خارج المناطق المأهولة أعاقت استغلال الموارد الطبيعية في المناطق الصحراوية، ولسد هذه الفجوة، تبنت الشركة نموذجا تكامليا يدمج المياه والطاقة والغذاء (WEF Nexus) لإنشاء نقاط تنمية خضراء تدعم الإنتاج الزراعي والصناعي المستدام.
لكن “إنجازات” ليست سوى نقطة واحدة في مسار أوسع. فمن شبكة “كرم سولار” الشمسية في مرسى علم إلى برنامج “نُوَفِّي” الحكومي، يتزايد الزخم حول المرافق الخضراء واللامركزية والمتكاملة التي تنتج المياه والطاقة حيثما تشتد الحاجة إليها، بدلا من نقلها لمسافات طويلة.
ما أهمية هذا؟
لطالما تطلب استصلاح الأراضي الصحراوية إنفاقا عاما ضخما على خطوط النقل ومحطات الرفع وتوسيع الشبكة القومية. وتسمح المرافق خارج الشبكة للمطورين من القطاع الخاص بتجاوز هذه القيود، مما يجعل المشروعات قابلة للتمويل البنكي دون انتظار البنية التحتية الحكومية أو الاعتماد على مصادر طاقة أكثر تلويثا.
نشهد فعليا نهاية نموذج “الشراء والبناء”. تقدم شركات مثل “إنجازات” و”كرم سولار” حلولا بـ “صفر نفقات رأسمالية”، حيث يدفع العملاء تعريفة مرتبطة بالاستهلاك الفعلي مقابل المياه والطاقة لتمويل الأصول. ما كان يمثل في السابق عقبة رأسمالية بملايين الدولارات تحول الآن إلى نفقات تشغيلية قابلة للتنبؤ.
ويخفف هذا النهج الضغط على الشبكة القومية في ظل تحديات تخفيف الأحمال وتقلب الأسعار. ويبرز “التشغيل المنعزل” (Islanding) — أي القدرة على العمل بشكل مستقل عن الشبكة — كضرورة استراتيجية للزراعة الموجهة للتصدير والتصنيع عالي القيمة، خاصة للشركات التي تبحث عن شهادات خضراء لمواجهة مخاوف ضرائب الكربون.
كيف يعمل نموذج “إنجازات” اللامركزي؟
تتحول الشركة نحو منظومات لامركزية تعمل خارج الشبكة القومية، وتدمج المياه والطاقة والغذاء لدعم تنمية المناطق الصحراوية بسرعة وكفاءة. وتعتمد الشركة على أنظمة رقمية لإدارة الأصول عن بُعد، تتبع استهلاك المياه والطاقة وخفض الانبعاثات بدقة، مع توثيق سلاسل الإنتاج الزراعي لتعزيز الشفافية للمستهلك النهائي. ويخضع الأثر البيئي لكل مشروع لمؤشرات قياس رقمية ودراسات أثر بيئي مسبقة، مع مراجعة جهات مستقلة لضمان الالتزام بالمعايير الدولية وإصدار شهادات كربون معتمدة.
ويعتمد الهيكل التمويلي على نماذج “صفر نفقات رأسمالية – Zero-Capex” و”الدفع حسب الاستهلاك – Pay-as-you-go”، حيث تمول “إنجازات” الأصول مقابل تعريفة مرتبطة بالاستهلاك الفعلي، بعقود طويلة الأجل. وساهم تراجع أسعار الفائدة واستقرار سعر الصرف في إعادة الزخم للاستثمار بالبنية التحتية المستدامة، مع توجه متزايد للاعتماد على التمويل المحلي بالجنيه.
وفورات تشغيلية ملموسة: يحقق النموذج وفورات كبيرة في استهلاك المياه مقارنة بالطرق التقليدية، مع كفاءة استخدام مرتفعة في بعض التطبيقات الزراعية، إلى جانب توفير طاقة نظيفة بتكلفة أقل من الديزل والشبكات التقليدية، مستفيدة من مستويات السطوع الشمسي المرتفعة في مصر. وتصل مساهمة الطاقة الشمسية في بعض المصانع إلى نحو 30% من إجمالي الاستهلاك، بينما تحقق تقنيات معالجة المياه وإعادة استخدامها كفاءة تصل إلى 96%، ما ينعكس في خفض فواتير المرافق وتعزيز استقلالية الطاقة وتحقيق عوائد تشغيلية وبيئية في الوقت نفسه، بحسب الدمرداش.
تضم محفظة “إنجازات” مشروع “SAVE-1” الذي يعتمد كليا على الطاقة الشمسية والمياه الجوفية على مساحة 2200 فدان في واحة الداخلة، ومحطة تحلية “SAVE-2” في منطقة المغرة ضمن مشروع الـ 1.5 مليون فدان. وتتعاون الشركة أيضا مع “نستله” لإنتاج منتجات غذائية منخفضة الكربون، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات طاقة شمسية وصناعية كبرى في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعين السخنة.
وتقدم “إنجازات” أيضا حلول الطاقة الشمسية لمراكز تسوق تابعة لمجموعة ماجد الفطيم في مصر ولبنان، وتعمل مع “إي فاينانس” والبنك الأهلي المصري لتقديم حلول تمويلية لصغار المزارعين لدعم التحول إلى أنظمة الري الحديث.
وبينما تظل مصر سوقها الأساسية، توسع “إنجازات” عملياتها في الإمارات ولبنان، مع خطط لدخول أسواق غرب أفريقيا بعد عام 2026، بحسب الدمرداش. وتدرس الشركة فرص الشراكة مع الحكومة المصرية عبر نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، خاصة في مشروعات تحلية المياه والبنية التحتية الزراعية. وعلى مستوى هيكل رأس المال، تدرس الشركة سيناريوهات للنمو خلال السنوات الخمس المقبلة تشمل طرح حصة أقلية في البورصة المصرية أو إحدى البورصات الإقليمية، أو إدخال شريك استراتيجي لدعم التوسع وتسريع تنفيذ المشروعات، حسبما أضاف الدمرداش.
وتعمل “إنجازات” على إطلاق أول مشروع موثق لإصدار شهادات كربون، مع اعتبار بيع هذه الشهادات جزءا من العائد المالي للمشروعات، وفقا لما قاله الدمرداش، مشيرا إلى بلوغ هذا الإصدار مرحلة المصادقة والتحقق. وتشير بيانات الشركة إلى تحقيق وفورات كبيرة في استهلاك المياه مقارنة بالطرق التقليدية، مع اعتماد واسع على مصادر الطاقة النظيفة، ما يعزز جاذبية مشروعاتها للمستثمرين المهتمين بالاستدامة والتمويل الأخضر، ويعكس تحولا متسارعا في دور شركات البنية التحتية الخاصة من منفذي مشروعات إلى مطوري منصات استثمارية طويلة الأجل في قطاع المناخ.