تمضي الحكومة بخطى ثابتة على طريق جهودها التي تستهدف توسيع الشبكة القومية لرصد مستويات الضوضاء، إذ انتهت وزارة البيئة من تركيب أول محطة للرصد اللحظي في محافظة السويس الأسبوع الماضي، ليرتفع إجمالي عدد المحطات على مستوى الجمهورية إلى 44 محطة، وفقا لبيان صادر عن الوزارة. لا يتجاوز البُعد النظري لهذه الخطوة حسبما يبدو كونه مجرد تحديث إداري روتيني ضمن خطة توسيع الشبكة التي بدأت عام 2007. بيد أن الصورة الأوسع تُكشف النقاب عن المزيد، إذ يمثل هذا جزءا من جهود محورية تهدف إلى رسم خريطة لعامل ملوث خفي يستنزف الاقتصاد المصري.

ثمة حقيقة اقتصادية راسخة تدفع هذا التحول، وهي أن الضوضاء مؤشر على عدم الكفاءة؛ لأن الشارع الصاخب تغلب عليه زيادة الانبعاثات، والمصنع المزعج يهدر الطاقة في أغلب الأحوال، بل إن المدينة الصاخبة ترتفع فيها تكاليف الرعاية الصحية وتتراجع فيها إنتاجية العمالة.

الضوضاء وسيلة لتتبع الانبعاثات الكربونية

لا تقتصر القيمة الاستراتيجية المباشرة لشبكة رصد الضوضاء على الهدوء والسكينة وحسب، بل يمتد أثرها البيئي إلى انبعاثات الكربون بالكربون. قال مصدر حكومي بارز لإنتربرايز: “توجد علاقة وثيقة بين مستويات الضوضاء والانبعاثات الكربونية”.

تكشف بيانات الضوضاء النقاب عن الأنماط اللحظية للتكدس المروري والنشاط الصناعي، وتسمح للدولة بتحديد النقاط الساخنة التي يرجح أن تتجاوز فيها الانبعاثات المستويات المستهدفة. في القاهرة، حيث تسجل المحطات بشكل دائم مستويات تتجاوز 70 ديسيبل نهارا و60 ليلا، يعد مشهد الضوضاء انعكاسا مباشرا لمدينة تعاني من التلوث الكربوني.

“يعكس تحليل بيانات الرصد الأنماط المرورية في المنطقة، ويكشف ما إذا كانت هناك حاجة لتوسيع الطرق أو إنشاء محاور مرورية جديدة لتحسين التدفق المروري”، حسبما قال المصدر. وأضاف أن “انسيابية المرور تؤدي إلى ضوضاء أقل، وبالتالي انبعاثات أقل”.

صوت الآلات القديمة وقليلة الكفاءة

“في المناطق الصناعية، تشير مستويات الضوضاء المرتفعة في الغالب إلى وجود آلات متهالكة واستخدام غير كفء للطاقة”، بحسب المصدر الحكومي. إذ إن الآلات ذات الصوت العالي تهتز غالبا بشكل أكبر، وتهدر حرارة أكثر، وتستهلك وقودا أكثر.

ويجري حاليا طرح بيانات المرصد لتكون بمثابة دليل توجيهي للسياسات، من خلال تحديد المناطق ذات مستويات الضوضاء العالية بهدف توفير حوافز مستهدفة أو تمويل لتحديث المعدات. فالحاجة إلى استبدال توربين قديم مرتفع الصوت ليست مجرد حماية لآذان العمال، بل خطوة لتقليل البصمة الكربونية للمصنع وخفض فاتورة الطاقة.

فوائد صحية واقتصادية لمكافحة التلوث السمعي

تنعكس التكلفة الاقتصادية للضوضاء بوضوح في موازنة الرعاية الصحية للدولة. في حين يستحوذ تلوث الهواء عادة على الاهتمام، يأتي تصنيف الضوضاء في المركز الثاني ضمن قائمة منظمة الصحة العالمية لأكبر المسببات البيئية للمشاكل الصحية. ويرتبط التعرض المزمن للضوضاء بأمراض القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات النوم.

ولذا فإن بيانات شبكة الرصد تشير إلى أن توسيع جهود الرصد هي حتمية اقتصادية. قال المصدر إن “تغير المناخ يرتبط بمشاكل صحية مثل الإجهاد الحراري وارتفاع ضغط الدم”، مضيفا أن الضوضاء تضاعف شدة هذه الحالات. وتستخدم البيانات حاليا للدعوة إلى إنشاء نطاقات عازلة خضراء — أي أحزمة من النباتات التي تمتص الصوت والكربون معا — حول المستشفيات لتخفيف آثار صخب المدينة على تعافي المرضى.

وهذا الفقدان المشهود في سنوات الحياة الصحية للقوى العاملة المصرية يؤدي إلى تسرب كبير في الناتج المحلي الإجمالي. وفي بلد ينتشر فيه القطاع غير الرسمي والورش عالية الكثافة، لا يعد فقدان السمع الناجم عن الضوضاء والإرهاق المرتبط بالتوتر مآس شخصية فحسب، بل عوائق أمام الإنتاجية الوطنية. باختصار: كلما زاد صخب أرضية المصنع، قلت إنتاجيته.

التأثير على صحة البيئة يثير القلق أيضا

تحجب مستويات الديسيبل المرتفعة الإشارات الصوتية التي تستخدمها الحيوانات للتزاوج، وتجنب المفترسات، وتحديد الاتجاهات. ولما كان قطاع السياحة البيئية في مصر يعتمد في الأساس على النظام البيئي العام، فقد تحمل الضوضاء المفرطة تأثيرات ضارة وخطيرة.

الضوضاء تسهم بدور كبير في تشكيل مدننا

لعل القطاع العقاري هو أكثر القطاعات التي أُعيد تشكيلها بسبب الضوضاء. فقد أصبح المشهد الصوتي محركا رئيسيا للهجرة الداخلية الكبيرة في مصر. إذ إن مستويات الضوضاء الشديدة في وسط القاهرة — التي قد تصل في المتوسط إلى 90 ديسيبل، وهو ما يعادل الوقوف بجوار جزازة عشب تعمل لمدة ثماني ساعات يوميا — تغذي النزوح إلى المجمعات السكنية التي تقع في ضواحي المدينة.

وفي حين أشعلت هذه الهجرة طفرة في البناء، فإنها تأتي بتكلفة عالية على الدولة. يقلل هذا الهروب الحضري من قيمة العقارات في مراكز المدن التاريخية، ويضع عبئا هائلا على الحكومة لتوفير البنية التحتية لربط المدن الجديدة المترامية الأطراف. فقد أصبح الهدوء الآن سلعة مكلفة، مما يخلق فجوة اقتصادية؛ إذ لا يستطيع سوى الطبقات المتوسطة والعليا — في المدن على الأقل — تحمل تكلفة العيش في بيئة منخفضة الضوضاء.