تغير المناخ يثقل كاهل الشركات المحلية بضغوط جديدة: على الرغم من أن الحديث عن تغير المناخ غالبا ما يركز على الآثار المستقبلية، إلا أنها أصبحت ملموسة حاليا في جميع أنحاء العالم. وللأسف، هذا الأمر ينطبق بشكل خاص على مصر حيث كشفت موجات الحر القياسية هذا الصيف عن التهديد الذي تشكله درجات الحرارة المرتفعة على العديد من قطاعات الاقتصاد الرئيسية في البلاد. وقد تصدرت الزراعة والصيد والسياحة والأسمدة والصناعة عناوين الأخبار بالفعل، إذ تبحث الشركات والحكومة عن طرق للتكيف مع هذا الواقع الأكثر سخونة.
ارتفاع درجات الحرارة يزيد الضغط على الموارد المائية للقطاع الزراعي: مع الصيف الحار الذي وصلت فيه درجات الحرارة في أسوانقرابة 50 درجة مئوية في أوائل يونيو قبل بدء فصل الصيف رسميا، كان على مزارع البلاد استخدام كميات من المياه أكبر بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة، إذ تتطلب درجات الحرارة المرتفعة زيادة عدد مرات الري وكميات المياه بنحو 10-15%، أو أحيانا تصل إلى 20%، للقطاع الزراعي الذي يستهلك 80% من موارد المياه الشحيحة بالفعل في مصر، وفقا لما قاله محمد فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، لإنتربرايز.
ويقلص إنتاجية المحاصيل وجودتها: لا تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تقليل إنتاجية المحاصيل فحسب، بل إنها تسرع أيضا من معدل نضجها وتؤثر سلبا على جودة المنتجات وحجمها. لا تقتصر هذه التحديات فقط على أن المزارعين يحصدون أقل بكثير مما كانوا يأملون ويضطرون لإعادة حساب تكاليفهم، ولكنها تنطوي أيضا على عدم القدرة على التنبؤ بمواعيد نضج المحاصيل، الأمر الذي يعطل سلاسل الإمداد. على سبيل المثال، نضجت المانجو بشكل أسرع من المتوقع هذا الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى اضطرابات في الإمداد وتكبد المزارعين خسائر كبيرة، نظرا لانتهاء الموسم أبكر بكثير من المتوقع.
أضرار ارتفاع درجات الحرارة تتكشف ببطء منذ سنوات: بين عامي 2010 و2021، انخفض إنتاج الخضروات بنحو 20%، ليصل إلى 12.1 مليون طن من 15.1 مليون طن، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء. وقد تأثرت بعض المحاصيل أكثر من غيرها، بما في ذلك البطاطس التي شهدت انخفاض إنتاجية الفدان الواحد بنسبة 25-35% على مدار العقد الماضي إلى 13-15 طنا للفدان، وفقا لما قاله نقيب الفلاحين والمنتجين الزراعيين فريد واصل لإنتربرايز، مشيرا إلى معاناة محصول الطماطم من مصير مشابه، بعدما تعرضت نسبة كبيرة منه للتلف أثناء النضج وبعد الحصاد. كما انعكس انخفاض الإنتاج الزراعي على ارتفاع الأسعار مع تجاوز الطلب لمستويات العرض.
انخفاض إنتاجية المحاصيل انعكس على نصيب الفرد من الخضروات: انخفض استهلاك الفرد الواحد من الخضروات بأكثر من 45%، ليصل إلى 72.5 كيلو جرام في عام 2021 من 133.5 كيلو جرام في عام 2010، وفقا لدراسة من كلية الزراعة بجامعة القاهرة.
يشير الكثيرون إلى صيف عام 2021 باعتباره لحظة فاصلة لقطاع الزراعة: على الرغم من معاناة المزارعين من ارتفاع درجات الحرارة لسنوات عديدة وتسجيل انخفاض في المبيعات، شهد صيف عام 2021 انخفاضا حادا في محصول أشجار الزيتون ومزارع المانجو خلال النصف الأول من العام – كان الأسوأ منذ عقود. كان هذا بمثابة جرس إنذار للكثيرين حول مدى ضعف مصر وقطاع إنتاجها الغذائي أمام ارتفاع درجات الحرارة، مما دفع كل من القطاعين العام والخاص إلى أخذ القضية على محمل الجد.
إلى جانب الحملة العالمية للحد من الاحتباس الحراري، فإن جزءا من الحل للمزارعين هو التكيف مع الصيف الأطول والأكثر سخونة: إحدى الطرق المهمة التي يمكن للمزارعين التركيز عليها لتفادي أضرار ارتفاع درجات الحرارة هي استخدام أصناف محاصيل جديدة أكثر مقاومة لتغير المناخ، وفقا لما قاله فهيم لإنتربرايز، لافتا إلى وجود أصناف محاصيل جديدة أكثر ملاءمة للتعامل مع الصيف المبكر والشتاء المتأخر، اللذين أصبحا شائعين في مصر. كما عملت وزارة الزراعة على تطوير أصناف محاصيل ذات مقاومة أكبر لمواسم الصيف الطويلة، حسبما أفاد فهيم.
تغير المناخ قد يتحمل أيضا مسؤولية انخفاض إنتاجية الثروة السمكية في البلاد: فقدت مصر نحو 12 ألف طن من إنتاج المصايد الطبيعية للأسماك الذي تراجع إلى 168.5 ألف طن بين عامي 2020 و2022 بسبب التغيرات المناخية، وفقا لما قاله رئيس جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية صلاح مصيلحي لإنتربرايز. أثر نقص المياه وارتفاع مستوى سطح البحر بصورة قوية على المصائد الطبيعية للأسماك في البلاد، لا سيما بسبب قلة الوعي بكيفية التعامل مع هذه التغيرات. كما تقلصت كميات الأسماك التي جرى صيدها على طول ساحل البحر المتوسط وحده في البلاد بنحو 50% بين عامي 2011 و2019، بسبب التغيرات المناخية والصيد الجائر، وفقا لما قالته الباحثة البيئية ميريام خلف الله.
كما تأثر القطاع الصناعي مؤخرا: ساهم الصيف الحار غير المعتاد، الذي أدى إلى استنزاف إمدادات الطاقة، في حدوث انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي مما أثر على النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد. واجهت بعض الصناعات صعوبات أكبر من غيرها، إذ تعرضت المصانع في صناعات الحديد والصلب والبتروكيماويات والأسمدة والأغذية وحتى مزارع الدواجن لاضطرابات تشغيلية وصلت إلى حد الإغلاق الكامل بسبب نقص الغاز مما أدى إلى وقف تشغيل العديد من المصانع مؤقتا.
قطاعا الأسمدة والبتروكيماويات الأكثر تضررا: اضطر العديد من منتجي الأسمدة والبتروكيماويات إلى وقف تشغيل مصانعهم أكثر من مرة هذا الصيف لفترات وصلت إلى أسبوعين بسبب انقطاع إمدادات الغاز. أدى انخفاض الإنتاج والكمية المحدودة بدوره إلى ارتفاع أسعار الأسمدة، مما قد يكون له تأثير خطير على أسعار المحاصيل المحلية وكيفية حساب المزارعين المصريين للتكاليف لهذا الموسم، وفقا لما قاله يوسف البنا، المحلل المالي الأول لدى شركة النعيم للبحوث وتداول الأوراق المالية، لإنتربرايز.
لكن قطاع السياحة لم يتأثر بالحرارة بعد: كان هناك تأثير محدود على قطاع السياحة حتى الآن، حيث امتدت موجات الحر إلى دول أخرى عبر البحر الأبيض المتوسط وفي أوروبا بشكل عام بدرجات متفاوتة، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي لمجموعة جاز للفنادق علاء عاقل لإنتربرايز، مضيفا أنه “من المستبعد أن يكون هناك تأثير كبير على مصر كوجهة جذابة للسياح بسبب هذه الموجة الحارة”. ويعني تنوع الوجهات السياحية في مصر أن المناطق الأكثر سخونة مثل الأقصر وأسوان تشهد المزيد من الحجوزات في الشتاء، بينما تنتقل الحجوزات إلى المناطق الواقعة على البحرين الأحمر والمتوسط خلال الصيف، حسبما أوضح عاقل.
فيما يلي أهم الأخبار المرتبطة بالحفاظ على المناخ لهذا الأسبوع:
- مطالب بإلغاء حظر الصيد بالبحر الأحمر: قدم الاتحاد التعاوني للثروة المائية مذكرة إلى رئاسة مجلس الوزراء اعترض فيها على قرار حظر الصيد بالبحر الأحمر لمدة خمس سنوات. (البورصة)
- عقدت لجنة السياسات البيئية والمناخية اجتماعها الأول يوم السبت. وتهدف اللجنة الجديدة إلى توجيه التحول الأخضر في البلاد، وتحديد الأهداف والمسؤوليات والتنسيق بين الجهات المعنية من أجل حشد التمويل للمبادرات الخضراء. (بيان)
- “الطاقة المتجددة” تخصص أراض للمستثمرين لتنفيذ مشروعات جديدة: خصصت هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة قطع أراضي تبلغ مساحتها 31 ألف كيلومتر مربع للمستثمرين الراغبين في إنشاء مشروعات طاقة متجددة.