تغير الحرب على إيران أساليب طرح ملف الطاقة المتجددة حول العالم؛ إذ صرح سيمون ستيل، الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، لوكالة رويترز قائلا: "إذا كانت هناك لحظة لتسريع عملية تحول الطاقة وكسر قيود التبعية التي كبلت الاقتصادات، فهي الآن". ومع تعطل تدفقات الطاقة العالمية إثر إغلاق مضيق هرمز، شهدت أسعار الوقود الأحفوري التي وصلت إلى الأسواق الدولية زيادات حادة، مما ساعد في إعادة صياغة مفهوم الطاقة المتجددة بالنظر إليها من منظور الأمن القومي وسيادة الطاقة، وليس بوصفها محض قضية بيئية.
لماذا يكتسب هذا الأمر أهمية؟ يمتد تأثير ارتفاع أسعار الطاقة ليشمل كافة قطاعات الاقتصاد العالمي، لكن الدول الأكثر تضررا هي المستوردة الصافية للطاقة، مثل مصر. إذ قفزت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية في مصر من 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.7 مليار دولار لنفس الكميات حاليا، بزيادة تقترب من 1.1 مليار دولار شهريا، حسبما أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يوم الأربعاء (شاهد 37:18 دقيقة). وأضاف مدبولي أن ثمة زيادات مماثلة في أسعار خام النفط والسولار والبوتاجاز، تزيد بدورها من فاتورة استيراد الطاقة التي تتحملها الحكومة، مؤكدا عدم وجود أفق زمني واضح لعودة الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية.
الطاقة المتجددة قضية أمن وسيادة قومية
تكمن الميزة الرئيسية للطاقة المتجددة في أنها "بمجرد اكتمال البنية التحتية، لا تعود الكهرباء رهينة لتقلبات أسعار النفط والغاز"، حسبما صرحت به غوى النكت، المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال حديثها إلى إنتربرايز. وأوضحت أن "ذلك يجعل الطاقة المتجددة أصلا استراتيجيا ضامنا للاستقرار، وفي سياقنا الجيوسياسي المتقلب، تعد شرطا مسبقا لأمن الطاقة، وليست مجرد حل مناخي".
تدرك مصر تماما أن "الإفراط في الاعتماد على واردات النفط والغاز يعرض البلاد لمخاطر اقتصادية وجيوسياسية"، مشيرة إلى تجربة البلاد الأخيرة مع نقص الطاقة وواردات الغاز المسال باهظة الثمن، حسبما أضافت. وعلى عكس الوقود الأحفوري المستورد الذي يخضع للاضطرابات والأعباء المالية غير المتوقعة ومخاطر انقطاع التيار، فإن تكاليف وإنتاج الطاقة المتجددة يمكن التنبؤ بها بمجرد إنشائها.
وتجادل النكت بأن "أمن الطاقة هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، لكن أمن الطاقة الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال سيادة الطاقة". ومن أجل تحقيق ذلك، تحتاج الدول إلى الاستثمار في "مصادر طاقة محلية موثوقة وبأسعار معقولة للحد من التأثر بصدمات الأسعار العالمية مع ضمان استقرار تدفقات الكهرباء إلى المرافق الحيوية"، وتعد الطاقة المتجددة المصدر الأفضل لتحقيق هذا الهدف؛ نظرا إلى أنها "محلية، ومرنة، وأقل عرضة للاضطرابات الجيوسياسية مقارنة بالوقود الأحفوري".
فمن شأن الطاقة المتجددة أن تصير أكثر أهمية في حالات التعرض لهجمات، نظرا لطبيعتها التي تسمح باللامركزية؛ حسبما قالت النكت لإنتربرايز. وأضافت: "يمكن توزيع المصادر المتجددة اللامركزية فوق الأسطح والمباني العامة والمزارع والمصانع، بدعم من أنظمة التخزين والشبكات الذكية"، مما يعني الحصول على نظام أكثر مرونة يوزع المخاطر ويحافظ على تشغيل الخدمات الأساسية بالقرب من أماكن الطلب، على عكس الطبيعة المركزية للبنية التحتية للنفط والغاز.
"ما نشهده في الشرق الأوسط يجب أن يكون بمثابة ناقوس خطر لصناع السياسات والحكومات في منطقتنا"، بحسب النكت. وفي حين تظل الاعتبارات المالية بالغة الأهمية، فإن الدوافع وراء تبني الطاقة المتجددة ستتغير، وفق ما صرح به حاتم توفيق، العضو المنتدب لشركة "كايرو سولار، في حديثه إلى إنتربرايز.
الجدوى الاقتصادية حاضرة بالفعل
حتى قبل اندلاع الصراع، كانت الطاقة المتجددة ذات جدوى مالية واضحة. "كل 10 ميجاوات من الألواح الشمسية تبلغ تكلفتها حوالي 1.5 مليون دولار تحقق وفورات في الغاز بقيمة 1.5 مليون دولار سنويا"، بحسب توفيق. وهذا يعني فعليا أن الاستثمار يمكن أن يسترد تكلفته خلال عام واحد فقط، مما يجعله أحد أسرع خيارات البنية التحتية عائدا.
ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية في هيكل التسعير المصري، حيث يُشترى الغاز بنحو 14 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية ويُباع لقطاع الكهرباء بـ 4 دولارات. وتخلق هذه الفجوة عبئا ثقيلا من الدعم على كاهل الدولة، ومن ثم فإن استبدال الغاز لتحل الطاقة الشمسية محله يساعد في تقليل التبعية للاستيراد والضغوط المالية بمرور الوقت.
وتخطط مصر لتسريع تنفيذ مشروعات طاقة متجددة بقيمة ملياري دولار لإضافتها للشبكة القومية قبل الصيف المقبل، بقدرة إجمالية تصل إلى 3.1 جيجاوات، مع التوسع في أنظمة التخزين لتخفيف الضغوط خلال فترات ذروة الطلب وقيود الإمداد المرتبطة بالأسعار العالمية، حسبما صرح به مسؤولون حكوميون لإنتربرايز. ومن المتوقع أن تستحوذ الطاقة الشمسية على النصيب الأكبر من هذه الإضافات بنحو 1.5 جيجاوات، مع إلزام المشروعات الجديدة بتضمين أنظمة تخزين بالبطاريات لرفع الكفاءة وإدارة الأحمال بشكل أفضل.
وتشير أحدث البيانات أيضا إلى أن توليد الكهرباء من المصادر المتجددة في مصر وصل إلى مستوى قياسي بلغ 9.1 جيجاوات، صعودا من 6.4 جيجاوات في عام 2023، وفقا لوثيقة رسمية اطلعت عليها إنتربرايز، مما يؤكد وجود تقدم مطرد وإن كان لا يزال غير كاف لإنهاء التعرض الهيكلي لتقلبات الأسواق.