تضع مصر حاليا حجر الأساس لنظام وطني يمنح المنتجات البلاستيكية "علامة خضراء"، من خلال البدء بمرحلة تجريبية تستهدف مواد التعبئة والتغليف والأكياس البلاستيكية، في إطار مساع أوسع للتحول نحو الاقتصاد الدائري، وفق ما ورد في بيان صادر عن وزارة البيئة. وستُمنح هذه الشهادة للمصنعين الذين يعيدون تصميم منتجاتهم لتصبح قابلة لإعادة التدوير، أو يدمجون موادا معاد تدويرها في منتجاتهم، أو يستخدمون موادا قابلة للتحلل الحيوي.
من المتوقع أن يتسع نطاق النظام بمرور الوقت ليشمل جميع القطاعات الصناعية، حسبما صرح به الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات ياسر عبد الله لإنتربرايز. وتقترب الجهات التنظيمية من الانتهاء من صياغة اللوائح الخاصة بالنظام، تمهيدا لإطلاقه على نطاق أوسع تحت مظلة قانون البيئة، بالتزامن مع تطوير أدلة إرشادية فنية ونظام تسجيل إلكتروني للمنتجين، وفقا للوزارة.
لماذا يعد هذا مهما: تتعامل الحكومة مع قطاع البلاستيك كحالة اختبار محدودة النطاق لتجربة مدى الالتزام بمعايير التصنيع الأخضر والإنتاج المستدام قبل التوسع في تطبيقها على قطاعات أخرى، حسبما أوضح عبد الله. وستركز المرحلة الأولية على المنتجات الشائعة الاستخدام، مثل الأكياس البلاستيكية ومواد التعبئة والتغليف، التي سيتعين على منتجيها تلبية معايير بيئية محددة للحد من التلوث. وتتعاون السلطات بالفعل مع عدد من المصانع، استعدادا لإطلاق النظام، بجانب خطط لتوسيعه تدريجيا كي يشمل صناعات أخرى في إطار انتقال أوسع نحو التصنيع الأخضر.
يضع تصميم النظام أيضا الصادرات في الحسبان؛ إذ أوضحت المصادر لإنتربرايز أن المناقشات حول العلامة الخضراء تتماشى مع استعدادات مصر لآلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (CBAM). ويهدف هذا إلى مساعدة المصنعين المصريين على خفض الانبعاثات وتلبية المعايير الدولية المتطورة، مما يعزز قدرتهم التنافسية في أسواق التصدير التي باتت تمنح الاستدامة أولوية متزايدة.
يعكس هذا التحول في السياسات إعادة تفكير أوسع نطاقا، لكن العاملين في القطاع يرون أن إعادة التدوير وحدها لن تحل المشكلة. فمع أن مصر أحرزت تقدما في توسيع البنية التحتية لإعادة التدوير وزيادة الوعي على مدى السنوات الخمسة الماضية، لا يزال النهج الحالي يولي تركيزا كبيرا إلى الحلول اللاحقة للمشكلة، وفق ما قالته منار رمضان، الشريكة المؤسسة ورئيسة قسم البحث والتطوير في شركة بانلاستيك مصر لإنتربرايز. وترى رمضان أن الاستراتيجية الأكثر نجاعة تتمثل في التركيز على الحد من استخدام البلاستيك من المنبع، عبر سياسات أكثر صرامة، على شاكلة فرض حظر أو رسوم إضافية، وهو ما لا يزال غائبا إلى حد كبير. وأضافت أيضا أن التركيز الأساسي لا يجب أن ينصب على إعادة التدوير، إذ تأتي في مرتبة متأخرة ضمن هرم إدارة المخلفات بعد تقليل الاستهلاك وإعادة الاستخدام.
الطلب على إعادة التدوير يرتفع، لكنه لا يزال متذبذبا. يتزايد الاهتمام بالمنتجات البلاستيكية المعاد تدويرها، لا سيما بين الشركات والمستهلكين، حسبما ترى رمضان. وتطلب الشركات بشكل متزايد موادا معاد تدويرها لمنتجات معينة، بالإضافة إلى أن المستهلكين أصبحوا أكثر تقبلا لاستخدامها. وهذا الطلب ليس منتظما دائما، فأحيانا يحركه "الترند" أكثر من كونه تغيرا سلوكيا طويل الأمد، حسبما أشارت رمضان. وأضافت أنه رغم تحسن مستوى الوعي، فإنه لم يترجم بعد إلى طلب مستقر وواسع النطاق في مختلف أنحاء القطاع.
السر في العلامة الخضراء.. شريطة التطبيق الفعال. من المتوقع أن تسهم الشهادة في زيادة الوعي وجعل المنتجات الصديقة للبيئة أكثر وضوحا في السوق، مما قد يدعم نمو الشركات التي تتبنى ممارسات صديقة للبيئة. غير أن فاعلية النظام تعتمد على المراقبة والتنفيذ الصحيحين. إذ إن غياب رقابة واضحة قد يصاحبه خطر إساءة استخدام العلامة الخضراء، ومن شأن هذا أن يقوض مصداقيتها، حسبما تعتقد رمضان.
التكلفة تظل عائقا رئيسيا. لا تزال عملية إعادة التدوير تواجه تحديات هيكلية تحد من قابليتها للتوسع. وتوضح رمضان أنها تكون أكثر تكلفة من استخدام المواد الخام الأساسية، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة والمعالجة، مما يجعلها أقل جاذبية للمصنعين. ويبدو أن هذا الخلل في التكلفة يثني الشركات عن الاعتماد على المدخلات المعاد تدويرها، حتى مع بدء نمو الوعي والطلب.
القطاع غير الرسمي: عقبة وجزء حيوي من المنظومة في آن واحد. تعتمد منظومة إدارة المخلفات في مصر اعتمادا كبيرا على جامعي القمامة غير الرسميين، الذين يتعاملون مع حصة كبيرة من المواد القابلة لإعادة التدوير. فمن منظور السياسات، ثمة أهمية كبرى من وراء إضفاء طابع رسمي على النظام ، لكن استبعاد جامعي القمامة غير الرسميين قد يضعف الكفاءة العامة للمنظومة، وفق ما قالت رمضان. إذ إن متطلبات دمجهم في نظام أكثر تنظيما لا تقتصر على ما يُعرف بالشمول التشغيلي فحسب، بل نحتاج أيضا إلى تحسين الحماية الاجتماعية، مثل توفير التأمين الصحي وتحسين ظروف العمل. ويصعّب حجم المخلفات المتولدة في مصر على الأنظمة الرسمية وحدها إدارة عمليات الجمع والفرز، مما يعزز الحاجة إلى نهج هجين يعتمد على الشبكات غير الرسمية القائمة، بدلا من إقصائها، بحسب رمضان.
تنتقل مصر إلى ما هو أبعد من مجرد توسيع قدرات إعادة التدوير، لتتجه نحو التأثير على كيفية طرح المنتجات في السوق من الأساس. فربما تساعد العلامة الخضراء في إعطاء إشارة أوضح لكل من المنتجين والمستهلكين، لكن أثرها الحقيقي سيعتمد على التطبيق الفعال، وديناميكيات التكلفة، ومدى مراعاتها لواقع منظومة المخلفات الحالية في مصر.