قبل عقد من الزمان، برزت زراعة الأسطح كأحد أفضل الحلول البيئية الواعدة في القاهرة؛ إذ سارعت الشركات الناشئة ووكالات التنمية إلى تركيب مزارع صغيرة في الأحياء منخفضة الدخل، مروجة لها كوسيلة لإنتاج الخضراوات، وتوليد دخل إضافي للأسر، وخفض حرارة المباني في آن واحد، سعيا لحل عدة مشكلات عبر وسيلة واحدة. واليوم، لم يعد السؤال يتعلق بمدى إمكانية نمو الخضراوات فوق أسطح القاهرة، وإنما أصبح يكمن في مدى جدوى هذه الفكرة كنموذج أعمال مستدام.

لم تختفِ الفكرة، بل تحولت لتستهدف شريحة كبار العملاء؛ فما تبلور على أرض الواقع لم يكن انتشارا شعبيا واسعا للمزارع فوق أسطح الأحياء السكنية كما تخيل داعموه الأوائل، وإنما تشكل سوق تجاري أصغر حجما يرتكز على الزراعة المائية والزراعة الخاضعة لظروف محكومة واستهداف العملاء من الشركات والمؤسسات. إذ اصطدم حلم تحويل كل سطح متاح إلى مصدر غذاء منزلي بتحديات التكلفة والصيانة وحقوق الملكية وطبيعة المباني في القاهرة. وتوضح زينب حافظ، مؤسسة المبادرة المصرية للزراعة الكهروضوئية، في تصريحات لنشرة إنتربرايز أن "التحدي لم يكمن في كيفية زراعة المحاصيل بقدر ما تمثل في بناء منظومة متكاملة قادرة على دعم استمرارية زراعة الأسطح وتجاوز مرحلة المشاريع التجريبية الأولى".

ويبدو، بلغة الأرقام على الأقل، أن شركة شادوف تمكنت من تحقيق إنجاز فعلي، علما بأنها من أولى الشركات التي اقتحمت هذا المجال في مصر؛ إذ أنشأت أكثر من 110 مزارع فوق الأسطح بمساحة تقارب 1,300 متر مربع في القاهرة بحلول عام 2012، قبل أن تتوسع لاحقا عبر برامج كبرى بدعم من الجهات المانحة. وشهد عام 2019 تأسيس مشروع مدعوم استهدف 500 أسرة في منطقة حلوان، ونجح بالفعل في زراعة ألف متر مربع وتدريب 840 شخصا، فيما تشير الشركة إلى أن إجمالي ما سلمته بلغ 710 مزرعة.

وإذا كانت عمليات التركيب والإنشاء تبدو يسيرة، فإن كل ما يعقبها من مراحل تشغيلية يمثل التحدي الحقيقي، إذ لا يمكن ترك مزارع الأسطح لتعمل تلقائيا دون متابعة؛ فالمضخات معرضة للأعطال، ومستويات المغذيات تتطلب إدارة مستمرة، فضلا عن حاجة النباتات للحماية من درجات الحرارة المرتفعة، لاسيما خلال فصل الصيف الحار في القاهرة. كما يحتاج المزارعون إلى ضمان الحصول المستمر على البذور والأسمدة وقطع الغيار، بجانب إيجاد منافذ لبيع محاصيلهم، وتأتي انقطاعات التيار الكهربائي وعدم انتظام إمدادات المياه لتفاقم المخاطر التشغيلية. وفي العديد من المشاريع التجريبية الأولى، لم يقتصر دور الشركات الناشئة على تركيب المعدات فقط، بل تولت تدريب السكان ومراقبة الإنتاج، وساهمت أحيانا في تسويق الخضراوات، لكن فور غياب هذا الدعم، تجد الأسرة نفسها في مواجهة أعباء إدارة مشروع زراعي صغير بعوائد غير مضمونة.

ولطالما كانت الحسابات الاقتصادية لهذه المشاريع معقدة؛ فتكاليف التركيب ما زالت مرتفعة، في حين تظل العوائد المالية غير مضمونة ما لم يوجه الإنتاج نحو المحاصيل عالية القيمة أو الأسواق التجارية، حسبما ذكرت زينب. وتتفاقم المشكلة بفعل القيود الهيكلية التي تفرضها طبيعة المباني الحالية ومشكلات الري وأعمال الصيانة، وغياب إطار تشريعي شامل ينظم الزراعة الحضرية، بما يشمل تصاريح البناء واستخدام المياه والصيانة طويلة الأجل. وعلى الصعيد الاجتماعي، ما زال المجتمع ينظر إلى الأسطح في مصر باعتبارها مساحات للتخزين وليست أصولا إنتاجية. وصحيح أن أحد مشاريع زراعة الأسطح المدعوم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي "جي آي زد"، والذي ربط بين تركيب أنظمة الزراعة المائية وتقديم قروض متناهية الصغر للأسر تُسدد من حصيلة بيع المحاصيل، أظهر أن هذا النموذج قادر على توليد الدخل وترشيد استهلاك المياه، لكنه كشف في الوقت ذاته عن الحاجة الماسة إلى التدريب المستمر والمراقبة وتسهيل طرح المحاصيل في الأسواق.

وتشكل معضلة الملكية العقبة الأكبر؛ ففي العديد من المباني السكنية بالقاهرة، تعد الأسطح مساحات مشتركة تفتقر إلى تحديد واضح للحقوق، وهو ما يفجر الخلافات بين السكان حول أحقية استخدام السطح، والجهة التي ستتحمل تكاليف النظام، وكيفية توزيع المحاصيل أو العوائد المالية. وفي المناطق العشوائية بالتحديد، يشكل عدم اتضاح حدود الملكية وضعف إدارة المباني تحديا هيكليا أمام ضخ استثمارات طويلة الأجل في زراعة الأسطح، حتى وإن كانت الحسابات الاقتصادية للمشروع مجدية.

ونتيجة لذلك، فإن ما كُتب له البقاء والنجاح هو نموذج أعمال مغاير تماما؛ إذ تصف شركة شادوف مسارها الحالي بأنه تحول "من زراعة الأسطح إلى الزراعة الذكية"، بعدما وسعت نشاطها ليشمل تطوير أجهزة الاستشعار والمراقبة عن بعد والزراعة التجارية، وأنظمة الزراعة المائية داخل المتاجر. وفي السياق ذاته، فإن شركة هايدروفارمز تقدم نفسها الآن على أنها شركة متكاملة للزراعة المائية وإنتاج المحاصيل تخدم المزارع والمطاعم ومحلات التجزئة وشركات الأغذية. أما شركة توليمة فارمز، فتركز على الصوب الزراعية القابلة للتحكم في ظروفها ومزارع الحاويات، بما يشمل أنظمة تشير الشركة إلى قدرتها على إنتاج آلاف من رؤوس الخس شهريا باستخدام كميات مياه أقل بكثير من الزراعة التقليدية. والقاسم المشترك هنا أن هذه الشركات الثلاث كلها تخلت بالكامل عن نموذج تركيب المزارع المنزلية، أو قللت تركيزها عليه، ليبقى النموذج الذي أثبت استدامته مقتصرا على بيع المنظومات القابلة للتحكم في ظروفها والأنظمة الذكية لعملاء يمتلكون رأس المال والعمالة المدربة والأسواق المضمونة لبيع إنتاجهم، بدلا من بيع الخضراوات لعائلات تدير مزارع مكشوفة فوق الأسطح.

كما تغيرت صياغة المفاهيم بالتوازي مع تحول السوق؛ فبعد أن كانت النقاشات في البداية تركز على حدائق الأسطح المجتمعية بوصفها مبادرات غذائية محلية تنبع من القاعدة الشعبية، وتناسب قدرات الأسر، بهدف تعزيز الأمن الغذائي، باتت الزراعة الحضرية اليوم تدرج ضمن موضوعات أوسع تشمل التكيف مع التغير المناخي والبنية التحتية الخضراء والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري والتخطيط الحضري المستدام، وهو ما يعكس تحولا من النهج الشعبي البسيط إلى مشروعات تقودها المؤسسات بخطط مركزية ورؤوس أموال ضخمة.

لكن رغم هذا التحول التجاري، ما زالت القاهرة بحاجة ماسة إلى المساحات الخضراء لخفض درجات الحرارة؛ إذ يأتي التراجع عن الرؤية الجماعية لزراعة الأسطح تزامنا مع تزايد حاجة العاصمة إلى المسطحات الخضراء، نظرا إلى أن حصة الفرد من المساحات الخضراء في مصر تبلغ نحو 1.2 متر مربع فقط، وهو رقم أقل بكثير من المعيار الموصى به من منظمة الصحة العالمية والبالغ 9 أمتار مربعة. وقد فقدت القاهرة نحو 911 ألف متر مربع من المساحات الخضراء بين عامي 2017 و2020 جراء تسارع وتيرة مشروعات الإنشاءات والطرق. وصحيح أن زراعة الأسطح لم تكن قط حلا جذريا لمعضلة الأمن الغذائي، التي ترتبط أساسا بإنتاجية القطاع الزراعي والمياه والأراضي وسلاسل الإمداد والتجارة، لكن الأسطح الخضراء تسهم بفعالية في تقليل حرارة المباني وخفض الطلب على التبريد الداخلي وتكييف الهواء حتى وإن كان إنتاجها الزراعي محدودا.

وتنص الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050 (بي دي إف) صراحة على دعم التوسع في الزراعة الحضرية وزراعة الأسطح، لكن الأولويات الرسمية للتنمية الخضراء مالت نحو المشروعات الكبرى والواضحة للعيان، مفضلة إياها على المهام الأكثر تعقيدا والتي تتطلب تنظيم آلاف الأسطح المملوكة لأفراد أو غير الخاضعة لإدارة رسمية.

وقد تبدو المرحلة المقبلة مختلفة تماما عن البدايات؛ فبدلا من التركيز على إنتاج الغذاء فقط، يمكن لأنظمة الأسطح المستقبلية أن تدمج بين الزراعة والطاقة المتجددة والتبريد السلبي وحصاد مياه الأمطار والإدارة الذكية للموارد، وفقا لما أشارت إليه زينب، مؤكدة أن هذه الأنظمة متعددة الوظائف ستثبت أن جدواها الاقتصادية أكبر من الأنظمة المقتصرة على زراعة المحاصيل فحسب.

ما نترقبه: مدى قدرة الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050 على إرساء لوائح تنفيذية واضحة تنظم الزراعة الحضرية، لا سيما وأن الاستراتيجية نصت صراحة على زراعة الأسطح دون أن يتبع ذلك إقرار إطار تشغيلي ملموس. ونرقب كذلك ما إذا كان أي من شركاء التنمية الدوليين لمصر (مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، أو الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، أو الوكالة الفرنسية للتنمية) سيوجه تمويلات جديدة لدعم مشاريع زراعة الأسطح التجريبية على نطاق واسع. وأخيرا، نتطلع لمعرفة ما إذا كانت مشروعات التطوير الحضري الجديدة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، ستتبنى فكرة زراعة الأسطح منذ مراحل التصميم الأولى بدلا من تعديلها لاحقا، لأن هذه المدن المخططة هي البيئة الأنسب لاختبار مدى نجاح النموذج متعدد الوظائف الذي طرحته زينب.