مع ارتفاع الطلب على الكهرباء واقتراب أشهر الصيف الأشد حرارة، بدأت الحكومة بهدوء في التدقيق في المصانع الجديدة — ليس فقط بناء على ما تنتجه، بل وكيف تخطط لتوفير الطاقة لعملياتها. فقد أصبح الحصول على التراخيص الصناعية مرتبطا بشكل متزايد بمدى قدرة المشروع على تدبير جزء من احتياجاته من الكهرباء ذاتيا اعتمادا على مصادر الطاقة المتجددة.

وظهر هذا التحول جليا في اجتماع عُقد في أواخر يناير، حيث تمت الإشارة إلى نقطتين تمثلان معيارا جديدا لتقييم المشروعات الصناعية. النقطة الأولى هي أن وزارة الصناعة تمنحمعاملة تفضيلية لطلبات إنشاء مصانع جديدة تستخدم الطاقة الجديدة والمتجددة عند المفاضلة بين المستثمرين المتقدمين، بهدف تخفيف الضغط على الشبكة القومية للكهرباء، وفقا لتصريحات وزير الصناعة السابق كامل الوزير. والثانية، اشتراط المجلس الأعلى للطاقة على المصانع الكبرى كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتمادها على نسبة كبيرة من الطاقة المتجددة لتلبية احتياجاتها كجزء من إجراءات الموافقة.

ودخل هذا التوجه الحكومي لمنح الأفضلية للمستثمرين الذين يخططون لاستخدام الطاقة النظيفة إلى دائرة الاهتمام الإعلامي، وليس في القطاع الصناعي فقط. إذ تخطط الحكومة لطرح 62 فرصة استثمارية في قطاع المستشفيات أمام القطاع الخاص، مع منح الأولوية للمشروعات التي تعتمد على الطاقة النظيفة، وفق ما أوردته إنتربرايز حصريا أمس.

ستصبح الطاقة المتجددة شرطا إلزاميا للحصول على تراخيص المنشآت الصناعية الجديدة، فيما تظل شرطا اختياريا للمصانع القائمة. وتأتي الصناعات المعدنية، لا سيما الحديد والصلب، على رأس القطاعات المستهدفة بهذا القرار، وفقا لما صرح به مسؤول حكومي لإنتربرايز. وبدأ العديد من اللاعبين في السوق بالفعل التحرك في هذا الاتجاه، مثل شركة مصر للألومنيوم من خلال مشروع الطاقة الشمسية الخاص بها بالتعاون مع شركة سكاتك النرويجية.

لكن هذا التوجه لا يرتبط بالحصول على دعم مالي أو إعفاء ضريبي — بل يعد شرطا لتسريع خروج المشروع إلى النور. فإذا تقدمت المشروعات بخطة موثوقة للاعتماد على الطاقة النظيفة ستمضي في إجراءاتها بسلاسة. أما إذا كانت تعتمد بالكامل على الشبكة القومية، فإنها ستتأخر في طابور الموافقات.

والدافع وراء هذه الخطوة هو أن القطاع الصناعي عادة ما يكون بمثابة ممتص الصدمات حال نقص إمدادات الغاز. فقد سبق أن واجهت مصانع الأسمدة والكيماويات خفضا في إمدادات الغاز وأوقفت عملياتها مؤقتا بسبب ضغوط إمدادات الغاز الطبيعي. وتعهدت الحكومة بعدم اللجوء لتخفيف الأحمال وقطع التيار الكهربائي هذا الصيف رغم التوقعات بارتفاع الطلب بنسبة تتراوح بين 6% و7% خلال الأشهر الأكثر حرارة في العام.

ويتعلق هذا التحول بملف الصادرات كذلك، مع تشديد متطلبات الكربون على السلع المتداولة — وتحديدا آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (CBAM) — ما يجعل الوصول إلى الأسواق العالمية يعتمد بشكل متزايد على حجم الانبعاثات الكربونية، وفقا لما أضافه المصدر لإنتربرايز.

المصنعون الكبار والممولون جيدا، خاصة المصدرين، سيكونون الأقل تضررا جراء التوجه الحكومي الجديد، إذ يمكنهم التعامل مع الطاقة المتجددة كمدخل إنتاج قابل للتمويل. أما بالنسبة للمستثمرين الصغار الجدد الذين تتأثر هوامش أرباحهم بالفعل بتقلبات سياسات الوقود، فقد يمثل ذلك عقبة صعبة. ويعتمد الكثير على ما إذا كان تعريف الحكومة لـ "نسبة كبيرة" سيبقى غامضا أم سيتحول إلى حدود واضحة تجعل الطاقة النظيفة تكلفة ثابتة للدخول إلى السوق – وشرطا يمكن التنبؤ به في قائمة متطلبات التراخيص الصناعية.

وتتوقع الجهات الفاعلة في الصناعة أن تؤدي هذه السياسة إلى تسريع وتيرة التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية. فقد نجحت المصانع التي تحولت إلى استخدام الطاقة الشمسية في خفض فواتير الكهرباء بنسبة تتراوح بين 25% و50% حسب القطاعات، على الرغم من أن الوفورات تكون أقل بالنسبة لكبار المستهلكين، وفق ما صرح به العضو المنتدب لشركة كايرو سولار حاتم توفيق لإنتربرايز. وجرى بالفعل نشر نحو 50% من هدف قدرة صافي القياس عبر المصانع، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على الوصول إلى 1 جيجاوات من القدرة المركبة بحلول عام 2030.

كما أن محطات الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة لا تشكل عبئا كبيرا على العملة الأجنبية، حسبما أخبرنا توفيق سابقا. وتبلغ تكلفة محطة طاقة شمسية بقدرة 10 ميجاوات نحو 1.5 مليون دولار، مقارنة بنحو 11 مليون دولار لنفس القدرة في ظل ترتيبات الطاقة التقليدية. ومع استرداد التكاليف الأولية في غضون عامين إلى عامين ونصف — مدفوعة بالوفورات الناتجة عن خفض دعم الغاز — فإن الجدوى الاقتصادية تلعب دورا لا يقل أهمية عن الجانب المناخي.

ومن المتوقع أيضا أن يمنح هذا التوجه دفعة قوية لصناعة مكونات الطاقة الشمسية محليا، مما يعزز تحولا يشهده سوق الطاقة الشمسية في مصر بالفعل. وتاريخيا، اعتمد القطاع على واردات المكونات الأساسية، لكن مراكز التصنيع الجديدة — المدعومة من شركاء صينيين وحوافز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس — تشير إلى بداية تكامل رأسي داخل البلاد.