وقعت مصر 32 مذكرة تفاهم لمشروعات الهيدروجين الأخضر بقيمة استثمارية نظرية تبلغ 175 مليار دولار، لكن حتى سبتمبر الماضي، لم تتجاوز سوى أقل من 5 مشروعات مرحلة دراسات الجدوى. بيد أن برنامجا مشتركا جديدا بدأته الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) في أبريل الماضي يسعى لتحريك المياه الراكدة لهذه المشروعات المتعثرة. وهنا ثمة تساؤل جوهري مطروح داخل القطاع: هل ينبغي لمصر أن تبيع الهيدروجين من الأساس؟
تذكر: وضعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حزمة سياسات مفصلة الشهر الماضي، لدفع مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر نحو مرحلة قرارات الاستثمار النهائية. وقدرت تكاليف الإنتاج محليا بنحو 3.7 إلى 4.8 دولار للكيلوجرام، وهو ما يزيد على ضعف الهدف البالغ 1.8 دولار للكيلوجرام المنصوص عليه في الاستراتيجية الوطنية. ولذا سيتطلب الوصول إلى طاقة إنتاجية لا تتجاوز 1.5 مليون طن سنويا بحلول عام 2030 استثمارات بقيمة 45.6 مليار دولار.
ما الذي يقدمه البرنامج الجديد؟ يهدف البرنامج الوطني للهيدروجين النظيف إلى تعزيز الجاهزية الاستثمارية في مصر عبر دفع المشروعات ذات الأولوية لتتجاوز مرحلة التخطيط وصولا إلى دراسات الجدوى المبدئية والنهائية. وستوفر اليونيدو الدعم الفني والدعم على مستوى السياسات، بالإضافة إلى تعزيز القدرات المؤسسية والوطنية، ومساعدة الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس في تأسيس مركز التميز للهيدروجين الأخضر. كما تربط المبادرة المشروعات المحلية بأسواق الكربون العالمية، وتستهدف بناء القدرات في الحكومة والقطاع الصناعي.
نقطة انطلاق، وطموحات غير محدودة: في حديثها إلى إنتربرايز، قالت داليا سمير، المؤسسة المشاركة والعضوة المنتدبة لشركة هيدروجين مصر: "يساعد البرنامج المطورين على تلبية المعايير الفنية، وإصدار الشهادات، وتطوير القوى العاملة، والتكامل الصناعي، والتنسيق التنظيمي، مما يحول إعلانات المشروعات إلى فرص قابلة للاستثمار". وأضافت أن العمل الحقيقي والشاق يبدأ عندما ينتهي البرنامج.
البناء على أساس مؤسسي سابق: تمثل مبادرة اليونيدو "امتدادا لسلسلة من الجهود المؤسسية الجارية"، وفق ما قاله أسامة فوزي، مؤسس شركة "إتش 2 إنتيليجنس" خلال حديثه مع إنتربرايز. بدأت هذه المساعي في عام 2023، عندما وقع ممثلون عن المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر، ووزارة الكهرباء، وجامعة النيل، اتفاقية مع منظمة الهيدروجين الأخضر، التي تتخذ من جنيف ولندن مقرا لها، من أجل إرساء أسس مركز محلي للتميز. وفي سياق منفصل، عقدت كلية هندسة الطاقة والبيئة بالجامعة البريطانية في مصر شراكة مع أكاديمية ممولة من المبادرة الدولية للمناخ التابعة للحكومة الألمانية، ضمن برنامج مينا لينكس الإقليمي، تسمى أكاديمية الطاقة المتجددة (ريناك)، بهدف تقديم دورات متقدمة في تخزين الطاقة بالبطاريات، وتطبيقات تحويل الطاقة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في ربط قطاعات الطاقة المتجددة.
عقبة الفجوة التنظيمية: نظريا، تمتلك مصر كثيرا من الضوابط التنظيمية. بيد أن هذه الضوابط تفتقر في الغالب إلى "أطر تنفيذية واضحة أو إرادة سياسية لإنفاذها، مما يتركها عرضة للتفسيرات الفضفاضة"، بحسب فوزي. وذلك هو ما يجعل مشاركة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية أمرا بالغ الأهمية. وفي تعليقه لإنتربرايز، قال الرئيس التنفيذي لشركة هيدروجين مصر خالد نجيب: "تتطلب المشروعات تنسيقا بين أطراف متعددة: الجهات التنظيمية، والموانئ، ومرافق الخدمات، وجهات الولاية على الأراضي، ومؤسسات التمويل، والمستخدمين الصناعيين، ومقدمي التكنولوجيا. والتأخيرات غالبا تعود إلى أن هذه العناصر تتحرك بسرعات مختلفة".
البنية التحتية جاهزة.. لكن المطورين غائبون: تخصص الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس قطع أراض للمطورين، تتراوح مساحتها بين 700 و800 ألف متر مربع. وأنشأت الهيئة مرافق مشتركة لمجمع الهيدروجين الأخضر في السخنة، بما في ذلك محطة تحلية مياه وخط أنابيب بطول 13.5 كيلومتر يربط المجمع بخزانات الأمونيا. لكن المطورين ما زالوا مترددين.
ويرى فوزي أن "العقبة الكبرى التي تصيب القطاع بالشلل هي غياب اتفاقيات الشراء". فبدون التعاقد مع المشترين، لا يستطيع المطورون الحصول على التمويل المطلوب من البنوك الدولية، والذي يتكون من الديون وحقوق الملكية بنسبة 70% إلى 30% في حالة تراوح تكلفة المشروع بين 5 و7 مليارات دولار. وعلى الجانب الآخر، يتردد المشترون بشأن الالتزام بالسعر الحالي البالغ 4.70 دولار للكيلوجرام نظرا إلى أن التوقعات ترجح انخفاض الأسعار إلى ما بين 3.40 و3.50 دولار للكيلوجرام مع بدء تشغيل المشروعات. وفي ظل هذا الموقف، تكون النتيجة أن "البنوك لن تمول دون وجود مشتر، وأن المشترين لن يوقعوا دون وجود مشروع مجد وقائم بالفعل"، على حد قول فوزي.
بنوك التنمية قادرة على تخفيف المخاطر: تستطيع بنوك التنمية متعددة الأطراف دعم دراسات الجدوى في مراحلها المبكرة، والتقييمات البيئية، وأطر إصدار الشهادات، والمشروعات التجريبية، وذلك من خلال المنح والتمويل الميسر، فضلا عن تقديم الضمانات، وهياكل التمويل المختلط، والاستثمارات الرئيسية التي تجعل المشروعات أكثر جاذبية للتمويل البنكي. ويعني ذلك الجمع بين الديون التجارية، والدعم السيادي، ووكالات ائتمان الصادرات، ومؤسسات التمويل التنموي، بحسب سمير.
فرصة استغلال الإنتاج محليا: بدلا من تصدير الهيدروجين الأخضر للحد من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الصناعات الأوروبية، يرى فوزي أن مصر قادرة على استخدامه محليا لتحقيق الهدف ذاته في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها، ثم تصدير المنتجات النهائية الخضراء. وتضيف سمير أن المطورين يمكنهم التحرك بوتيرة أسرع عبر استهداف القطاعات التي تتمتع بالفعل بطلب على منتجاتها، مثل الأمونيا الخضراء، والميثانول، والأسمدة منخفضة الكربون، إذ يمتلك المشترون الدوليون برامج شراء قائمة بالفعل.
كما ستحصل الصناعات التي يصعب خفض انبعاثاتها على ميزة فورية بموجب آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي، فيما ستولد الصادرات عملة أجنبية، إلى جانب جذبها للاستثمارات الدولية، وترسيخ مكانة مصر بوصفها مركزا إقليميا للطاقة، بحسب نجيب.
خيار آخر؟ يمكن للحكومة أن تصبح هي المشتري. قال فوزي إن رفع أسعار الغاز الطبيعي للصناعات الثقيلة إلى مستويات السوق الفورية الدولية، ثم دعم الهيدروجين الأخضر المنتج محليا ليبلغ سعره 2.50 دولار للكيلوجرام، من شأنه أن يسمح لمصر بدفع المصانع المحلية للتحول وتصدير الصلب الأخضر، والأسمنت الأخضر، وغيرها من السلع الخضراء مباشرة إلى أوروبا، لتتجاوز بذلك أزمة اتفاقيات الشراء تماما. ويشير نجيب إلى أن آليات الدعم الموجهة ستعزز هذا التحول. وتشمل هذه الآليات توفير الأراضي، وتبسيط إجراءات التراخيص، ودمج الطاقة المتجددة، والحوافز الضريبية، والتمويل الميسر لمشروعات خفض الانبعاثات الكربونية.
رأينا: تبدو فكرة فوزي حول الاعتماد على الطلب المحلي ذكية للغاية، لكن الهيكلة السياسية والمالية اللازمة لتنفيذها لا يتوفر سوى جزء منها. ولذا فإن الخطوة الأولى، التي تتعلق برفع أسعار الغاز للصناعات، حدثت بالفعل، بزيادة قدرهادولارانلكل مليون وحدة حرارية بريطانية للقطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بموجب قرار صدر في مايو. لكن الحكومة فضلت إقرار زيادة ثابتة بدلا من الهيكل المرن المرتبط بالسوق الذي كانت تدرسه، وفضلت تخفيف الأعباء المالية بضغط من صندوق النقد الدولي على حساب الإصلاح الصناعي الاستراتيجي. وهذا الموقف لا يتيح بسهولة فرض حزم دعم جديدة فوق الدعم القائم؛ إذ إن تغطية فجوة الدولار الواحد للكيلوجرام التي أشار إليها فوزي، من أجل الوصول إلى مستهدف إنتاج يبلغ 1.5 مليون طن بحلول عام 2030، يعني أن الدولة ستتحمل 1.5 مليار دولار سنويا في صورة دعم جديد للهيدروجين، وذلك بعد عامين من خفض الدعم بتوجيهات من صندوق النقد الدولي، ناهيك عن التكاليف الرأسمالية لعملية التحول في جانب الطلب، وهي مسألة أخرى منفصلة. لذا تبدو الفكرة صحيحة من حيث المبدأ، لكن الأشهر الثمانية عشر المقبلة هي التي ستكشف عما إذا كانت مصر قادرة على حشد حزمة الدعم اللازمة لتنفيذها.