الحكومة تطرح نموذجي كرنك وسيا: طرحت مصر أول نموذج لغوي ضخم في البلاد، بالإضافة إلى معلم ذكاء اصطناعي مخصص لطلاب المرحلة الثانوية. ففي إطار مساعيها نحو تبني الذكاء الاصطناعي السيادي، أي أنظمة الذكاء الاصطناعي المحلية الخاصة بها والتي تتمتع بالاستقلالية وتتناسب مع لغتها وثقافتها ومعارفها المؤسسية، أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات هذين المشروعين في أوائل عام 2026.

يعد المشروعان أول تجربة حقيقية للبلاد مع أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة محليا، ومن المقرر أن يكون التعليم هو المحور الأساسي لهذه التجربة. يمثل نموذج كرنك البنية التحتية الأساسية؛ إذ جرى تدريبه على التاريخ المصري، والإطار القانوني، والقيم الثقافية. ثم يأتي نموذج سيا، وهو معلم ذكاء اصطناعي لتدريس مادتي اللغة العربية والتاريخ لطلاب المرحلة الثانوية. وسيُطرح سيا ليكون أيضا مساعدا افتراضيا لتوجيه المواطنين عبر البيئة التشريعية والتنظيمية وتقديم إرشادات حول الخدمات الحكومية.

انتقادات للتدريس بالذكاء الاصطناعي

ينبغي لمصر أن تمضي قدما بحذر شديد؛ فيكفي النظر إلى السويد، التي تعمل حاليا على إبعاد الشاشات عن الفصول الدراسية في المراحل الأولى وإعادة الكتب الورقية لإنقاذ معدلات القراءة والكتابة المتراجعة، بعد سنوات من الدمج الرقمي المكثف. وحتى في مصر، يعود المعلمون من تلقاء أنفسهم ودون ضجة إلى الأساليب التقليدية لمواجهة الاعتماد المفرط على التكنولوجيا. وفي هذا السياق، "عادت طريقة تقييمنا للطلاب إلى ما كانت عليه في الماضي: الامتحانات الورقية"، وفق ما قالته إنجي أمين، محاضرة الحوسبة الاجتماعية بجامعة القاهرة، لإنتربرايز.

لقد شهدنا بالفعل التأثير السلبي للتعلم الذي يعتمد حصريا على الطرق الرقمية خلال التجربة الأولية إبان جائحة "كوفيد-19". "مع أن أزمة كورونا استمرت عامين تقريبا، ترك التعلم عبر الإنترنت أثرا ملحوظا وأثبت أن أي نظام يفتقر إلى التجربة الإنسانية، أو يعتمد كليا على الإنترنت، يبوء بالفشل فعليا"، حسبما أوضحت أمين.

تبرز هنا مخاطر تدهور القدرات الإدراكية. فقد حذر جوناثان هايدت، المتخصص في علم النفس الاجتماعي بجامعة نيويورك وأحد أبرز المنتقدين لزيادة وقت الشاشة، مؤخرا من أن وضع أجهزة الكمبيوتر أمام طلاب المدارس "سيثبت على الأرجح أنه من بين الأخطاء الأكثر تكلفة في تاريخ التعليم".

بل إن الأكثر إثارة للقلق هو أن الوصول غير المقيد للذكاء الاصطناعي يدمر الرغبة الأساسية في التعلم. وكشفت دراسة حديثة لجامعةالقاهرة أن طلاب الجامعات يفقدون مهارات التفكير النقدي بشكل متسارع بسبب الاعتماد على الحلول الآلية المختصرة. وتلاحظ أمين ذلك من كثب، إذ قالت: "لم يعد لدى الطلاب الحافز لتعلم أي شيء". إنهم يسألون أنفسهم باستمرار: "لماذا يجب أن أبذل وقتا وجهدا في شيء سيفعله الذكاء الاصطناعي بشكل أفضل مني على أي حال؟"، حسبما أضافت.

حتى المعلمين أنفسهم يفقدون هم الآخرين الرغبة في التدريس. "إذا فضل الطلاب الذكاء الاصطناعي، فإنه سيتجاوز مهارات المعلم. وبالتالي، لن يجد المعلمون أي حافز للشرح أو للبحث عن طرق جديدة للتدريس للطلاب"، حسبما تشير أمين.

لا يساعد ضعف البنية التحتية العامة في تحسين الوضع. بحسب أمين، "بين هلوسات الذكاء الاصطناعي، ومشاكل البنية التحتية، وانقطاع الاتصال المستمر بشبكة الإنترنت، هناك الكثير من الأمور التي قد تسير على نحو خاطئ".

التدريس بالذكاء الاصطناعي يحظى بترحيب آخرين

رغم هذه المخاطر، يوفر الذكاء الاصطناعي نافذة غير مسبوقة لـ "دمقرطة التعليم" من خلال خلق فرص تعلم متكافئة عبر جميع المحافظات والمستويات الاقتصادية. إذ إن "مفهوم التدريس باستخدام الذكاء الاصطناعي — أي وجود معلم قادر على شرح الأشياء بلغتك الخاصة وبطريقة تناسب مهاراتك الفردية — هو أمر رائع"، حسبما أوضحت أمين.

ليس هذا وحسب؛ فالذكاء الاصطناعي يعد أداة تعليمية حقيقية ومفيدة للغاية، يمكنها تسهيل التعلم ودعم إتاحته بشكل أفضل، وفق ما قاله أحمد هنداوي، الرئيس التنفيذي لشركة تكنولوجيا التعليم الناشئة نجوى، في حديثه إلى إنتربرايز. وأضاف: "الذكاء الاصطناعي لا يتعب أبدا. ويمكنه تقديم أمثلة لا حصر لها لتوضيح أي مفهوم حتى يتمكن الطالب من استيعابه حقا، مع التكيف مع معدل تقدم الطالب الخاص لبناء ثقته بنفسه". كما يوفر الذكاء الاصطناعي "مساحة آمنة" تتيح للطلاب التعبير بصدق عما لا يفهمونه دون التعرض لإحراج أحكام أقرانهم.

"لا يستطيع الذكاء الاصطناعي (ولا ينبغي له) أن يحل محل المعلمين بالكامل، بيد أننا نواجه في الواقع نقصا عالميا في أعداد المعلمين"، حسبما أشار هنداوي. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في معالجة هذا النقص العالمي بشكل مباشر، من خلال تولي مهام الشرح المتكرر، مما يساعد كلا من الطالب والمعلم في التركيز على عملية التعلم الفعلية.

قد يوفر الذكاء الاصطناعي أيضا مليارات الجنيهات التي تنفق على الدروس الخصوصية باهظة التكلفة. "ثمة تكاليف تشغيلية خاصة بالذكاء الاصطناعي، لكنه أقل تكلفة بكثير وقابل للتوسع مقارنة بالدروس الخصوصية التقليدية"، بحسب هنداوي. ويعمل الذكاء الاصطناعي أيضا بوصفه مساعدا قويا للمعلمين في إنشاء بنوك الأسئلة أو تنظيم مذكرات المحاضرات، حسبما أضافت أمين.

ما هو الحل؟

باختصار، تحمل هذه التكنولوجيا أهمية كبرى، بدرجة تجعل من الصعب تجاهلها، ولكن لا يمكن تركها تعمل بشكل مستقل تماما. ومن أجل تحقيق النجاح، ينبغي لمصر التركيز على التطبيق التدريجي. "لا ينبغي لنا إقحامها دفعة واحدة وترك الناس [ليكتشفوها بأنفسهم]؛ بل يجب أن يحدث كل شيء تدريجيا"، حسبما أوصت أمين. وفي الوقت ذاته، ينبغي للدولة توسيع نطاق شبكات الإنترنت لضمان الوصول العادل للتكنولوجيا في كافة المحافظات، حسبما أوضح هنداوي.

التكيف هو الحل الوحيد أمام المعلمين. لا يزال العاملون في المنظومة التعليمية يتلمسون طريقهم عبر التجربة والخطأ، ولكن يجب وضع حدود صارمة "حتى لا نصل إلى نقطة يتجاوزنا فيها هذا التطور، مما يجبرنا على البدء من جديد"، حسبما تعتقد أمين.