تدرب مصر الفنيين وفقا للمعايير الألمانية للعمل في مصانعها. وفي المقابل، ترغب ألمانيا بدورها في توظيفهم. فقد أوضح وزير الدولة الألماني فلوريان هان أن "الشراكات الجيدة في مجال الكفاءات يجب أن تحقق منفعة للطرفين سواء لسوق العمل الألماني وكذلك للتنمية الاقتصادية في مصر"، بحسب ما ورد في بيان صادر عن وزارة التربية والتعليم في 5 أكتوبر. لجأت مصر إلى الاستعانة بنظام التعليم المزدوج الألماني مرتين من قبل، بتمويل حكومي أو من جهات مانحة أو من القطاع الخاص. وتختبر جامعة ساكسوني مصر حاليا إمكانية أن يدير رأس المال الخاص برنامجا للتعليم المزدوج على المستوى الجامعي.

أسست شركة الأهلي سيرا جامعة ساكسوني مصر بالشراكة مع ولاية ساكسونيا الألمانية. وتمتلك شركة سيرا للتعليم حصة تبلغ 51% في شركة الأهلي سيرا، بينما تمتلك شركة الأهلي كابيتال القابضة، الذراع الاستثمارية للبنك الأهلي المصري، الحصة المتبقية البالغة 49%.

النسخة الأولى المدعومة من المانحين: في عام 1991، اتفق الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك والمستشار الألماني آنذاك هلموت كول على خطة مدعومة من ألمانيا لإصلاح المدارس الثانوية الفنية في مصر تزامنا مع الانفتاح الاقتصادي، وفق تقييم صدر عام 2010 (بي دي إف) عن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (كانت تعرف آنذاك باسم هيئة التعاون الفني الألماني جي تي زد). وانطلق مشروع مبارك كول للتعليم المزدوج تجريبيا في عام 1994 بمدن العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر والسادات، حيث كان الطلاب يقضون يومين أسبوعيا في الفصول الدراسية وأربعة أيام للتدريب العملي في المصانع. وتكفلت وزارة التربية والتعليم بمصروفات الدراسة، في حين تحملت جمعيات المستثمرين تكاليف التدريب والرواتب، بينما قدمت ألمانيا 28.5 مليون يورو في صورة دعم فني عبر الوكالة، وذلك بين عامي 1994 و2007. قد أمد هذا البرنامج سوق العمل المصرية بنخبة من الكوادر الفنية.

تولت مصر إدارة البرنامج بموجب القانون في عام 2007 عندما انتهى الدعم الألماني المباشر، حسبما ورد في التقييم الصادر عن الوكالة في عام 2010. وأشار التقييم آنذاك إلى مسح أجرته شركة "سي آي دي للاستشارات" عام 2009 شمل 90 خريجا؛ إذ حصل 85% منهم على عروض عمل عند التخرج، وقبل نحو نصفهم هذه العروض، في حين استقر ثلث المعينين في المصانع التي تولت تدريبهم. وبحلول عام 2023، أصبح نظام التعليم المزدوج بمسماه الجديد يضم نحو 50 ألف متدرب يتلقون تدريبهم في أكثر من 3500 شركة، وفق موجز (بي دي إف) أصدرته منظمة العمل الدولية.

الدولة تقود دفة النسخة الثانية: افتتحت وزارة التربية والتعليم أول ثلاث مدارس للتكنولوجيا التطبيقية في عام 2018، بحسب بيانات الوزارة. وتدمج هذه المدارس الحكومية بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي بالتعاون مع شركاء من القطاعين الخاص والعام، وتمنح خريجيها دبلوم المدارس الفنية نظام الثلاث السنوات.

وقد توسعت شبكة مدارس التكنولوجيا التطبيقية سريعا. إذ تضم حاليا 225 مدرسة، من بينها 38 مدرسة مصرية ألمانية، حسبما صرح به وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال اجتماع حكومي في وقت سابق من هذا الشهر. وتعد مدرسة مجموعة فولكس فاجن للتكنولوجيا التطبيقية، التي أُطلقت في 2021، من أقدم هذه المدارس، حيث يحصل خريجوها أيضا على شهادات من الغرفة الألمانية العربية للصناعة والتجارة. وتشير الغرفة إلى أن هذا الاعتماد يخدم أسواق العمل الألمانية والأوروبية والعالمية. وتسعى برلين للمزيد من الجهود في هذا الصدد؛ فقد أشار هان إلى 100 مدرسة مهنية مصرية ألمانية ما زالت قيد التنفيذ.

تأتي النسخة الثالثة بدعم مصرفي: ترتقي جامعة ساكسوني مصر بالنموذج خطوة أخرى، لتنتقل من المدارس الثانوية الحكومية إلى منح درجة جامعية من جامعة خاصة من خلال دراسة لمدة أربع سنوات. وتجاوزت الاستثمارات المشتركة لشركة الأهلي سيرا في قطاعي التعليم والرعاية الصحية حاجز الـ 12 مليار جنيه، وفق ما ذكره الرئيس التنفيذي لشركة سيرا للتعليم محمد القلا في بيان (بي دي إف) صدر في يوليو الماضي. واستقبلت جامعة ساكسوني مصر أولى دفعاتها في سبتمبر 2024، ليلتحق بها نحو 1300 طالب في عامها الأكاديمي الأول. واستثمرت سيرا 3 مليارات جنيه على مدار العامين الماضيين، كما تستعد لضخ ملياري جنيه أخرى خلال العامين المقبلين، حسبما أوضح القلا لإنتربرايز في أغسطس الماضي.

تعتمد ساكسوني مصر على نموذج "2+2"؛ وفيه يقضي الطلاب أول عامين دراسيين في حرم الجامعة بالقاهرة، ويمكنهم بعد ذلك الانتقال إلى ولاية ساكسونيا لاستكمال العامين الثالث والرابع، لإتمام دراستهم بالتزامن مع التدريب العملي لدى شركاء صناعيين من بينهم فولكس فاجن، وبورش، ودويتشه بان.

وتلعب مؤسسات مجتمع الأعمال المحلية دورها في الشق الخاص بالقاهرة؛ إذ تدرب جامعة ساكسوني مصر الطلاب من خلال بروتوكولات تعاون مع 25 شركة. كما يُقدَّم التدريب العملي "من خلال مزيج من المرافق التي بنتها الجامعة والأخرى المدعومة من الشركاء"، وفق ما قاله رئيس الجامعة محمد عبد الرحمن لإنتربرايز. وتفتح شركة "جي بي كورب" ورشها جنبا إلى جنب مع أكاديمية "جي بي" لطلاب هندسة السيارات، كما وقعت الجامعة اتفاقيات مع شركة راية لوجستيكس لإطلاق تدريب متقدم في سلاسل الإمداد، ومع مجموعة أكور الفرنسية لإدارة فندق تعليمي، وفق ما ذكره القلا. وأضاف عبد الرحمن لإنتربرايز أن شركة فولكس فاجن وفرت قطع الغيار والمعدات لورشة السيارات، وصممت أيضا بعض المختبرات.

كذلك ترغب وزارة العمل في دمج هذا النموذج بمراكز التدريب التابعة لها؛ إذ وقعت بروتوكولا مع الجامعة في 18 أغسطس للاستعانة بمناهجها، التي يمثل التدريب العملي 60% منها، حسبما أوضحت سيرا في بيان (بي دي إف) آنذاك. وستتولى الوزارة ترشيح المتدربين وتحديد الدعم المالي المقدم لهم، بينما تصمم الجامعة الدورات التدريبية وتديرها وتصدر شهادات معتمدة من الجانبين. وتأتي إقامة مركز لتدريب العمالة بمجال السيارات الكهربائية على رأس الأولويات في المرحلة الحالية. ولا تزال خطة التنفيذ قيد الإعداد، إذ تعمل لجنة مشتركة حاليا على تحديد التخصصات ومعايير القبول قبل انطلاق الدفعة الأولى، بحسب عبد الرحمن.

وتؤكد جامعة ساكسوني مصر أن ألمانيا ليست سوى خيار من بين عدة بدائل أخرى؛ فالجامعة مصممة لتلبية احتياجات جهات العمل محليا وإقليميا ودوليا، بالإضافة إلى أن "إلحاق الخريجين بسوق العمل في ألمانيا ليس الهدف الوحيد للجامعة"، وفقا لعبد الرحمن. وتهدف الشراكة الجامعية بين ساكسونيا ومصر، بقيادة جامعة زيتاو/جورليتز للعلوم التطبيقية، إلى جذب الشباب المصري للدراسة وبناء مسارات مهنية طويلة الأجل في ولاية ساكسونيا. وافتتحت الجامعة أول مركز لها في ألمانيا لربط الطلاب المصريين بسوق العمل الألمانية، بحسب ما ذكره القلا في أغسطس. وتسهم الدولة في هذه الجهود؛ فقد وقع صندوق تطوير التعليم، الذي يترأسه رئيس مجلس الوزراء، اتفاقا مع الجامعة في أغسطس 2025 لتقديم الدعم المالي واللوجستي للخريجين لتأهيلهم للسوق الألمانية، بحسب ما أفاد به القلا لإنتربرايز.

قال عبد الرحمن إن الرسوم الدراسية تتراوح بين 1000 و1400 يورو سنويا حسب البرنامج الدراسي، مع توفير منح دراسية للمتفوقين وغير القادرين. ويصرف بعض الشركاء بدلا شهريا للطلاب خلال فترة دراستهم بالقاهرة، خاصة في قطاع الضيافة. وفيما يخص الجانب الألماني، أوضح عبد الرحمن أن الجامعة أسست شركة منفصلة لتتولى توفير السكن والتغطية الصحية، ويمكن للطلاب العمل بجانب دراستهم للمساعدة في تغطية نفقات معيشتهم. لكنه شدد على أن "تزايد مشاركة الشركاء في القطاع الصناعي، سواء محليين أو دوليين، يمثل ركيزة أساسية لرؤية هذا النموذج".

الخطوة التالية: لم يسافر أي طالب إلى ألمانيا بعد. وقالت سيرا في يوليو إن جامعة ساكسوني مصر سترسل أول دفعة من طلابها إلى ألمانيا العام المقبل. لكن الشركة أخبرتنا أنه لم يُحدد أي موعد لذلك حتى الآن، وأن الدراسات الخاصة بإعادة دمج الخريجين في سوق العمل المصرية بعد انتهاء فترتهم في ألمانيا ما زالت قيد الإعداد.