تضم مصر حاليا 9 فروع للجامعات الدولية، كما أن هناك 11 فرعا آخر في انتظار الموافقات على تخصيص الأراضي، وذلك في إطار مساعي تحقيق المستهدف الحكومي بالوصول إلى 20 فرعا بحلول عام 2030. وبعد عامين من الضغوط التي تعرضت لها هوامش الربحية بسبب أزمة النقد الأجنبي، يرى مديرو الفروع الذين تحدثوا لإنتربرايز أن الأسوأ قد ولى بالفعل، وأن الاختبار التالي يكمن في مدى قدرة هذا النموذج التعليمي على جذب طلاب من غير المصريين.

تجاوز أزمة النقد الأجنبي: رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع النفقات الرأسمالية للإنشاءات، وهو ما أشارت إليه إنتربرايز قبل عامين، بدأت الضغوط التشغيلية المرتبطة بالنقد الأجنبي في الانحسار. ففي حديثه مع إنتربرايز، قال أشرف عبد الباسط، المدير الأكاديمي لفرع جامعة هيرتفوردشاير في مصر، إن أزمة العملة أصبحت شيئا من الماضي، وأن الأوضاع استقرت بعد التدخل الحكومي الأخير لحل أزمة النقد الأجنبي.

الاعتماد على العنصر المحلي: أوضح عبد الباسط أن غالبية الأساتذة والطلاب مصريون، مما يحد من تأثر الجامعات بتقلبات أسعار الصرف التي قد تطرأ بصفة يومية، ويساعد في حمايتها من الآثار الأشد للضغوط الاقتصادية.

الاحتفاظ بالدولار محليا: بعيدا عن الضغوط التشغيلية، يعمل هذا النموذج أيضا كما لو أنه حائط صد يمنع استنزاف النقد الأجنبي على مستوى الاقتصاد الكلي؛ إذ أسهم وجود هذه الفروع الدولية في تخفيف العبء الدولاري من خلال إبقاء آلاف الطلاب داخل مصر، بعد أن كان هؤلاء يلجأون إلى السفر خارج البلاد للدراسة قبل إنشاء هذه الفروع.

يتماشى هذا الطرح مع ما صرح به مصدر حكومي لإنتربرايز قبل أربعة أعوام، حين أشار إلى أن مصر كانت تنفق نحو 20 مليار جنيه سنويا على الطلاب الذين يدرسون في الخارج، مما شكل ضغطا إضافيا على سعر الصرف، ودفع الحكومة لجذب فروع الجامعات الدولية بهدف خفض هذه الفاتورة.

الهيمنة ما زالت للجامعات البريطانية: يأتي الرهان الأكبر في هذا القطاع من المملكة المتحدة. إذ قال مارك هوارد، مدير المجلس الثقافي البريطاني في مصر، إن صعود مصر من المرتبة الخامسة إلى المرتبة الرابعة عالميا في قائمة أكبر الأسواق المستضيفة لمؤسسات التعليم البريطاني العابرة للحدود يعكس الطموح الوطني القوي وجودة الشراكات بين الطرفين. وأضاف هوارد: "نركز على تعزيز الجودة، وتوسيع فرص الوصول، وضمان تحقيق هذا التعليم نتائج ملموسة للطلاب والمؤسسات والاقتصاد على النطاق الأوسع".

بالأرقام: توفر الجامعات البريطانية حاليا أكثر من 50% من برامج التعليم العابرة للحدود في مصر، عبر فروع الجامعات الدولية ونماذج التعليم الابتكارية الأخرى. ويلتحق في الوقت الراهن أكثر من 32 ألف طالب ببرامج التعليم البريطاني العابر للحدود في مصر، مما يجعل البلاد رابع أكبر سوق عالميا بين الأسواق المستضيفة لهذا النوع من التعليم.

انفراجة تنظيمية: على الجانب الأكاديمي والمهني، تمكنت فروع الجامعات الأجنبية من تجاوز واحدة من أكبر العقبات التسويقية محليا. إذ أشار عبد الباسط إلى أن خريجي بعض الكليات، مثل الهندسة والصيدلة، واجهوا في السابق صعوبات في القيد بالنقابات المهنية المصرية، مؤكدا أن هذه الأزمة "وجدت حلا مؤخرا وبدأت النقابات تسجل خريجي الفروع الأجنبية بشكل طبيعي"، مما يعزز من جاذبية هذه البرامج.

البوصلة تتجه شرقا مع التركيز على دمج التخصصات: يستعد فرع جامعة هيرتفوردشاير لإضافة تخصصات جديدة العام المقبل في قطاعات الأعمال والتكنولوجيا المالية، لمواكبة التطورات في الجامعة الأم في بريطانيا، بحسب عبد الباسط. وعلى المستوى الحكومي، يتحول التركيز أيضا نحو آسيا؛ إذ ا أوضحت مصادر بوزارة التعليم العالي لإنتربرايز أن الوزارة تدرس حاليا عروضا من "جامعات صينية وكورية ويابانية كبرى"، لإتاحة المجال للتخصصات التكنولوجية والمهنية المرتبطة بسوق العمل المحلية والدولية على حد سواء.

استهداف الطلاب الأجانب هو الخطوة التالية: يكمن التحدي الأكبر حاليا في تنويع مزيج الطلاب؛ إذ لا يزال القطاع حتى الآن يعتمد بكثافة على الطلاب المصريين.

يقول عبد الباسط عن ذلك إن "جذب الطلاب من دول المنطقة لا زال يمثل تحديا". وترسل الجامعة حاليا وفودا تسويقية إلى معارض التعليم الدولية، فقد عاد فريقها لتوّه من تنزانيا، ويخطط للتوجه إلى منطقة الخليج بمجرد هدوء التوترات الإقليمية، وذلك في إطار مساعٍ أوسع لدعم الاستدامة المالية للجامعة.

المنافسة لا تزال محلية.. وشرسة: إذا أرادت فروع الجامعات الأجنبية جذب الطلاب الدوليين، سيتعين عليها منافسة الجامعات الحكومية العريقة في مصر. فجامعتا القاهرة والإسكندرية ما زالتا من أقوى المؤسسات التعليمية التي تجذب الطلاب الوافدين إلى البلاد، وفق ما قاله مصدر بوزارة التعليم العالي لإنتربرايز.

كما أن مصر تسعى للتحول حاليا من مجرد مستورد للجامعات إلى مُصدِّر لها. إذ تخطط جامعة الشارقة لافتتاح فرع لها في مصر، في حين تمتلك جامعتا القاهرة والإسكندرية فروعا في دولة الإمارات بداية من العام الأكاديمي الحالي بهدف جلب العملة الصعبة، بحسب ما صرحت به مصادر حكومية ومديرو جامعات لإنتربرايز. ويسلط ذلك الضوء على التحول الذي طرأ على التعليم العالي، الذي صار أداة استراتيجية في التنافس الاقتصادي الإقليمي.

لكن الطريق لا يزال طويلا: قال مصدر بوزارة التعليم العالي لإنتربرايز إن البلاد تحتاج إلى "المزيد من العمل لتحويل مصر لمركز إقليمي للتعليم، عبر إجراءات تنظيمية وتسويقية تتلاءم مع رؤية مصر". وأضاف المصدر أن المرحلة المقبلة ستعتمد أيضا على "التحالف بين عدد من الجامعات التكنولوجية والأهلية المصرية والجامعات الأجنبية"، في شكل جديد وناجح من أشكال الاندماج الأكاديمي.

مزيد من التوسعات المرتقبة: أفاد مصدر آخر بالوزارة بأن جامعتي القاهرة والإسكندرية لديهما خطط أيضا لافتتاح فروع في السعودية وقطر وماليزيا، مضيفا أن جامعة القاهرة تخطط كذلك لافتتاح فرع في اليونان، بالإضافة إلى دول الخليج وآسيا.