تعتزم وزارة التربية والتعليم إضافة مادة الثقافة المالية إلى المنهج الدراسي لطلاب الصف الثاني الثانوي، مع منح المتفوقين منهم فرصة الوصول إلى تطبيقات محاكاة للتداول في البورصة المصرية ومحفظة استثمارية مؤجلة بقيمة 500 جنيه لا تُفعل إلا بعد التخرج. وبعث اختيار الحكومة الإعلان عن هذا البرنامج من مقر البورصة المصرية بدلا من وزارة التربية والتعليم إشارة واضحة بأن هذه الخطوة تمثل أيضا مسعى لتعزيز مشاركة الأجيال الشابة في أسواق المال، حتى إن كان التداول الفعلي لا يزال على بعد سنوات.
محاكاة وليس تداولا فعليا، في الوقت الحالي. في تعليقه لإنتربرايز، قال مساعد رئيس هيئة الرقابة المالية محمد عبد العزيز: "الطلاب لن يتداولوا فعليا في البورصة أثناء فترة دراستهم". كما أوضح الطريقة التي يعمل بها البرنامج عمليا؛ إذ تعتمد المنظومة على أربعة ضوابط:
- تداول تجريبي فقط: سيستخدم الطلاب برامج محاكاة لتطبيق ما درسوه نظريا، ولن يدخلوا البورصة فعليا إلا بعد قياس أثر المنهج واجتياز اختبار وبرنامج محاكاة عملي، بحسب عبد العزيز، الذي أوضح أن الهيئة ستركز على تهيئة نماذج المحاكاة الأنسب لتدريب الطلاب.
- للمتفوقين فقط: برامج المحاكاة ستقتصر على الطلاب الذين يبدون كفاءة وتفوقا في دراسة المادة النظرية التي ستدرج بالمناهج.
- المحافظ الممولة تأتي لاحقا: لن يتعرض الطلاب لأي خسائر مالية أثناء التدريب. ولن تصبح المحافظ الممولة متاحة للتداول الحقيقي إلا بعد اجتياز الامتحان النظري والعملي، عندها يكون الطالب قد بلغ 15 عاما ويمكنه استخدام المحفظة للتداول الفعلي، بشروط خاصة، تتضمن حدا أقصى للمحفظة يبلغ 40 ألف جنيه، واقتصار التداول على البيع والشراء فقط، دون السماح بالشراء بالهامش أو اقتراض الأوراق المالية.
- تقسيم الأدوار: ستشارك هيئة الرقابة المالية في تصميم المنهج الأساسي للمبادرة، وتتولى وزارة التربية والتعليم الشق التنفيذي بالتعاون مع الجانب الياباني.
تطرح الحكومة نموذجا يعتمد على الممارسة والمشاركة في العالم الحقيقي. وفي هذا السياق، قال وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف خلال المؤتمر الصحفي: "من المقرر تدريس منهج الثقافة المالية كنشاط على منصة البرمجة والذكاء الاصطناعي، وليست مادة نجاح ورسوب". وأضاف أنه سيجري تكويد الطلاب الناجحين رسميا في البورصة المصرية، مع فتح محفظة بقيمة 500 جنيه باسم كل طالب لتُفعل بعد تخرجه.
تحول هيكلي: أوضح عبد اللطيف أن وزارة التربية والتعليم تنتقل "من تدريس الاقتصاد للطلاب إلى السماح لهم بالتعلم ضمن منظومة الاقتصاد ذاتها". وأشار إلى أن فهم كيفية خلق القيمة لا يمكن أن يأتي من الحفظ وحده، بل من خلال "اتخاذ القرار، والمخاطرة، وتحمل المسؤولية".
عند النظر إلى هذا التحديث من منظور الخدمات المالية، سنجد أن هذا البرنامج يأتي استجابة لتغيير ديموغرافي في أسواق المال المحلية، وهو ما تسارع بفضل صعود التكنولوجيا المالية. إذ تشير الأرقام الصادرة عن رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية إسلام عزام إلى طفرة واضحة في مشاركة الشباب؛ فقد ارتفعت نسبة المستثمرين في الفئة العمرية بين 18 و40 عاما مؤخرا لتمثل نحو 79% من مستثمري البورصة المصرية، في حين يمثل المستثمرون الشباب نحو 80% من المهتمين بالمنتجات الجديدة مثل صناديق الذهب. ويجعل هذا المستوى من الإقبال تثقيف المستثمرين أمرا أكثر إلحاحا، لمساعدة المشاركين الأصغر سنا في السوق على اتخاذ قرارات مدروسة وتقليل المخاطر المحتملة.
صرح رئيس البورصة المصرية عمر رضوان خلال الفعالية بأن الهدف لا يقتصر على مجرد جذب المزيد من الأفراد إلى السوق، بل "إعداد مستثمر واع يتخذ قراراته بناء على المعرفة". وأشار رضوان إلى أن عدد المستثمرين الجدد في البورصة المصرية قفز بنسبة 215% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق؛ إذ جذبت البورصة نحو 160 ألف مستثمر جديد خلال هذا الربع.
دعم ياباني: شهدت الفعالية توقيع عبد اللطيف مذكرة تفاهم مع ميتسو أوتشي، رئيس جامعة هيروشيما، وهيرويوكي تسونيشي، رئيس شركة سبريكس اليابانية للتعليم. وتهدف المذكرة إلى طرح "اختبار المهارات الأكاديمية الأساسية للتثقيف المالي" (TOFAS) — وهو إطار تقييم دولي لقياس النتائج. وبموجب هذا الإطار:
- ستتولى وزارة التربية والتعليم تطبيق اختبار TOFAS ضمن نظام التعليم الوطني وتوفير التنسيق والدعم المؤسسي اللازمين.
- ستوفر شركة سبريكس اليابانية المنصات الرقمية وأدوات التقييم، بالإضافة إلى تقديم برامج لتدريب المعلمين ومديري المدارس على استخدام النظام بكفاءة.
- ستتولى جامعة هيروشيما، بصفتها الشريك الأكاديمي، بمراجعة الأسس العلمية للاختبار وضمان جودته ومواءمته للمعايير. كما ستصدر الجامعة شهادات معتمدة للطلاب تحت إشراف الوزارة.
التكامل مع السياسة الاقتصادية الأوسع: قال وزير التخطيط أحمد رستم إن دمج الثقافة المالية في العملية التعليمية من شأنه تعزيز "معدلات تنفيذ مستهدفات رؤية مصر 2030". وقد حققت مصر بالفعل خطوات واسعة في مجالي التنمية البشرية والشمول المالي الذي يقترب من 80%. وأشار رستم أيضا إلى التوسع في خدمات الشمول المالي بالتعاون مع البنك المركزي المصري، عبر فتح نحو 2.6 مليون حساب بنكي وبطاقة مدفوعة مقدما ومحفظة إلكترونية في قرى المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة. كما أسهمت هذه الجهود المكثفة في تحسن مؤشر الشمول المالي بمقدار 21 نقطة مئوية، ليصل إلى 76% من السكان فوق سن 15 سنة.
توسع يتجاوز المرحلة الثانوية: تعمل الهيئة العامة للرقابة المالية مع وزارة التعليم العالي لدمج الطلاب في القطاع المالي من خلال مبادرة "I invest"، وفق ما قاله عبد العزيز خلال اجتماع بين رئيس الهيئة ووزير التعليم العالي في أواخر أبريل الماضي. وأضاف أن المبادرة تتدرج في تقديم المهارات المالية حسب الفئة العمرية والمرحلة الدراسية، معتمدة على توفير أرصدة مالية للطلبة من جهات داعمة بهدف ممارسة التداول بالمحاكاة، مع حظر التصرف فيها مؤقتا.
تكلفة ضعف الثقافة المالية: قال عبد العزيز إن تفاوت الثقافة المالية مسؤول عما يتراوح بين 30-40% من الفروق في الثروات بين الأفراد، مشيرا إلى عمل الهيئة بالتعاون مع الجهات الحكومية على نشر الثقافة المالية؛ فقد أثمر بروتوكول وقعته الهيئة عام 2022 مع وزارة التعليم العالي عن مشاركة 12 ألف طالب جامعي، وتخريج 66 مدربا معتمدا للتوعية المالية.