في الوقت الذي لا تزال فيه مجالس إدارة الشركات تناقش مدى جاهزية المنظومة المحلية للذكاء الاصطناعي، يبدو أن سوق العمل تسبقها بخطوة بالفعل. إذ يتدفق الموظفون في منتصف مسيرتهم المهنية، وليس الطلاب فحسب، إلى منصات التعليم الإلكترونية لتحصين مستقبلهم ضد اضطراب المهارات الذي لم يعد أمرا نظريا، وفق ما ذكرته مصادر مطلعة في قطاع تكنولوجيا التعليم لإنتربرايز.
“المتعلمون يستعدون للاضطراب مسبقا، بدلا من رد الفعل بعد وقوعه”، وفق ما قاله قيس زريبي، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في منصة تكنولوجيا التعليم العالمية “كورسيرا”، في تصريحات لإنتربرايز. ومع وجود أكثر من 3.7 مليون متعلم في مصر — يمثلون ما يقرب من 30% من سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باكمله — أضحت البلاد مركزا ضخما لتطوير المهارات.
وعلى عكس المتوقع، يبلغ متوسط عمر المتعلم على المنصة في مصر 31 عاما. وأخبرنا زريبي أن الفئة الديموغرافية الرئيسية لضمان نمو “كورسيرا” هي “الراغبون في تغيير مسارهم المهني والمهنيون في منتصف مسيرتهم الحريصون على تبني الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والرقمنة”.
بالأرقام: في عام 2023، كان هناك متعلم مصري يسجل في دورة للذكاء الاصطناعي التوليدي مرة كل 20 دقيقة، وفق بيانات خصتنا بها منصة كورسيرا. وبحلول عام 2025، قفز هذا المعدل ليصل إلى تسجيل واحد كل تسع دقائق. في حين شهد العام أكثر من 440 ألف تسجيل من مستخدمين مصريين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والمعروفة اختصارا بـ “STEM”.
ويتطلع المتعلمون عبر منصات التعليم الأخرى أيضا إلى المهارات المطلوبة مستقبلا، حيث يتصدر الذكاء الاصطناعي قائمة الاهتمامات كذلك، يليه الأمن السيبراني وإدارة المشروعات، وفقا لما قاله مصطفى عبد اللطيف، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة تكنولوجيا التعليم المصرية “إي يوث”. وأوضح زريبي أن الاهتمام المتزايد بمجالات “STEM” “يعكس واقع أن المهارات الرقمية والتقنية أصبحت عاملا أساسيا للتوظيف في الوقت الراهن”.
وبالنظر إلى المستقبل، المؤشرات تظهر أن الطلب سيظل قويا، إذ من المتوقع أن تتغير 48% من المهارات المطلوبة في سوق العمل بمصر خلال السنوات الخمس المقبلة، مقابل المعدل العالمي البالغ 39%، وفق تقرير “مستقبل الوظائف” (بي دي إف) الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرا. وبالطبع، يلعب الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا دورا محوريا في هذا التحول، إذ يتوقع التقرير أن تتولى التكنولوجيا 45% من المهام بنهاية العقد، مقابل 30% للبشر، و25% بشكل تشاركي.
أصحاب العمل في مصر يدركون أيضا فجوة المهارات، إذ أعتبر 73% منهم نقص المهارات العائق الرئيسي أمام تطوير أعمالهم، وفقا للمنتدى الاقتصادي العالمي. ويشير عبد اللطيف بالمثل إلى أن 40% من الشركات التي تتواصل معهم تعزو عدم توظيف الشباب إلى نقص المهارات، وأن 40% من الطلب على الدورات يأتي من موظفين وجههم أصحاب العمل للتدريب. وينعكس هذا أيضا في بيانات توظيف الشباب في المنطقة، وهو ما يفسر تركيز منصة “إي يوث” على الفئة العمرية من 15 إلى 35 عاما.
وهناك عدة أسباب لتراجع التدريب والتعلم التقليدي، بحسب “إي يوث”، التي تضم 4 ملايين مشترك، وفي مقدمتها تقديم “دورات عند الطلب يمكن لأي شخص الالتحاق بها في أي وقت ومن أي مكان”. وتشير المنصة أيضا إلى استخدامها لمعلمي الذكاء الاصطناعي لتخصيص وتحسين تجربة التعلم، فضلا عن ربط الخريجين بفرص العمل، كعوامل تميزها عن التعليم التقليدي والمنصات المنافسة.
السرعة التي يمكن للطلاب بها تعلم المهارات وإتمام الدورات تمنح منصات التعلم عبر الإنترنت ميزة تنافسية إضافية، وفقا لزريبي. “يريد الناس تعلم مهارات لمجال معين في غضون ستة إلى تسعة أشهر، بينما يستغرق هذا وقتا أطول بكثير في التعليم التقليدي للحصول على درجة دبلومة”.
وما تقدمه هذه المنصات اليوم — على عكس البدايات الأولى للتعليم عبر الإنترنت — هو “محتوى معتمد وشهادات معترف بها”، وفق ما قاله عبد اللطيف لإنتربرايز. لكن حتى دون بريق الشهادة الجامعية التقليدية، “نشعر أنه على مدار السنوات الأربع أو الخمس الماضية، بدأ التركيز يتحول من الشهادات وحدها إلى المهارات المرتبطة مباشرة بسوق العمل”، حسبما قال زريبي.