واجه نظام التعليم قبل الجامعي في مصر ثلاثة تحديات رئيسية على مدى عقود طويلة، تتمثل في النقص المزمن في أعداد المعلمين، والبنية التحتية المتهالكة، والمناهج الدراسية التي تخفق في إعداد الخريجين لسوق العمل. وتشير استراتيجية الحكومة لعام 2030، المفصلة في الإصدار الثاني من “السردية الوطنية للتنمية الشاملة” (بي دي إف)، إلى أن الدولة أدركت أخيرا أنها لا تستطيع حل هذه المشكلات بمفردها. تمثل الخطة المتبعة تحولا نحو دمج القطاع الخاص بقوة والتركيز على التعليم الفني والتقني.
يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة؛ نظرا إلى أن الحكومة تستهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في سوق التعليم إلى 20% بحلول عام 2030. ويعني هذا لمستثمري القطاع وجود احتمالية كبيرة بتيسير إجراءات استصدار تراخيص الحضانات والمدارس. أما على مستوى الصناعة، فيحمل هذا إشارة دالة على التدفق الكبير لخريجي التعليم الفني لسد الفجوات في سوق العمل.
لا يوجد حل سحري لنقص أعداد المعلمين
تلتزم الحكومة أيضا بخفض كثافة الفصول الدراسية لتصل إلى 30 طالبا لكل فصل، انخفاضا من 40 طالبا خلال العام المالي الماضي، مع التركيز على المحافظات ذات الكثافات الأعلى مثل الجيزة وأسيوط والمنيا وسوهاج والفيوم وقنا والقاهرة وبني سويف والقليوبية. وسيحظى هذا الهدف بدعم من الاتجاه نحو خفض نسبة الطلاب إلى المعلمين، لتصل إلى معلم لكل 20 طالبا بحلول نهاية العقد، نزولا من معلم لكل 29 طالبا في العام المالي الماضي.
ومن أجل سد هذه الفجوة، تخطط الحكومة لإطلاق حملة تعيينات واسعة، مع تخصيص تمويل لتوظيف 167 ألف معلم بنظام التعاقد، واستهداف خريجي كليات التربية. ويجري العمل على تخفيف الضغط على أعداد المعلمين من خلال تقليل عدد الحصص للمواد الأساسية من 12 إلى 8 حصص.
بيد أن تحقيق مستهدفات التعليم لعام 2030 ستحمل صعوبة، بالنظر إلى أن مصر فقدت نحو 127 ألف معلم بين عامي 2018 و2023. وتعترف السردية الوطنية بهذه الإشكالية، لكنها تقترح حلولا تبدو أقرب إلى حلول مؤقتة منها إلى إصلاحات مستدامة، بما في ذلك رفع سعر الحصة للمعلمين المتعاقدين من 20 جنيها إلى 50 جنيها.
وحتى إذا شُيدت فصول جديدة، لن يبدد هذا الحقيقة التي تقول إننا نحتاج إلى معلمين لتشغيلها. وثمة تهديد آخر ناتج عن إشكالية تكدس الفصول الدراسية، وهو ما يطلق عليه “فقر التعلم” — إذ يذهب الأطفال إلى المدرسة لكنهم لا يتعلمون — الذي لا يقتصر أثره على حرمان الأطفال من حقهم في التعليم الجيد فحسب، بل يمتد أيضا إلى الإضرار بجودة العمالة المبتدئة التي تحتاجها البلاد والشركات التي تنشط فيها.
مزيد من المدارس الأكبر والأفضل
يُبنى الآن ما بين 13 إلى 15 ألف فصل جديد سنويا، بعد بناء 150 ألف فصل خلال العقد الماضي. ويضاف هذا إلى الآليات المعمول بها حاليا، التي تتضمن إدخال الفصول التناوبية، وزيادة الأسبوع الدراسي إلى 6 أيام.
وثمة مستهدفات لزيادة إتاحة الفصول في التعليم المتميز والتنافسي إلى 10% بحلول 2030، صعودا من 7% في العام المالي الماضي، عبر بناء المزيد من المدارس اليابانية، ومدارس المتفوقين (STEM)، ومدارس النيل، والمدارس الرسمية الدولية.
وتتطلع الدولة أيضا إلى توسيع دور القطاع الخاص بهدف استحواذه على 15% من إجمالي الطلاب بحلول 2030، صعودا من نحو 12.7% حاليا. تبدو هذه الزيادة البالغة 2.3% متواضعة، لكنها تمثل تحولا هائلا لرأس المال والمسؤولية في بلد يضم أكثر من 25 مليون طالب.
فجوة التعليم المبكر.. فرصة للقطاع الخاص
تتمثل أهم الإشارات التي يلتقطها مجتمع الأعمال في اعتراف الدولة بوجود فجوة تحتاج إلى سدها. وتشير السردية الوطنية إلى وجود عجز بنسبة 32% في مراكز الطفولة المبكرة في العام المالي 2022-2023، وتقترح إصلاحه عبر تيسير تراخيص الحضانات الخاصة، والسماح للمدارس الخاصة بفتح فصول لمرحلة الطفولة المبكرة، بالإضافة إلى تطوير مناهج رياض الأطفال وتدريب العاملين.
وبحلول عام 2030، تسعى السردية إلى زيادة معدل القيد الإجمالي للأطفال في مرحلة ما قبل الابتدائي (4-6 سنوات) إلى 35%، صعودا من نحو 22.8% في عام 2025، عبر زيادة عدد فصول رياض الأطفال بالمدارس.
رهان مضاعف على التعليم الفني
بحلول عام 2030، يتمثل الهدف في التحاق 55% من جميع طلاب المرحلة الثانوية بمسارات التعليم الفني والمهني، صعودا من 44% في الوقت الحالي. ويعد نموذج مدارس التكنولوجيا التطبيقية حجر الزاوية في هذا التوجه، عبر شراكات مع جهات صناعية خاصة مثل السويدي إليكتريك و”جي بي كورب”.
وتستهدف الحكومة الوصول بنسبة تشغيل خريجي هذه المدارس إلى 100% بحلول نهاية العقد. ومع أن الطموح والاتجاه العام مشجعان، لا تزال البنية التعليمية اللازمة لاستيعاب نحو 55% من الشباب — في حين لا يوجد سوى 511 مدرسة من هذا النوع حاليا — تتطلب توسعا هائلا وسريعا في الشركاء الصناعيين من القطاع الخاص المستعدين لتحمل عبء التدريس.
الأزهر ينجح فيما فشل فيه الآخرون
ربما تكون البيانات الأكثر مفاجأة في استراتيجية 2030 هي الطفرة المشهودة في مدارس الأزهر. فبينما نما الالتحاق بالمدارس الحكومية العامة بمعدل بطيء بلغ 1.1% خلال السنوات الثلاث الماضية، شهدت مدارس الأزهر معدل نمو مذهلا بلغ 15%.
هذا ليس مجرد تحول ثقافي، بل هو تحول اقتصادي أيضا. يهرب أولياء الأمور من النظام الحكومي المكدس بحثا عن الانضباط ونسبة أفضل لعدد الطلاب مقابل المعلمين في منظومة الأزهر. وتستهدف الحكومة اعتماد 30% من المعاهد الأزهرية بحلول 2030، في محاولة لإخضاع سوق التعليم الموازي هذا لنفس مظلة مراقبة الجودة التي يخضع لها النظام الرسمي للدولة.