التعليم الإلكتروني لم يأت ليبقى فحسب — بل إنه يزدهر: شهدت صناعة التعليم الإلكتروني عالميا طفرة هائلة على مدار العقدين الماضيين، إذ نمت بنسبة كبيرة بلغت 900% منذ عام 2000، ولم تظهر أي علامات على التباطؤ، وفق أكسفورد ليرنينج كوليدج. وقد أدت جائحة كوفيد إلى تسريع هذا الاتجاه، الأمر الذي ساهم بنمو القطاع بنحو 200% في غضون خمس سنوات فقط، ومن المتوقع أن تتجاوز قيمة القطاع 370 مليار دولار بحلول عام 2026.

لم يعد التعليم الإلكتروني مجرد خيار بديل، بل أصبح أسلوب التعليم المفضل للعديد من الطلاب والموظفين على حد سواء. يقول 70%من الطلاب إن التعلم عبر الإنترنت أفضل من التعليم التقليدي في الفصول الدراسية بسبب مرونته، بينما تقدم 80% من الشركات الآن حلولا تدريبية عبر الإنترنت. كما تبنت الجامعات هذا التحول، إذ قدمت 98% من المؤسسات دورات تدريبية عبر الإنترنت، مما يجعل التعليم الافتراضي ركيزة أساسية في التعليم العالي.

الوضع الراهن للتعليم الإلكتروني في مصر -

قطعت مصر شوطا كبيرا في مجال التعليم الإلكتروني والتعليم الرقمي، وهو الاتجاه الذي اكتسب زخما في أعقاب جائحة كوفيد. ومع أن الجائحة أدت إلى تسريع انتقال مصر إلى التعلم الإلكتروني، إلا أن التحول بدأ بالفعل قبل سنوات من ذلك، وفق ما قاله مصدر بوزارة التعليم لإنتربرايز. ولعب إطلاق بنك المعرفة المصري دورا محوريا في مساعدة المدارس على دمج أدوات التعلم الإلكتروني تدريجيا في الفصول الدراسية.

تمتلك مصر حاليا خمس منصات لتقديم المساعدة الإلكترونية والدعم الفني في مواد بعضها تفاعلية والبعض الآخر يعتمد على قدرات الطالب على الاستيعاب وتكرار الشرح، حسبما صرح المصدر. أصبحت نموذج التعليم المدمج — الذي يجمع بين التعليم الشخصي والتعليم الإلكتروني — هو المعيار العالمي. وهذا يوفر للطلاب فرصا أكبر لاكتساب مهارات مهنية وشهادات دولية بتكاليف أقل، مما يجعل البدء من سن صغيرة فرصة كبيرة لهذا المجال، بحسب المصدر.

مصر تطلق أكبر منصة تعليم إلكتروني في المنطقة: تعمل وزارة التربية والتعليم على مشروعها الأكثر طموحا للتعليم الإلكتروني — وهو عبارة عن منصة شاملة للتعليم الإلكتروني طورت بالشراكة مع اليونسكو، والتي ستكون الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط، وفق ما قاله المسؤول لإنتربرايز. سيطلق الفصل الدراسي التفاعلي المتكامل في العام الدراسي المقبل، مما يوفر للطلاب كل ما يحتاجون إليه — من المناهج والتقييمات بالإضافة إلى المراجعات — في منصة واحدة. يهدف المشروع إلى معالجة أزمة اكتظاظ الفصول الدراسية، مع تزويد الطلاب أيضا بمهارات الاتصال الرقمي الحاسمة التي يزداد الطلب عليها في سوق العمل.

.. والتي يمكن أن تكون بمثابة بديل لمراكز الدروس الخصوصية: ستكون المنصة متاحة بنظام الأكواد لطلاب المدارس الخاصة اللغات والعربية إلى جانب المدارس الحكومية والتجريبية، وفق ما صرح به مصدر حكومي بوزارة التربية والتعليم لانتربرايز في وقت سابق. ومن المتوقع أن تعمل المبادرة على الحد من الاعتماد على مراكز الدروس الخصوصية، وتقديم بديل مدفوع بالتكنولوجيا للدروس التقليدية بعد المدرسة. سيعمل النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي على غرار تطبيقات تعلم اللغة، وسيوفر شروحات تفصيلية وتفاعلية مصممة خصيصا لتفضيلات التعلم لدى الطلاب. ستتميز المنصة أيضا آلية تتبع الطالب وإرسال الواجبات الدراسية، وأدوات المراجعة الشاملة، مما يعزز تجربة التعلم التفاعلية.

سد الفجوة في التعليم المدمج: تعمل وزارة التعليم أيضا على مواكبة اتجاهات التعليم العالمية، بهدف تقديم نواتج تعلم تماثل نظيرتها في الدول المتقدمة. والهدف هو ضمان إلمام الطلاب بأدوات التعلم المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وإعدادهم لبيئات العمل التي تعتمد على التكنولوجيا، وفقا للمصدر.

كيف ستعمل المنصة؟ لا تزال المنصة تحت الاختبار حاليا وستضاف صفوف دراسية بمناهجها الجديدة تدريجيا وستطبق على بعض المحافظات كمرحلة أولى ثم تتبعها مراحل اخرى وفق البنية التحتية المتوفرة سواء في المدارس أو المناطق السكنية. سيسجل الطلاب على المنصة من خلال مدارسهم، مع إمكانية الوصول المجاني لطلاب المدارس الحكومية، بينما سيدفع طلاب المدارس الخاصة رسوما رمزية، وفق المصدر الذي أشار إلى إن المدارس الدولية لن تدرج في المبادرة.

هل يخفف التعليم الإلكتروني من أزمة نقص المعلمين؟ تواجه مصر نقصا حادا في المعلمين في ظل وجود عجزا قدره 469.9 ألفمعلم، وقد قفز هذا الرقم إلى 665 ألفا بعد أن أضافت الحكومة 98 ألف فصل دراسي جديد، وفق ما صرح به وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف.

ومع ذلك، فإن التعلم الإلكتروني ليس بديلا عن المدارس التقليدية - وخاصة في الصفوف التعليمية الأولى، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي للكلية البريطانية الدولية بالقاهرة أحمد سمير زكريا في تصريحات لإنتربرايز. وأضاف أن المدارس التقليدية تظل ضرورية، وخاصة للطلاب في المراحل الأولية، لأنها توفر بيئة اجتماعية حاسمة تشكل الشخصية وتضيف مهارات حياتية. ومع ذلك، أثبتت الأدوات الرقمية فعاليتها العالية في تعزيز تجارب التعلم لدى الطلاب، وفقا لسمير.

توسيع حلول التعليم الإلكتروني لمعالجة نقص الفصول الدراسية: التوسع في الحلول التكنولوجية لتعليم الطلاب — بما في ذلك منحهم شهادات مختلفة عبر منصات ومدارس إلكترونية بالكامل — يمكن أن يساعد في معالجة نقص الفصول الدراسية في مصر، وفق تصريحات نائب رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة بدوي علام لإنتربرايز. وأضاف علام أن منصة "مدرستنا" التابعة لوزارة التربية والتعليم تعد من إحدى التجارب التي حققتها مصر في التحول الرقمي للتعليم. فقد بدأت المنصة كقناة تلفزيونية تعليمية تديرها الدولة، ثم تطورت إلى تطبيق عبر الهواتف المحمولة، ما أدى إلى توسيع نطاق وصول الطلاب إلى أدوات التعلم الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، أصبحت تطبيقات التعلم الإلكتروني الخاصة التي تكفل متابعة الطلاب ومنحهم حصصا دراسية أيضا أحد أشكال التطور الاستثماري في قطاع التعليم في مصر.

لا تزال البنية التحتية تشكل عقبة رئيسية: رغم أهمية التعليم المدمج والإلكتروني لزيادة فرص التعليم عن بعد إلا أن مصر تواجه الكثير من التحديات للتوسع في هذا المجال في السنوات القليلة المقبلة، وفق ما قاله المصدر.

التعليم العالي متقدم في هذا الشأن: على عكس التعليم ما قبل الجامعي، كان قطاع التعليم العالي في مصر يدمج التعلم الإلكتروني والتعليم عن بعد منذ سنوات. أنشأت الحكومة جامعة للتعلم الإلكتروني في عام 2007، مما يسمح للطلاب بحضور المحاضرات عن بعد والحصول على درجات معتمدة دون الحاجة إلى التواجد في الحرم الجامعي.

يوفر التعليم عن بعد إمكانية الحصول على تعليم عالي الجودة بتكلفة أقل، بحسب رئيس الجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني هشام عبد السلام. تقدم الجامعة حاليا ثلاثة برامج معتمدة في إدارة الأعمال والحاسبات والمعلومات والدراسات التربوية، مع خطط لإطلاق خمس كليات جديدة في الهندسة والإعلام والقانون واللغات.

الجامعات المصرية تعمل على توسيع برامجها التعليمية الإلكترونية: تعمل العديد من الجامعات الكبرى في البلاد على تكثيف برامج التعليم الإلكتروني في العديد من التخصصات:

  • جامعة القاهرة: تقدم الجامعة مجموعة واسعة من البرامج الدراسية عن بعد، بما في ذلك برامج البكالوريوس والدراسات العليا في مجالات متعددة مثل إدارة الأعمال، والعلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية كما يجري متابعة التزام الطلاب بحضور المحاضرات وتسجيل الغياب عن بعد والتأكد من استيفائهم للمتطلبات الأكاديمية.
  • جامعة عين شمس: تعد الجامعة إحدى المؤسسات الرائدة في التعليم عن بعد، إذ تقدم برامج التعلم عن بعد في العلوم والهندسة والآداب. يمكن للطلاب حضور المحاضرات عبر الإنترنت وإجراء الاختبارات النهائية في الحرم الجامعي أو عبر منصات متخصصة.
  • جامعة المنصورة: تقدم الجامعة برامج دراسية عن بعد في التكنولوجيا والهندسة، إضافة إلى دورات تدريبية قصيرة في تطوير المهارات الشخصية والمهنية.
العلامات: