شهد قطاع التعليم في مصر تحولا هائلا خلال عام 2024، مدفوعا بإصلاحات شاملة في السياسات، وضغوط اقتصادية متزايدة، مع اتجاهه لجذب الاهتمام العالمي. بدءا من إصلاح نظام الثانوية العامة وصولا إلى إطلاق سنة تأسيسية للجامعات، سعت الحكومة إلى تحديث القطاع بينما تقف في مواجهة التداعيات المالية لخفض قيمة الجنيه. لقد شهد العام العديد من التحديات والفرص، وأعاد تشكيل المشهد للطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والمستثمرين. وفي السطور التالية نستعرض كيف تطور القطاع على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية.
شهد بداية عام 2024 الإعلان عن إصلاحات شاملة لنظام الثانوية العامة، بهدف جعله أكثر توافقا مع اختبارات كل من الشهادتين الثانوية البريطانية والثانوية الأمريكية. سيسمح النموذج الجديد، الذي بدأ العمل به مع بداية العام الدراسي الحالي 2025/2024، للطلاب الاختيار بين مجموعة متنوعة من المسارات الأكاديمية، بدلا من الخيارين الحاليين - العلمي والأدبي. "يجري تطوير النظام بالتعاون مع متخصصين في قطاع التعليم وخبراء دوليين، بحيث يرقى إلى مستوى المعايير الدولية"، وفق ما قاله مصدر في الوزارة لإنتربرايز في وقت سابق من هذا العام.
يضيف النظام الجديد تغييرات كبيرة على درجات الثانوية العامة، إذ من المقرر أن يدرس طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي في العام الجديد ست مواد، بدلا من 10 وثماني مواد على الترتيب، على أن يدرس طلاب الصف الثالث الثانوي خمس مواد فقط بدلا من سبع. وستصبح اللغة الأجنبية الثانية ومواد الجيولوجيا وعلم النفس والتربية الدينية مواد نجاح ورسوب غير مضافة للمجموع.
الإصلاحات قوبلت بردود فعل متباينة: في حين قد تخفف هذه الخطوة من الضغوط على الطلاب وتحد من الدروس الخصوصية، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن التنفيذ المتسرع وجاهزية المعلمين. لا يشعر أصحاب المدارس الخاصة بالقلق، إذ أكدوا على أن الطلب على هذه الشهادات الدولية مستمر بسبب جودة التعليم الذي تقدمه، على الرغم من أن الاستثمار الخاص يواجه عقبات بسبب ارتفاع التكاليف والتحديات التنظيمية. وتعمل الحكومة على تحقيق التوازن في القطاع من خلال تحسين الطلب على مختلف النظم التعليمية وتشجيع نمو القطاع الخاص، ولكن التأثير الحقيقي للنظام لا يزال غير واضح.
ومن بين التغييرات الكبرى الأخرى التي تلوح في الأفق الاستعدادات للتطبيق الرسمي نظام السنة التأسيسية، المقرر طرحه بحلول عام 2026/2025. يسمح النظام المصمم كبرنامج ساعات معتمدة للطلاب بتحسين درجاتهم بنسبة 5-10% من المجموع، مما يتيح لهم الالتحاق بكليات لم يتمكنوا من الوصول إليها بمجموع الثانوية العامة وحدها. ورغم أن البرنامج اختياري، فإنه يستبعد الجامعات الحكومية، الأمر الذي من شأنه أن يدفع الطلب نحو المؤسسات الخاصة. وهناك تعديلات تشريعية يجري صياغتها حاليا، مع خطط لتوحيد اللوائح بما يتماشى مع المعايير الدولية، مما يجعل مصر مركزا تنافسيا للسياحة التعليمية ويقلل من الحاجة إلى قيام الطلاب بالدراسة في الخارج.
تعمل الحكومة على تغيير نظام تقييم اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية والتاريخ في المدارس الدولية. وبدءا من سبتمبر 2025، ستحسب هذه المواد ضمن درجات نهاية العام لطلاب المدارس الدولية، حيث تساهم بنسبة 10% لكل منها. تهدف التغييرات إلى تعزيز الهوية الوطنية، مع تدريس المواد في مختلف الصفوف. في الوقت الذي يصفها المسؤولون بأنها خطوة دستورية في الاتجاه الصحيح، يرى أولياء الأمور وبعض المدارس أنها ستضر بنظم التعليم الأجنبية. وتستعد المدارس لتقديم مقترحات للتكيف، لكن وزارة التعليم تظل حازمة بشأن القرار.
شعر المعلمون وأولياء الأمور والطلاب بالتأثير الكامل لخفض قيمة الجنيه في عام 2024، إذ أدت التكاليف المرتفعة إلى الضغط على قطاع التعليم في مصر على نطاق واسع. تعاني المدارس الدولية والخاصة لموازنة النفقات التشغيلية المتزايدة مع الحد الأقصى الذي تفرضه الحكومة على زيادة الرسوم الدراسية، مما جعل العديد من المؤسسات في وضع مالي محفوف بالمخاطر. واجهت المدارس تحديات متزايدة، بدءا من ارتفاع رواتب المعلمين بالعملات الأجنبية إلى زيادة تكاليف الوقود والمواد، مما استدعى الحاجة إلى جولات من المفاوضات مع وزارة التعليم من أجل سياسات أكثر مرونة للرسوم الدراسية. في غضون ذلك، استعد الآباء لدفع رسوم أعلى وتحمل تكاليف إضافية، مثل رسوم الحافلات المدرسية والزي المدرسي، بعدما سعت المدارس إلى تمرير بعض الضغوط المالية إلى أولياء الأمور.
الحكومة تسعى لإضفاء الطابع الدولي على التعليم لتخفيف ضغوط النقد الأجنبي: طرحت المدارس خططا للتقسيط وتدابير مبتكرة لخفض التكاليف، بينما اعتمدت الجامعات على الطلاب الأجانب والشراكات الدولية للتخفيف من وطأة الضغوط المالية. وضعت مقترحات لاستبدال برامج الدراسة في الخارج، التي تأثرت بشدة من تقلبات سعر الصرف، ببدائل أقصر وأقل تكلفة وفرص منح دراسية للطلاب الاستثنائيين. في الوقت نفسه، تساعد جهود الحكومة لإضفاء الطابع الدولي على التعليم - من خلال جذب المزيد من الطلاب العرب والأفارقة - في تعويض ضغوط النقد الأجنبي ووضع مصر كمركز تعليمي إقليمي.
إذن، كيف صمدت أعداد الطلاب الدوليين؟ تسعى الحكومة إلى جذب 200 ألف طالب أجنبي إلى الجامعات المصرية بحلول عام 2030، مستهدفة تحقيق إيرادات من قطاع السياحة التعليمية بقيمة ملياري دولار. ارتفع أعداد الطلاب الملتحقين بشكل واضح، ومن المتوقع أن يصل عدد الطلاب الدوليين إلى 30 ألف طالب هذا العام، صعودا من 26 ألفا في العام الماضي و8300 فقط في العام الدراسي 2019/2018. وتعد الجامعات الرائدة مثل القاهرة والمنصورة والإسكندرية من بين الخيارات الأولى أمام الملتحقين، ويرجع ذلك جزئيا إلى اعتمادها من قبل الدول الخليجية. تختلف الرسوم بشكل كبير بحسب مجال الدراسة والجامعة المختارة، إذ يعد الطب أغلى مجالات الدراسة، برسوم تبلغ الآن 8000 دولار، ارتفاعا من 2100 دولار في عام 2021. وفي حين يعزز تدفق الطلاب الأجانب التبادل الثقافي والإيرادات، إلا إنه يزيد من حدة المنافسة على المقاعد، ويرفع الحد الأدنى للقبول في الجامعات الحكومية للطلاب المصريين.
قطاع التعليم العالي العابر للحدود في مصر ينمو بوتيرة سريعة: يستضيف قطاع التعليم العالي في مصر الآن أكثر من 100 مؤسسة أجنبية تعمل من خلال فروع الجامعات الدولية، والشهادات المشتركة والمزدوجة والامتيازات وغيرها من الشراكات. وتستند دوافع الحكومة إلى زيادة عدد الشباب، والقدرة المحلية المحدودة، والطلب على بدائل ميسورة التكلفة للتعليم في الخارج وسط ضغوط النقد الأجنبي.
ولكن ليس كل شيء يسير بسلاسة: أدى نقص النقد الأجنبي إلى توقف بناء أي حرم جامعي جديد، وتركت الفجوات التنظيمية لفروع الجامعات الدولية مجالا للارتباك، حيث يتحمل المستثمرون من القطاع الخاص فواتير باهظة للبنية التحتية الخاصة بفروع الجامعات الدولية. وفي حين تتصدر بريطانيا المجموعة، إلا أن نمو التوسع من قبل ألمانيا والولايات المتحدة ينتعش مع تنويع سوق التعليم العابر للحدود. وفي الوقت نفسه، لا تزال مصر تواجه هجرة من قبل الطلاب، إذ يختار المزيد من الطلاب الدراسة في الخارج على الرغم من الجهود المحلية.
تنظر الحكومة في فرض قيود أكثر صرامة على المعلمين الأجانب في مصر، حيث تدرس مقترحا قدم من نقابة المعلمين بإلزام المعلمين الأجانب بالحصول على رخص مزاولة المهنة من النقابة قبل العمل في المدارس الدولية أو مراكز الدروس الخصوصية. وتهدف الخطة إلى التحقق من مؤهلات المعلمين الأجانب وانتماءاتهم المهنية وإعداد حصر شامل للمعينين، على أنه توجه رسوم الرخص المحصلة لتحسين ظروف مهنة التدريس وزيادة الأجور ومبادرات التطوير المهني، والاهتمام بالأبنية التعليمية. وفي حين تخضع المدارس الدولية للمراقبة بالفعل، يقول المعارضون إن مراكز الدروس الخصوصية ومعاهد اللغات ــ حيث يعمل المعلمون غير المؤهلين في كثير من الأحيان ــ تشكل تحديا أكبر. كما تدفع تكاليف التشغيل المتزايدة وعدم استقرار سعر الصرف بعض المدارس إلى الحد من توظيف المعلمين الأجانب، الأمر الذي يضيف ضغوطا إلى قطاع يعاني بالفعل من ضغوط شديدة.
وبالحديث عن مراكز الدروس الخصوصية، تسعى منصة الذكاء الاصطناعي الجديدة التابعة للوزارة إلى إحداث تغيير جذري: تقوم الوزارة بتجربة منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى الحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية المكلفة. يمكن للطلاب في المدارس الحكومية والخاصة ومدارس اللغات الوصول إلى المنصة من خلال نظام كودي، وتوفر أدوات تعليمية تفاعلية وتتبع مسار التقدم والتقييم الآلي. سيتمكن لطلاب المدارس الحكومية من استخدام المنصة مجانا، بينما سيدفع طلاب المدارس الخاصة رسوما رمزية.
ما الخطوة التالية بالنسبة للجامعات الأهلية؟ من المقرر افتتاح ثماني جامعات أهلية جديدة العام المقبل في محافظات القاهرة وكفر الشيخ وسوهاج والوادي الجديد، ليصل الإجمالي إلى 28 جامعة. تهدف هذه المؤسسات إلى تلبية الطلب المتزايد على التعليم عالي الجودة وبأسعار معقولة من خلال برامج تتوافق مع احتياجات سوق العمل. في الوقت الذي تقدم فيه هذه الجامعات رسوما دراسية متوسطة ومناهج حديثة، لا تزال هناك تحديات على شاكلة الحصول على الاعتماد الدولي والفوارق بين المناطق الريفية والحضرية في الوصول إلى التعليم العالي. وربما يساهم القطاع الخاص بدور أكبر مع تقديم الحكومة للحوافز لتعزيز الاستثمار في المناطق المحرومة من الخدمات.
خطط لزيادة الاستثمارات في التعليم الخاص: تراهن مصر على الرخص الذهبية لإعادة تنشيط الاستثمار في التعليم الخاص، وتسريع الموافقات والحصول على الإعفاءات الضريبية وتخفيض متطلبات الأراضي. ومع ارتفاع الطلب، تستهدف الحكومة إنشاء 1000 مدرسة جديدة بحلول عام 2030، لكن البعض يحذر من أنه بدون الإصلاح التشريعي والسياسات المعدلة تبعا للتضخم، قد تفشل الخطة.