لم تفتقر مصر يوما إلى الأفكار المبتكرة أو المواهب الواعدة، بل تمثلت معضلتها الدائمة في مرحلة العبور إلى التطبيق العملي؛ حين يتحول ما تلقاه الطلاب داخل الصفوف الدراسية وخلال عملية البحث العلمي على المستوى الأكاديمي إلى منتج ملموس تستطيع الشركات استخدامه وتمويله وبناءه، وفي نهاية المطاف طرحه في السوق. ومن أجل هذا، تسعى الجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى تجسير الفجوة عبر " مركز الابتكار "، الذي يجلب قطاع الصناعة إلى قلب الحرم الجامعي، ويخلق بيئة تجمع الشركات الكبرى، والشركات الناشئة سريعة النمو، وأعضاء هيئة التدريس، والطلاب تحت مظلة واحدة للمشاركة في تطوير حلول لمشكلات واقعية.

ما هو مركز الابتكار بالجامعة الأمريكية.. وما المشكلة التي يحاول حلها؟

يقوم مركز الابتكار على فكرة بسيطة: إذا أرادت الجامعة ابتكارا قابلا للتطبيق — وليس مجرد أبحاث حبيسة الأدراج أو محض رعاية غير مستدامة — فلا بد أن يكون لقطاع الصناعة وجود فعلي داخل الحرم الجامعي، مما يجعل التعاون بين الطرفين عملا اعتياديا. "قبل بضع سنوات، قررت الجامعة أنه من الضرورة بمكان وجود الصناعة فعليا داخل الحرم الجامعي"، وفق ما قالته المديرة التنفيذية لمركز الابتكار، داليا عبد الله، لإنتربرايز. وأضافت: "لدينا كليات في العلوم والهندسة وإدارة الأعمال والسياسات العامة، وجميعها تعمل مع شركاء أعمال وقادة صناعة. لكن الفكرة تكمن في خلق وجود مادي ورمزي في الحرم الجامعي، ليكون لدينا مساحة تتشارك فيها الأطراف في صناعة الابتكارات القابلة للتطبيق". لكن، مصطلح "الصناعة" هنا لا يقتصر على الشركات الكبرى فحسب، بل يشمل الشركات الناشئة والجهات الحكومية والكيانات الداعمة والشركات العملاقة، بحسب عبدالله.

صمم المركز ليكون عابرا للتخصصات، إذ لا يتبع كلية بعينها داخل الجامعة، مما يمنحه مساحة للعمل مع كافة فئات الطلاب، وتشكيل فرق تنتمي إلى تخصصات متعددة لمواجهة التحديات التي يطرحها الشركاء.

يتمثل الهدف الأساسي للمركز في سد ثغرة لم تنجح مصر في تجاوزها تماما من قبل. تقول عبدالله: "تعد الروابط بين التعليم الأكاديمي والصناعة مشكلة قديمة ومتجذرة. وتكمن المعضلة دائما في أن وتيرة العمل الأكاديمي بطيئة وتحتاج دورات تطوير طويلة، وفي المقابل تتحرك الصناعة بسرعة فائقة". وأضافت أن النتيجة غالبا تكون انهيار العلاقة في اللحظة التي يُفترض أن تصبح خلالها مفيدة. "لن تنتظر شركة في قطاع الصناعة عاما أو عامين حتى تنتهي الأوساط الأكاديمية من بحث ما للوصول إلى استنتاج أو حل يفيدها. لذا نحاول في المركز تقليل هذه الفجوة، كي نقترب من واقع وتعقيدات الصناعة، ونحاول في هذا الإطار تقريب التعليم الأكاديمي"، وفقا للمديرة التنفيذية للمركز.

كيف يعمل هذا النموذج على أرض الواقع؟

يتبع المركز معايير انتقائية دقيقة في اختيار شركائه. إذ تشير عبدالله إلى أن المركز "يستهدف فئات مختلفة، من ضمنها الشركاء التقليديين من الشركات… وقادة الصناعة الذين لديهم تحديات ابتكارية ويقدرون قيمة التطوير". واستشهدت بشركتي سوديك وماونتن فيو، بالإضافة إلى شركة أباتشي، مضيفة أن قائمة الشركاء في توسع مستمر. أما الفئة الثانية فهي الشركات الناشئة سريعة النمو وأيضا تلك التي يطلق عليها "شركات الغزلان أيضا"... التي تمتلك تقنيات فريدة ومبتكرة، مع تفضيل لشركات "التكنولوجيا العميقة" التي قد لا يحتك بها الطلاب في سياقات أخرى.

يكمن الهدف من عملية الفلترة الدقيقة هذه في المحافظة على الصورة الرئيسية والهدف من وراء المركز، ومنعه من أن يكون مجرد أداة دعائية. "لا نقبل مجرد أموال ميزانيات التسويق أو المسؤولية المجتمعية للشركات.. لا نأخذ المال وحسب. ينبغي أن يكون الشركاء جادين وملتزمين، وأن يخصص موظفوهم وقتا ليكونوا جزءا من عملية الابتكار المشترك"، حسبما قالت عبدالله. وأوضحت أن ما تريده من الشركات المشاركة ليس مجرد طرح المشكلة، بل تخصيص كوادرها للمشاركة في التنفيذ.

لا تكمن قيمة المركز في كونه "مساحة عمل" بقدر قيمته الكامنة في قربه من الأشخاص الذين يحتاج إلى التعامل معهم، حسبما يرى الرئيس التنفيذي لشركة تايل غرين، عمرو شعلان. ففي تعليقه لإنتربرايز، قال شعلان: "بالنظر إلى الطبيعة التنقية لمنتجنا، جنبا إلى جنب مع هدفنا المتمثل في الشركات الكبرى، كان من المهم أن نكون حاضرين في مساحة تجمعهما معا. يمثل مركز الابتكار بالنسبة لي مساحة افتراضية وفعلية تجمع بين أدوات الابتكار (الشركات الناشئة) والشركات الكبرى والمجتمع الأكاديمي… هناك فعاليات وأنشطة مستمرة تربط الأطراف الثلاثة ربطا منهجيا". ويؤكد شعلان أن هذا القرب هو ما يجعل المحادثات تسفر عن علاقات عمل. إذ يقول: "كنا حاضرين هناك أثناء عملنا مع سوديك للتحقق من نموذج أعمالنا، مما قلص المسافات بشكل كبير؛ فقد كانت سوديك معنا يوميا".

الوجود داخل الحرم الجامعي ليس مجرد شعار. "نحن موجودون فعليا في الحرم الجامعي كل يوم. يحضر فريقنا بالكامل هناك، لقد نقلنا مقرنا الرئيسي عمليا إلى الجامعة الأمريكية.. فهذا هو مكتبي، والناس يأتون لمقابلتي هناك"، بحسب شعلان، الذي يعتقد أن أفضل ما يفعله فريق المركز ليس إحلال واستبدال الأقسام أو المختبرات أو هيئة التدريس، بل "تذليل الطريق وتجاوز العقبات". ويضيف: "أفضل ما يقدمه المركز هو الربط بينك وبين قسم الإنشاءات مثلا، وتسهيل المناقشات وإزالة العوائق.. إنه يضعك في بيئة ومكان ممتازين".

يرى الرئيس التنفيذي لشركة الروبوتات كو-بر، أحمد بركات أن هذا النموذج بمثابة حلقة الوصل بين قدرات الجامعة واحتياجات العالم الحقيقي. "يعد المركز بمثابة الجسر الرابط بين الحرم الجامعي وقطاع الأعمال الحقيقي، سواء أكانت شركات ناشئة أم شركات كبرى. يسهل المركز كافة أوجه التعاون والشراكات.. سواء من خلال هيئة التدريس أو الطلاب أو المرافق داخل الجامعة"، وفق ما قاله بركات لإنتربرايز، مضيفا أن الشركات مطلوب منها تقديم شيء ملموس. وتابع قائلا: "نحن نوفر فرص تدريب للطلاب، وفي الوقت نفسه، نحصل على فرصة للوصول إلى طلاب الجامعة واستخدام المركز بوصفه مساحة عمل".