كيف تؤثر قوى السوق على المعاهد الثقافية الأجنبية؟ تقدم المعاهد الثقافية التابعة للسفارات - مثل المجلس الثقافي البريطاني التابع للمملكة المتحدة، ومعهد جوته الألماني، والمعهد الفرنسي - دورات للغات كجزء من مهمتها لتعزيز تأثيرها الثقافي والمساعدة في تنمية العلاقات الدبلوماسية. في الجزء الأول من هذه القصة، تطرقنا إلى السبب في كون تعليم اللغة جزءا لا يتجزأ من مهمة تلك المعاهد، وما يميزهم في السوق، وطبيعة نماذج أعمالهم. في الجزء الثاني، سنتعمق في كيفية استفادة هؤلاء اللاعبين من اتجاهات السوق والطلب لتوسيع أعمالهم، بالإضافة إلى العثرات التي يواجهونها على طول الطريق.

الاتجاهات -

توسعات جديدة لمواءمة الزحف العمراني: لتلبية الطلب المتزايد على تعلم اللغة الفرنسية، يتوسع المعهد الفرنسي بشكل استراتيجي في المواقع التي تظهر بها مراكز حضرية جديدة. "نحاول الوصول إلى الأشخاص الذين لم يعد بإمكانهم القدوم إلى مواقعنا الأصلية نظرا لانتقالهم إلى أحياء جديدة"، حسبما قالت نانسي إبراهيم، مدير قسم اللغة بفرع المعهد الفرنسي في المنيرة بالقاهرة. وتابعت: "المباني التابعة لنا في المنيرة والإسكندرية قديمة وأنيقة للغاية وذات هندسة معمارية جميلة، ولكنها تقع في الأحياء القديمة". وأوضحت: "المباني التابعة لنا في الإسكندرية تقع في وسط المدينة، ومن الصعب ركن السيارات هناك". ولمعالجة هذه التحولات الديموغرافية، افتتح المعهد فرعا في التجمع الخامس وآخر في الشيخ زايد، كما يعمل على افتتاح فرع جديد في الإسكندرية.

تدشين دورات متخصصة: قال مسؤولون من معهد جوته والمعهد الفرنسي إنهم استجابوا للطلب المتزايد على الدورات المصممة خصيصا لمجموعات بعينها، مثل الأكاديميين الساعين للسفر بهدف استكمال مرحلة الدراسات العليا أو الموظفين المصريين المعينين من قبل شركات أجنبية. وقد أدت زيادة وجود فرص في الدول الأفريقية إلى نمو الطلب من قبل الشركات - خاصة في مجالات الهندسة والاتصالات - بهدف توفير الدورات التدريبية في اللغات لموظفيهم، بحسب إبراهيم. ومع أن اللغة الإنجليزية هي لغة العمل الأساسية لهؤلاء الموظفين، هناك حاجة أيضا للغة الفرنسية للتعامل في الحياة اليومية في العديد من البلدان الأفريقية. وبالنسبة لهذه المجموعات، يقدم المعهد الفرنسي برامج مخصصة ذات وتيرة سريعة تركز على اللغة المرتبطة بمكان العمل.

التخلص من الجداول الزمنية الصارمة: إحدى الطرق التي استجاب بها المجلس الثقافي البريطاني لاحتياجات الدارسين هي اعتماده البرنامج الرئيسي للبالغين " ماي كلاس "، حسبما قال كيفن ماكلافين، رئيس مجموعة منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا للغة الإنجليزية ومدير المجلس في مصر. "يضع البرنامج في اعتباره أن الناس يعيشون حياة مشغولة للغاية ويعانون بشدة من ضيق الوقت"، بحسب ماكلافين. "إنه مختلف تماما عن البرنامج التقليدي - يستطيع الطلاب حجز الدروس في الأيام التي يريدونها، وفي الأوقات التي يريدونها، ومع المعلمين الذين يريدون. يمكن للطالب، على سبيل المثال، اختيار حضور ثلاثة دروس هذا الأسبوع وعدم حضور أي دروس على الإطلاق في الأسبوع التالي"، طبقا لماكلافين.

بناء شراكات قوية: "يعمل معهد جوته مع وزارة التعليم على تدريب معلمي المدارس وتزويدهم بمنح دراسية للتدريب في الخارج، وهو على استعداد لمساعدة الوزارة في خطتها لتدريس اللغة الألمانية كلغة أجنبية ثانية اختيارية في المدارس الحكومية بداية من الصف الأول الإعدادي خلال العام الدراسي 2024-2025"، وفق ما قالته نيفين السيوفي، رئيسة قسم اللغات في مكتب المعهد بالقاهرة والمسؤولة الإقليمية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما أبرم معهد جوته اتفاقية مع المجلس الأعلى للجامعات في عام 2019 للمساعدة في تدريس اللغة الألمانية للأطباء والمهندسين في الجامعات الحكومية المصرية كجزء من مبادرة رئاسية، حسبما أضافت السيوفي لإنتربرايز. ومنذ ذلك الحين، يقوم المعهد بتدريب المحاضرين ومساعديهم لتدريس اللغة، وسيستمر المشروع لمدة ثلاث سنوات أخرى.

الارتقاء إلى العصر الرقمي: تعتبر الرقمنة واحدة من أهم الطرق التي تطورت بها المؤسسات الثقافية على مر السنين، حسبما أخبرتنا جميع مصادرنا. تقدم المعاهد مجموعة من البرامج التي تناسب تفضيلات واحتياجات مختلف الطلاب سواء من خلال التعلم عن بعد أو التعليم المدمج. "كان لدى معهد جوته منصة رقمية للتعلم عن بعد قبل عشر سنوات من تفشي جائحة كوفيد، لكن الطلاب كانوا يفضلون التعلم وجها لوجه. ولكن بعد الوباء بدأت الشكوك حول التعلم عن بعد تتلاشى وأصبح الناس أكثر تقبلا للفكرة"، حسبما قالت السيوفي.

الرياح المعاكسة -

العثور على معلمين مؤهلين يشكل تحديا كبيرا: أشارت كل من إبراهيم والسيوفي إلى صعوبة العثور على مدرسي لغة مؤهلين باعتبارها من أكبر التحديات التي تواجهها معاهدهم. يفخر كلا المعهدين، إلى جانب المجلس الثقافي البريطاني، بتقديم تدريب مكثف لمعلمي اللغة لديهم. ورغم ذلك قد يكون من الصعب العثور على معلمين لا يمتلكون المهارات فحسب، بل أيضا شغف التدريس، مما يجعل الاحتفاظ بهم تحديا كبيرا، حسبما قالت إبراهيم. كما أن "إجادة اللغة وحدها ليست كافية"، وفقا للسيوفي التي أضافت أن الأمر يتطلب مزيجا نادرا من الكفاءات المهنية. ويتلقى المعلمون المعينون من قبل معهد جوته تدريبا أوليا مدته عام ونصف العام تقريبا. وبالتوازي، يمكنهم البدء في التدريس في غضون ستة أشهر.

المعاهد الثقافية تعاني من ضغوط التعويم والتضخم: يمثل تسعير الدورات التدريبية والامتحانات بطريقة تحقق التوازن بين دخل المعهد وقدرة الطلاب على دفع المصروفات تحديا أمام المعاهد الثقافية في ظل البيئة التضخمية الحالية، طبقا للسيوفي. بعد تعويم الجنيه، اضطر معهد جوته إلى رفع أسعار الامتحانات بنسبة 40% تقريبا، لكنه تمكن من تطبيق زيادة أقل على أسعار دوراته، وفقا للسيوفي، مضيفة أن المعهد درس تلك القرارات بعناية شديدة.

القيود المفروضة على صرف العملات الأجنبية عائق آخر: لا يتمكن بعض الطلاب من التسجيل في الدورات التدريبية على الإنترنت التابعة لمعهد جوته، بسبب القيود المفروضة على صرف العملات الأجنبية من خلال بطاقات الخصم، ، حسبما قالت السيوفي. وتابعت: "نتيجة لذلك، اضطررنا إلى زيادة عدد الموظفين في الفروع لاستيعاب الأشخاص الذين يدفعون الرسوم بصفة شخصية في المعهد، حيث نتقاضى ما يعادل قيمة الرسوم بالجنيه المصري بدلا من اليورو".

عزوف بعض الطلاب عن الالتحاق بدورات اللغة: "بسبب المناخ الاقتصادي الحالي، لا يمثل تعلم اللغات الأجنبية أولوية للجميع"، وفقا لما قالته إبراهيم. بينما يقبل الأطفال وطلاب الجامعات على دورات اللغة، استقبل المعهد عددا أقل من الطلاب الأكبر سنا. "على سبيل المثال، بعد انتهاء فترة جائحة كوفيد، اختفت تماما مجموعة الأمهات اللاتي يحضرن الدورات في الصباح. وذلك بسبب أن الدورات التدريبية الأخرى المقدمة عن بعد إلى جانب وجود البدائل الأرخص التي تقدمها مراكز اللغات الخاصة الصغيرة متاحة بكثرة، رغم أنها غالبا ما تكون أقل في المستوى"، وفقا لإبراهيم.

لكن إجمالي الطلب لا يزال قويا: "على الرغم من التحديات الاقتصادية، ما زلنا نشهد طلبا متزايدا عاما تلو الآخر على دورات اللغة الإنجليزية لدينا، سواء من قبل البالغين أو حتى صغار الدارسين"، بحسب ماكلافين. وأضاف "كان أحد مخاوفنا قبل عامين يتمثل في عدم قدرة أحد على تحمل تكاليف حضور دروس اللغة الإنجليزية، لكنني أعتقد أنه ببساطة أنه إذا كنت تريد وظيفة أفضل - أو وظيفة في دول الخليج على سبيل المثال - فيجب أن تحصل على أفضل المؤهلات الممكنة، وبالتالي سيتعين عليك أن تجد طريقة لتعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها".

الطريق أمامنا -

كيف ستتطور هذه المعاهد خلال السنوات أو العقود القليلة المقبلة؟ "أعتقد، دون أدنى شك، أن الأمر يكمن في التكنولوجيا، ثم التكنولوجيا، ثم التكنولوجيا"، وفقا لماكلافين. وأضاف "أنا لا أقول إن التعامل وجها لوجه سوف يندثر تماما. لكن التكنولوجيا تقدم الكثير من حيث الفرص والكفاءة والمرونة والاختيار. وسيتعين على سوق التعليم أن تستجيب لتلك التطورات التكنولوجية" .


أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:

  • "السيادي السعودي" يتطلع لإتمام الفحص النافي للجهالة على سيرا للتعليم قبل سبتمبر: من المتوقع أن تنهي الشركة السعودية المصرية للاستثمار، وهي شركة مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، إجراءات الفحص النافي للجهالة على شركة سيرا للتعليم بحلول نهاية أغسطس.
  • تلقت التعديلات الخاصة باتفاقية مبادرة التعليم العالي المصرية الأمريكية الضوء الأخضر في اجتماع مجلس الوزراء الأسبوع الماضي. وتمنح المبادرة البالغة قيمتها 250 مليون دولار المصريين المتفوقين فرصة الحصول على منح لإكمال التعليم العالي محليا وفي الولايات المتحدة.
  • منصة مصر للتعليم تعتزم إنشاء مدرستين جديدتين العام المقبل: تعتزم منصة مصر للتعليم – وهي شركة مشتركة تأسست عام 2018 من قبل كل من مجموعة إي إف جي القابضة وصندوق مصر السيادي وجيمس الدولية ومستثمرين آخرين – إنشاء مدرستين جديدتين في الإسكندرية وسوما باي بحلول شهر سبتمبر 2025.
  • رئيس الوزراء مصطفى مدبولي يضع التعليم ضمن أولويات الحكومة الجديدة خلال خطابه أمام مجلس النواب الأسبوع الماضي، حيث قال إنه سيعطي الأولوية لإنشاء المدارس الجديدة بالمناطق الأعلى كثافة من حيث الطلاب والمناطق النائية، مع إيلاء اهتمام بالتعليم الفني لتخريج طلاب مزودين بأحدث المهارات والتقنيات المناسبة لسوق العمل.
العلامات: