لم يكن قطاع التعليم بمنأى عن موجة الاضطرابات التي نتجت عن تقنيات الذكاء الاصطناعي. وفي قلب هذا المشهد الذي يتجلى أمامنا على إثر هذا الوضع الجديد، تبرز منصة "فهيم". نجحت الشركة الناشئة المصرية في تقديم نفسها في قالب مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي يدعم الطلاب في التحصيل الدراسي، اعتمادا على أساليب تعلم سمعية وبصرية. ومن أجل الوصول إلى فهم أعمق للآليات التي تعمل بها المنصة، التقينا مع محمد غريب، المدير التنفيذي للتكنولوجيا بالشركة (لينكد إن). إليكم مقتطفات محررة من حوارنا:
إنتربرايز: كيف تلخص فكرة "فهيم" في سطور؟
غريب: "فهيم" هو معلم ورفيق شخصي يعتمد على الذكاء الاصطناعي في رحلة التعلم، ويساعد الطلاب على المذاكرة والمراجعة باستخدام تنسيقات نصية وصوتية وبصرية. تعتمد المنصة على التعلم القائم على الاستقصاء، وهو نهج يتكيف مع الطالب بناء على مستوى التقدم الذي يحرزه في الدراسة. فمن خلال استجابات الطالب لأسئلة معينة، يقيم المساعد الشخصي "فهيم" مدى استيعابه لأي موضوع.
إنتربرايز: لماذا قد يستخدم الطالب "فهيم" بدلا من النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) الحالية مثل "تشات جي بي تي"؟
غريب: يكمن السبب وراء تفضيل مساعدنا الذكي في المحرك وقاعدة المعرفة الخاصة بـ "فهيم" ـ— التي استغرقنا سنوات في صياغتها — فهي ببساطة "خلطتنا السرية" التي تميزنا عن غيرنا. يتسم "فهيم" بأنه متوافق تماما مع المناهج الدراسية، بالإضافة إلى أن قاعدته المعرفية مبنية عليها حصريا. فعلى سبيل المثال، إذا كان المستخدم طالبا مصريا في المدارس الحكومية، لن يستخدم "فهيم" سوى محتوى الكتب المدرسية الرسمية. إذ نعتمد على تقنيات "التوليد المعزز بالاسترجاع" (RAG) والرسوم البيانية المعرفية لاسترداد البيانات من المنهج. وفي المقابل، تعتمد برامج مثل "تشات جي بي تي" في ردودها على الإنترنت الذي تدربت على بياناته.
ربما ينجح "تشات جي بي تي" في استيعاب أحد الدروس، غير أنه سيجيب بمعلومات ليست ذات صلة بمنهج الطالب. كذلك تظهر معضلة هلوسة النتائج، وهو مصطلح يصف الاستجابات غير المنطقية التي تنتجها برامج الذكاء الاصطناعي بناء على بيانات تدريب غير دقيقة. إذ إن نماذج اللغات الكبيرة التي تتخذ من الإنترنت قاعدة بيانات لها معرضة بشدة لهذه الهلوسة، أما في "فهيم"، فإن معدل الهلوسة منخفض بشكل دراماتيكي لأن كل إجابة مستمدة من بيانات موثقة ومتوافقة مع المنهج؛ لأن بنيتنا التكنولوجية صُممت للقضاء على الهلوسة فعليا.
إنتربرايز: هل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر ملاءمة من النماذج البشرية التقليدية في قطاع تكنولوجيا التعليم؟
غريب: صار المدى الزمني للانتباه لدى الصغار في أيامنا هذه قصيرا للغاية، ولا يميلون للمذاكرة لساعات متواصلة، بل يريدون وسيلة سريعة توفر المعلومة دون ملل. وبالطبع، سيظل وجود المعلم حيويا للغاية، ولكن في حين أن "فهيم" وطرق التدريس التقليدية أيضا تتبنى أساليب متشابهة، يكمن الفارق في استخدام التطبيق المراجعات الفورية، المراجعات السريعة قبل الامتحان، والنقاشات. تريد الأجيال الشابة أن تتلقي المعلومات بطريقة مختلفة وبإيقاع أسرع، ولهذا السبب وجد "فهيم".
إنتربرايز: هل يمكن لشركات تكنولوجيا التعليم المحلية دمج المناهج في برامجها والتحول لتقديم خدمة مشابهة لـ "فهيم"؟
غريب: العائق الحقيقي أمام دخول هذا المجال هو العمق التقني والخبرة المتراكمة المطلوبة لبناء هذا النظام. فعلى المستوى النظري، يستطيع أي شخص استخدام أي كتاب مدرسي واستخدام تقنية التوليد المعزز بالاسترجاع لضبطه وتحويله إلى نموذج لغة كبير، ومن خلال تحويل الكتاب إلى تمثيلات رقمية، يمكن للمطور إنشاء أداة تجيب على أسئلة أساسية.
ومع ذلك، يفتقد هذا النهج البسيط عنصرين حاسمين. أولا: يعجز عن مراعاة الصف الدراسي والمستوى الأكاديمي المحدد للطالب. وثانيا: يفتقر لسياق الاستفسار، فبدون السياق، لا يفعل النموذج سوى استرجاع العبارات الأكثر تشابها من حيث النص مع السؤال من الكتاب المدرسي، بدلا من "فهم واستيعاب" احتياجات الطالب الحقيقية.
وفي المقابل، يحدد "فهيم" مستوى الطالب وسياق السؤال قبل الرد؛ فهو يميز ما إذا كان الطالب يسأل أثناء امتحان، أو يحل واجبا منزليا، أو يحاول فهم الفرق بين مفهومين. لقد وصلنا إلى ذلك عبر بناء قاعدة معرفية تتكون من علاقات مفسرة بين نقاط البيانات، بدلا من مجرد التمثيلات الرقمية البسيطة، مما يسمح للنموذج بتقديم إجابات موثقة ومخصصة لوضع الطالب المحدد.
إنتربرايز: هل يرتبط "فهيم" بنموذج ذكاء اصطناعي محدد؟ وكيف تتعاملون مع انقطاعات الخدمة المحتملة من مزودين مثل "أوبن أيه أي" أو جوجل؟
غريب: يتسم "فهيم" بالاستقلالية والمرونة في التوافق مع النماذج المختلفة، مما يعني أننا قادرون على العمل مع "تشات جي بي تي" أو جيميناي أو حتى نماذج اللغات الأصغر. إذ تكمن الخلطة السرية في قاعدتنا المعرفية الداخلية؛ فنحن نستخدم نماذج اللغات الكبيرة بشكل أساسي لإضفاء طابع بشري على الإجابات المستمدة من بياناتنا الموثقة، بدلا من الاعتماد على هذه النماذج لتوفير المعلومات الجوهرية. ونظرا إلى أن الخبرة الفنية تكمن في القاعدة المعرفية نفسها، يمكننا التكيف بسرعة والتبديل بين النماذج إذا واجه أي مزود عطلا.
إنتربرايز: هل من المجدي تشغيل هذه النماذج على خوادمكم المحلية؟ وما هي التبعات لذلك على مستوى التكاليف؟
غريب: أجل إنه مجدٍ، وقد جربنا بالفعل فكرة سيادة الذكاء الاصطناعي؛ فخلال النسخة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا الأخير، نجحنا في تشغيل "فهيم" على خوادم محلية، وأجاب باستخدام نموذج لغة محلي. الاختيار بين الخوادم المحلية وواجهات برمجة التطبيقات السحابية يعتمد بشكل كبير على حجم الاستخدام.
إنتربرايز: ما هي الخطوات القادمة لـ "فهيم"؟
غريب: سنطلق ميزتين مهمتين قريبا؛ الأولى هي "المسح والإجابة" (Scan and Solve)، التي ستسمح للطلاب بمسح أي جزء من المنهج ضوئيا — وأقصد أي شيء: سواء أكان سؤالا أم مقالا، أم أي شيء آخر — ليتولى "فهيم" تحليله وتبسيطه لهم.
الميزة الثانية هي "اللوحة الذكية" (Smartboard)، وهي خدمة تفاعلية للغاية تستخدم الصوت والصورة والنص لشرح موضوع معين، إذ تحاكي شرح المعلم الحقيقي باستخدام العربية العامية والإنجليزية، وتسمح للطالب بالمقاطعة لطرح أسئلة أو طلب مزيد من التوضيح في أي لحظة. وبالإضافة لذلك، نعمل على دمج منهج شهادة IGCSE البريطانية في التطبيق.
إنتربرايز: كيف يمكن لـ "فهيم" مساعدة صانعي السياسات الحكومية في فهم المشهد التعليمي؟
غريب: يساعدهم بشكل كبير؛ فنحن نصدر تقارير توضح مدى تطور أداء الطالب أو تحسنه منذ بدء استخدامه "فهيم"، بما في ذلك إجاباته ودرجاته. تخدم هذه البيانات وزارة التربية والتعليم من خلال توفير تحليلات ورؤى تساعد في توجيه قرارات الاستثمار والسياسات التعليمية.
إنتربرايز: هل يعمل الذكاء الاصطناعي باستقلالية كاملة، أم أن هناك عنصرا بشريا يراقب جودة المحتوى التعليمي؟
غريب: يسهم البشر بدور رئيسي؛ فمن أجل بناء قاعدتنا المعرفية، استعنا بمعلمين حقيقيين لأداء عمليات التحقق والتدقيق، ومن أجل ضمان أن المحتوى الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي موثق ومتوافق تماما مع المنهج الدراسي.