إذا كان عام 2024 هو عام الصمود (أمام: التضخم المرتفع، وزيادة المصروفات، وتقلبات العملة)، فإن عام 2025 كان عام “الإصلاحات الهيكلية”. لعقود طويلة، ظلت شكوى مجتمع الأعمال ثابتة: الخريجون ليسوا على استعداد لسوق العمل. وهذا العام، تضافرت أخيرا السياسات الحكومية مع جهود القطاع الخاص لسد هذه الفجوة. فمن التقليص الجذري لمناهج الثانوية العامة إلى التوسع القوي في المدارس التكنولوجية والإدخال الإلزامي للذكاء الاصطناعي، كان شعار 2025 هو “الأولوية للتوظيف لا لمجرد الشهادات”.

ولكن بينما ركزت الدولة على إصلاح النظام من الداخل، اتجه القطاع الخاص نحو الخارج. سيُذكر 2025 باعتباره العام الذي أصبحت فيه مصر مصدرا صافيا لإدارة التعليم، حيث وضع كبار المشغلين بصماتهم في السعودية — ولأول مرة على الإطلاق — في الولايات المتحدة. إذا، كيف كان أداء قطاع التعليم في عام 2025؟

الشركات الكبرى تضخ استثمارات ضخمة في الداخل.. وشركات مصرية تتوسع في الخارج –

بدأ العام بصفقة كبرى عندما عززت شركة سوشيال إمباكت كابيتال المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة السعودي قبضتها على شركة “سيرا للتعليم” عبر صفقة بلغت قيمتها 3.4 مليار جنيه، لترتفع حصتها الإجمالية إلى 88.7%. وجاءت الصفقة كإشارة إلى أن أكبر شركة في قطاع التعليم الخاص في مصر يمهد الطريق لمرحلة جديدة من النمو القوي محليا ودوليا.

وسرعان ما وُظفت هذه السيولة الضخمة المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة؛ حيث تحركت “سيرا” المدرجة في البورصة المصرية للاستحواذ على ما يصل إلى 90% من شركتها التابعة “القاهرة للخدمات التعليمية”، وشراء حصة تبلغ 51% من المدرسة الفرنسية الدولية بالغردقة للتوسع في سوق التعليم الدولي بمنطقة البحر الأحمر.

كما استحوذت شركة سيرا جلوبال فينتشرز على حصة في أكاديمية فالكون — في أول توسع استراتيجي لمجموعة تعليمية مصرية إلى سوق التعليم الأساسي بأمريكا الشمالية — مما يشير إلى أن سيرا للتعليم تمتلك الآن الميزانية العمومية والثقة اللازمة للمنافسة في السوق الأكثر نضجا في العالم..

وانضمت منصة “سبارك للتعليم” المدعومة من إي إف جي هيرميس إلى موجة الاستحواذات أيضا، عندما اقتنصت حصة أغلبية فيمدرسة قمم الحياة الدولية بالرياض، كما أبرمت شراكة مع مجموعة جيمس للتعليم لإطلاق مدارس في السعودية والبحرين بحلول يونيو. كذلك سعت الشركات الأصغر حجما إلى التوسع والاستحواذ في دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك شركةآي سكولالمصرية الناشئة التي استحوذت على شركة “بذور”، ذراع تكنولوجيا التعليم لشركة البرمجيات المصرية السعودية “الجوريزا”، لتعزيز وجودها في المملكة.

مجتمع الأعمال يبني مدارسه بنفسه لسد فجوة المواهب –

أدت الفجوة بين مخرجات الجامعات واحتياجات سوق العمل إلى موجة استثمارية ضخمة في التعليم الفني خلال عام 2025. وأظهرت شراكة مجموعة جي بي كورب مع جامعة ساكسوني مصر (التي افتتحت أبوابها رسميا في أبريل) في تخصص ميكاترونيكس السيارات، ودعم هيئة الدواء المصرية لمدارس التكنولوجيا التطبيقية في قطاع الأدوية في أغسطس، أن القطاعات الصناعية لم تعد تنتظر الجامعات لإنتاج المواهب، بل بدأت في بناء المدارس بنفسها.

كذلك أطلق البنك المركزي المصري برنامج شهادة البكالوريوس في العلوم المصرفية — الأول من نوعه في مصر — بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات. ويهدف البرنامج، الذي تقدمه جامعات ومعاهد مختارة، إلى تزويد الطلاب بالمعرفة المتخصصة والمهارات العملية والأسس الأخلاقية اللازمة للنجاح في عالم مصرفي لا ينفك عن التطور، لا سيما في ظل التحول الرقمي المتسارع والتحديات الاقتصادية المتزايدة.

الجامعات المصرية تتوسع في الخارج.. والمستثمرون الأجانب يضعون مصر نصب أعينهم –

كان 2025 العام الذي تحولت فيه الاستراتيجية من مجرد جذب الطلاب الأجانب إلى تأسيس فروع كاملة للجامعات المصرية في الخارج. وقادت جامعتا القاهرة والإسكندرية هذا التوجه بخطط متقدمة لإنشاء فروع جديدة في الرياض والدوحة وأبو ظبي، بغرض خدمة الجاليات المصرية الضخمة في الخارج واستهداف سوق التعليم المتنامي في الخليج.

ولم يتخلف القطاع الخاص عن الركب، حيث أعلنت جامعة المستقبل بمصر عن دخولها سوق الدراسات العليا في الإمارات، فيما جددت جامعة الإسكندرية مساعيها للتوسع في أفريقيا. ويمثل هذا التنوع الجغرافي تطورا حاسما في نموذج أعمال القطاع؛ فمن خلال توليد إيرادات المصروفات الدراسية بالعملة الصعبة في الخارج، تبني الجامعات “تحوطا طبيعيا” ضد التقلبات المحلية، مع تعزيز “القوة الناعمة” لمصر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبينما انطلقت الجامعات المصرية نحو الخارج، واصلت الدولة تشجيع الجامعات الأجنبية على فتح فروع لها في البلاد — وهي استراتيجية واضحة لوقف استنزاف العملة الصعبة من الطلاب الذين يدرسون في الخارج. وشمل ذلك تسهيل دخول كيانات جديدة مثل جامعة كوين مارجريت وجامعة إدنبرة نابيير، في إشارة واضحة على استهداف صناع السياسات للفئة الأكثر عرضة لإخراج رؤوس الأموال عبر المصروفات الدراسية الدولية.

كما توسعت الدولة في التعليم العالي سعيا لمواجهة تكدس الجامعات الوطنية عالية الجودة في القاهرة وما حولها. ووافقت الحكومة على إنشاء 12 جامعة أهلية جديدة في ضربة واحدة، مستهدفة محافظات مثل سوهاج والأقصر والوادي الجديد. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى “لامركزية” التعليم الجيد، ووقف الهجرة الداخلية إلى القاهرة، مع تقديم بديل تدعمه الدولة للجامعات الخاصة.

نهاية الثانوية العامة بشكلها القديم.. وظهور البكالوريا المصرية وعودة الـ SAT –

وطرد “بعبع” الثانوية العامة أخيرا — ذلك الكابوس القائم على التوتر والحفظ الذي طالما أرق الأسر المصرية — هذا العام. فبعد سنوات من طرح البدائل، اتخذت وزارة التربية والتعليم قرارا جريئا بإعادة هيكلة شاملة منحت الأولوية لـ “العمق لا الكم”. ورغم أن قرار تقليص عدد المواد الأساسية وتحويل اللغات الثانية إلى مواد “نجاح ورسوب” كان مثيرا للجدل، إلا أنه عكس تحولا واضحا نحو التخصص.

ومنح إطلاق شهادة “البكالوريا المصرية” في أكتوبر مشغلي المدارس الخاصة المنتج الوطني “المميز” الذي طالما تطلعوا إليه، ليسد الفجوة بين جمود الثانوية العامة ومرونة الشهادات الدولية. وبالنسبة لمديري المدارس، مثّل هذا المنتج “نصرا تجاريا فورياً”، حيث نجح في جذب العائلات الراغبة بشدة في الهروب من كابوس “الامتحان الواحد” ولكنها لا تقوى على تحمل التكاليف الباهظة لشهادات البكالوريا الدولية أو الدبلومة الأمريكية، مما خلق منتجا من “الفئة المتوسطة” يوازن بين القدرة المادية المحلية والمرونة العالمية.

عادت اختبارات الـ SAT.. وعادت معها قوائم الانتظار. فبعد توقف دام أربع سنوات، عاد الـ SAT رسميا إلى مصر في يونيو، مما تسبب في تزاحم شديد على مقاعد مدارس الدبلومة الأمريكية. ومع إطلاق مؤسسة “كوليدج بورد” لصيغة رقمية جديدة “مقاومة للتسريب”، ارتفعت الثقة في المسار الأمريكي بين عشية وضحاها. وصرح مسؤولو لإنتربرايز حينها أن القرار أطلق موجة من التحويلات — خاصة بين طلاب الصفين العاشر والحادي عشر — الذين كانوا في السابق يفضلون “التحوط” باختيار شهادات الـ IGCSE أو الشهادات الوطنية.

الذكاء الاصطناعي ينتقل من “المصطلحات الرنانة” إلى المناهج –

شهد عام 2025 قيام الدولة بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى القطاع، متجاوزة المفاهيم الغامضة حول محو الأمية الرقمية إلى مهارات محددة وقابلة للاختبار. أقرت وزارة التعليم مناهج إلزامية للذكاء الاصطناعي لصفوف مختارة في المرحلتين الابتدائية والثانوية اعتبارا من العام الدراسي 2025-2026، مع التركيز على البرمجة التطبيقية والأخلاقيات بدلا من النظرية فقط.

العلامات: